عاقبت المحكمة التأديبية نجم أغاني"المهرجانات" "حسن شاكوش" بسبب اتهامه بالإساءة الى التراث الغنائي، وهدم ثوابت التاريخ الطربي، وإزدراء المقامات الموسيقية) ، بالطبع هذه الواقعة لم تحدث فالأستاذ "شاكوش" يواصل مسيرة نجاحه في عالم "المهرجانات" رغم النقد اللاذع الذي يتعرض له ، 1
لكن المحكمة التأديبية عاقبت بالفعل شخصا آخر هو الشيخ "نشأت زارع" كبير أئمة وخطباء محافظة "الدقهلية" حيث قررت وزارة "الأوقاف" تخفيض درجته الوظيفية ومنعه من الخطابة 2
أما التهمة فهي ارتكاب واحدة من أبشع الجرائم في زماننا ، فالشيخ "نشأت" تجرأ مرة واستخدم عقله ثم تجرأ ثانية ونشر على العلن ما توصل إليه تفكيره ، وفي هذا الفعل مفسدة عظيمة فكما هو معلوم العقل "زينة" ولا يجوز له أن يتجاوز هذا الدور .3
توصل الشيخ "نشأت " إلى حقيقة بديهية وهي أن "تاريخ المسلمين" ليس هو "الإسلام" وأن السياسة لعبت الدور الأكبر في ما تسميه كتب التاريخ بالفتوحات لذلك أطلق عليها "الفتوحات السياسية" لينزع عنها الصفة الدينية، ويخلص بذلك الدين نفسه من عبء أي أخطاء قد تكون وقعت خلال هذه الفتوحات،5
لكن هذا الرأي أثار الإنزعاج لدى من يقدسون التاريخ البشري كتقديسهم للوحي الإلهي فكان لابد من عقاب الشيخ "نشأت" وتكميم فمه ليكون عبرة لمن يعتبر أويفكر أو يخطر بباله أن يقدم رأيا تاريخيا مختلفا .6
المدهش أن من يقدس الوقائع التاريخية لا يعترف بالمسافات الزمنية التي تبعدها عن عصر النبوة فما الذي يمنح القداسة لمعارك عسكرية وقعت بعد عشرات ومئات السنين من وفاة النبي الكريم أي بعد إكتمال الرسالة وانقطاع الوحي ؟ 7
ظاهرة تقديس التاريخ من الظواهر الخاصة بأمتنا الحبيبة دونا عن كل الأمم فوق كوكب الأرض ، ولا تفسير لهذه الظاهرة إلا بذلك العشق المتأصل لكل ماهو قديم ومعتق فكثير من العائلات الريفية في بلادنا لا تزال تتوارث جرة "المش" عبر الأجيال ليخرج منها ألذ أنواع "الجبنة القديمة" 8
ولاتزال البراميل الخشبية القديمة هي الأفضل لإعداد وجبات"الفسيخ" فنحن قوم نرفع قيمة الأشياء كلما زاد قدمها ونعلي من قدر الأشخاص بعد وفاتهم بقدر بعد تاريخ الوفاة عن حاضرنا لذلك ليس من المنطقي أن تتجرأ يوما وتخبر الناس أن هؤلاء القدماء كانوا مجرد بشر أصابوا وأخطأوا وأجرموا أحيانا 9
والمنطقي في نظرهم أن تقرأ من كتب التاريخ "المقدس" الصفحات الناصعة فقط وعليك تجاهل أي معلومة تثير الشبهات أو الظنون في أن من ذكرتهم كتب التاريخ هذه كانوا بشرا 10
وحتى إذا قرأت مصادفة عن الفاتح العظيم الذي أحرق قرى بسكانها ثم سبى 50 الف جزائرية وجلبهن إلى أسواق النخاسة في الشام ، عليك أن تبرر هذا الفعل بأي طريقة أو تتهم من يروي هذه الأحداث بأنه كاذب ومدلس معتمدا على أن الناس لا تقرأ وأنهم لن يجتهدوا في البحث عن الحقيقة 11
بعدها ستشعر بالفخر لأنك ساهمت بالذود عن ثوابت الأمة وحماية رموزها من المتطاولين،صحيح أنك لجأت لطريقة غير شريفة لتحقيق هذه الغاية لكن ما المانع إذا كان هدفك نبيلا ،وصحيح أنك بذلك صرت أسوأ من طبق قاعدة "ميكيافيللي"(الغاية تبرر الوسيلة) لكن ما المشكلة أيضا فصيانة "جرة المش" تستحق12.
لكن ربما عليك أن تسأل نفسك عن أي ثوابت ورموز تتحدث ؟ ومتى كانت الأحداث التاريخية التي يقوم بها البشر دون وحي إلهي تعتبر ثوابت دينية ؟ ، ومن هم هؤلاء الرموز الذين لا ينبغي لأحد أن يمسهم بالنقد أو يذكر ما لهم وما عليهم ؟ 13
لا توجد إجابة واضحة على هذه التساؤلات فلم تصدر حتى الآن أي جهة رسمية قائمة محددة تضم الثوابت و الرموز،لذلك يتحاشى الكثيرون الخوض في أي قضية تاريخية خوفا من أن يتضح أنها تطال هذه القائمة المقدسة التي لا يعرف كنهها أحد فلا توجد حتى فترة تاريخية محددة تحظرها قائمة الثوابت والرموز14
ولاتوجد صفة محددة لتعريف الشخص الرمز حتى يمكن تجنب الحديث عنه ، فأنت أمام مساحة شاسعة من حقول الألغام التاريخية التي لا يمكن لأحد السير فيها إلا على مسؤوليته الشخصية مع العلم أن انفجار أي لغم في أي لحظة أمر مؤكد .15
لذلك كله يُعتبر الأستاذ "حسن شاكوش " من المحظوظين، ففي عالم الأغنية لا توجد سلطة قادرة على منع وصول صوت المطرب للجمهور خاصة في زمن الإنترنت ، وجميع المحاولات التي تُبذل لمنع هذا المطرب أو ذاك تبوء بالفشل ، فلا يبقى غير وسيلة النقد والتفاعل الطبيعي للظواهر الغنائية المختلفة 16
وهو مايؤدي في النهاية إلى تلاشى بعض الظواهر ويبقى البعض الآخر ، وهكذا تفرض المواهب الحقيقية نفسها مهما علا صوت الظواهر الغنائية الرديئة وهذه هي طريقة تطور الأغنية وتطور الفنون والفكر بصفة عامة في أنحاء العالم 17
فالنقد والجدل وتبادل الآراء وليس القمع والمحاكمات وتكميم الأفواه هو السبيل لتجاوز عثرات الماضي واستشراف المستقبل ، لذلك هناك أمم تعيش بالفعل في القرن الواحد و العشرين وأمم أخرى لا تزال عالقة في القرن العاشر .18
ولو أن نقابة المهن الموسيقية منذ تأسيسها قد امتلكت صلاحيات مؤسساتنا الدينية لكان الفنان "عمرو دياب" يغني الآن بطريقة الشيخ "سلامة حجازي "، ولأصبح المجال مفتوحا أمام الأستاذ "حسن شاكوش" ليصبح رائد التجديد الثوري في الموسيقى العربية .19
جاري تحميل الاقتراحات...