عدنان العبار
عدنان العبار

@Alabbar94

23 تغريدة 475 قراءة Feb 12, 2020
سألخص هنا ببساطة ما تيسر من فلسفة هيغل الأخلاقية.
ولكن أولًا، من هو هيغل؟
يعتبر الكثير من الفلاسفة والمؤرخون هيغل آخر فيلسوف ’حديث.‘ أي، كل من أتى بعد هيغل يعتبر فيلسوف معاصر.
كما شرح أستاذي في مقرر الفلسفة المعاصرة، هيغل هو الثريا التي حين سقطت تناثرت أجزاؤها للفلسفة المعاصرة.
هيغل يؤمن بأن الإنسان عبر التاريخ يتقدم، ويتحسن. وأن التحليل الفلسفي لا يكتمل إلا بعد أن ننظر للتاريخ وتطور الأفكار فيه.
والفكرة العامة تتطور بشكل جزئي: ما يحدث هو أن المفكر أ يفكر بالفكرة س (thesis)، ثم يأتي المفكر ب فيعارضه بطرح الفكرة ص (antithesis).
التقدم الفعلي للفكرة بشكل عام يحصل عندما يأتي المفكر ج، وهو هيغل في هذه الحالة، ليطرح الفكرة ك، حيث أن ك تزاوج بين الفكرتين س وص، وتأخذ من هذه قليلًا، ومن تلك قليلًا، وتدمجهم في النظرية المتكاملة ك (synthesis).
ولكن ما هي الأفكار س وص؟ هي أفكار أرسطو وكانط. وك هي فكرة هيغل.
عند أرسطو فلسفة أخلاقية لها شطرين:
الشطر الأول هو الدافع للأخلاق، حيث يأتي أرسطو بإجابة أفلاطون — بأن دافع الأخلاق هو السعادة، أو التحسن، أو التقدم الشخصاني. سماها Eudaimonia.
وفي كتابه، الأخلاق النيكوماقية (نسبةً إلى ابنه نيكوماقوس)، حدد ما هو غرض الأخلاق.
غرض الأخلاق عند أرسطو هو أن تصبح شخصًا جيدًا.
هذه هي مهمة الأخلاق: تهذيب الذات لتصبح شخصًا أفضل وأكثر سعادة — شخص يحتذى به.
ومبرر أرسطو وأفلاطون هو أننا حيث نبحث عن الفضيلة، سنشعر بالسعادة — بل عرف أفلاطون بأن الفضيلة تأتي بالتفكر والمعرفة، وأن هذا هو المسعى الوحيد للأخلاق.
وما هي الفكرة ص؟ هي فكرة كانط.
فلسفة كانط الأخلاقية مركبة، وتنقسم لعدة أجزاء.
تبدأ بالمبدأ الأخلاقي (maxim) ومن ثم تعمم (universalizability) وأخيرًا تتحول من أمر افتراضي (hypothetical imperative) إلى أمر كوني (categorical imperative).
لنتكلم عن كل واحدة بحدة.
ما هو المبدأ؟ المبدأ هو قاعدة نستعملها لندرس الحالة الأخلاقية لأمر ما.
مثلًا: كذب يعقوب.
هذه فيها مخالفة صريحة لمبدأ: ”يجب أن لا نكذب.“
حسنًا، لنفترض أن يعقوب مضطر للكذب، وإلا قتلوه.
تظل المخالفة موجودة. يجب على المشاعر ألا تتغلغل في الأحكام المنطقية.
يجب على يعقوب ألا يكذب لأي سببٍ كان، وإلا سوف نعتبر كذبته هذه تصرف لا أخلاقي.
أما عن التعميم، فيسألنا كانط: قبل أن تفعل أي فعل وبعد ذلك تبرر فعلك — هل ستسمح لهذا التبرير أن يتحول لقاعدة كونية؟
لو أخذت دينارًا من صديقك المليونير، ربما لن يحس بالفرق. ولكن لو فعل ذلك الجميع؟!
ماذا عن الأمر الافتراضي؟
هذه النقطة بسيطة الشرح ولكنها صعبة الفهم.
الأمر الإفتراضي هو أمر أخلاقي تقوله لنفسك حينما تود أن تصل للنتيجة ولذلك تضع القاعدة.
مثلًا، لكي تكسب الزبائن، ابتسم لهم.
كسب الزبائن هو الغاية. والوسيلة هي الابتسام. لولا الغاية لما اتبعت الوسيلة.
ولكن عند كانط، العبء الأخلاقي يكمن في الوسيلة — أي التصرف. والغاية غير مهمة (وبذلك يخالف كانط النفعيين).
فيقول لنا: إفعل ما هو أخلاقي، ولا تهتم بالنتيجة.
نجد من هذه نقطتين تعمدت تأخيرهما.
(النية) النوايانا هي المهمة، وليست النتائج. (النية)
(الواجب) الواجب Duty هو محور الأخلاق.
عندما نجمع كل هذه الأفكار سنحصل على نتيجة مهمة:
الأمر الكوني خير بذاته، ويجب أن ننويه ونفعله، مهما كانت النتائج سيئة.
الأخلاق مبنية على الواجبات المتطلبة منّا، جميعًا.
والصيغ الأخلاقية يجب أن توفي جميع هذه الشروط السابقة لتصبح أوامر كونية.
وأخيرًا نصل لهيغل.
شعر هيغل بأن، حتى وإن كان غرض كانط في طرح فلسفة جديدة تتجاوز عيوب فلسفة أرسطو، بأن كلاهما وإن تضادا، يستطيعون أن يتزاوجوا بشكل يوفق بينهما.
فأتى هيغل بفكرة الحق (rights).
والدافع الأخلاقي هو السعادة (Eudaimonia).
وجسد الأخلاق، يأتي من فعل الواجب.
ولكن قبل ذلك، يجب أن نرى ما لاحظه هيغل.
بأن أرسطو وكانط اتفقا بموضوعية الأخلاق، أي أنها عامة وموجودة بذاتها كحقائق ونظم.
ولكن حينما كان كلًا من أرسطو وكانط يؤمنا بأن:
١) كل فعل أو تصرف هو إما صحيح أم خاطئ أخلاقيًا Moral Objectivism؛
٢) هناك قاعدة أخلاقية واحدة Ethical Monism.
كما قلت، كان يرى هيغل بأن فلسفة أرسطو وكانط شكلا thesis و antithesis، وقد حان الدور بأن يدمجهما في synthesis، تصلح بينهما أينما تشابهت الأفكار وجمع ما سيشكل لاحقًا نظرية أكمل وأشمل للأخلاق.
فقد أخذ من أرسطو بنية وغاية الأخلاق — السعادة وتحقيق الذات، ومن كانط طبيعة الأخلاق.
يسمى هذا النوع من النظام الأخلاقي، ethical pluralism — أي ازدواج وتعدد الأوامر الأخلاقية بدلًا عن الـ ethical monism والتي تعني الأوامر الأحادية.
الأوامر الأحادية لا يمكن أن تكسر في أي حالة، وهذا فيه تعصب ولكن التعصب ههنا ضروري. ولكن عند هيغل، فقد تكسر قاعدة أخلاقية لأجل أخرى.
ولكن هيغل اختلف مع كانط في استبدال الواجب الأخلاقي بالحق الأخلاقي.
فبدلًا من القول: واجبك أن تقول أو تفعل كذا وكذا، يتحول النظام الأخلاقي لمجموعة حقوق من المسموح لي بأن أفعلها.
لكل إنسان الحق في الحياة والحرية من العبودية والقليل من الملكيات الخاصة — وهذه ضرورية لتحقيق السعادة.
ينقسم نظام هيغل الأخلاقي لثلاثة أقسام:
١) نظرية الحقوق.
ما هي الحريات التي بوسعي أن أفعلها من دون تدخل أحد؟
٢) نظرية الأوامر الأخلاقية (Moralität).
ما هي الدوافع للأفعال التي يجب أن أفعلها؟
٣) ونظرية الاستقامة (Sittlichkeit).
ما هي الفضيلة وكيف أصل إليها؟
١) نظرية الحقوق.
نصل لنظرية الحقوق بطريقتين، الأولى هي الوعي والأخرى هي رفع الاستهجان.
الوعي يتطلب ملاحظة تصرفاتي ودوري في المجتمع الذي أنا به، وما هو مقبول مني فعله كوني أقوم بالأدوار التي أقوم بها.
ورفع الاستهجان يتطلب التفكير في ما لا أستطيع فعله ولو كان الرفض هذا مبرر أصلا.
٢) نظرية الأوامر الأخلاقية.
يهتم هذا الجانب في الغاية والنية.
الغاية هي الدافع الذي يربط فعلي بالحالة من السعادة التي سأصل إليها.
والنية هي النتيجة التي أطمح لأصل لها بعد فعلي. وهذه تستبعد فكرة أخلاقية اسمها The Doctrine of Double Effect، بأن لكل فعل نتائج مدروسة وغير مدروسة.
فمثلًا، حينما أدرس لامتحان الفلسفة، غايتي هي أن أفهم الفلسفة بشكلٍ أوسع وأفعل جيدًا بامتحاني، ولكن نيتي هي أن أفهم نظرية هيغل الأخلاقية — لأن هذا هو ما أفعله الآن.
وعند هيغل، الغاية الصالحة ضرورية للتصرف الأخلاقي الصحيح. ولكنها غير كافية.
٣) نظرية الاستقامة.
هذا هو الجانب الأرسطي، وهو مبني على أن أكون مواطن صالح يتبع القوانين — بل، وقد يكون عامل في تحسين القوانين.
ولا يمكن أن نرى فكرة الاستقامة إلا من خلال ربطها بالعائلة والمجتمع والدولة؛ عكس نظرية كانط التي تنص بأننا يجب أن نعامل حتى أنفسنا كنتيجة وليس كوسيلة.
وما قدمه لنا هيغل هو نموذج نستطيع أن نكرره لعدة فلسفات أخلاقية لتكوين نظم جديدة، وبضعة أدوات فلسفية تساعدنا في التفكير حيال الأخلاقيات.
وقد طبق ذلك الفيلسوف الإسكتلندي وليام روس، أحد أهم المنظرين الأخلاقيين المعاصرين، في نظريته الأخلاقية السباعية.
(انتهى.)
المصادر: @Adnanreads
@3enLamYa2 عسى عجبتك بس؟ في الكثير الكثير بالطريق. :)

جاري تحميل الاقتراحات...