دلهام
دلهام

@septm15

11 تغريدة 25 قراءة Feb 10, 2020
من المعروف بأن أشهر من تحدث بمبدأ السببية في تاريخ الفكر هو أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد.
ينطلق أرسطو من القول بأنه لا بد من أن يكون لكل حادثة سبب. وأن هذا السبب، لا بد من أن يكون له سبب سابقٌ عليه، وهكذا في سلسلة من الأسباب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
وبالتالي يجب أن تنتهي هذه السلسلة من الأسباب عند سببٍ أوَّل -يوازي فكرة الإله في الدين- هو سبب لكُلِّ الأسباب.
جاء الغزالي في القرن الثاني عشر الميلادي، ليحذف هذه السلسلة من الأسباب، ولا يستبقي إلا السبب الأول نفسه: الإله هو السبب الوحيد لما يحدث في الكون.
ليست النار هي التي تحرق القطن.
حين تلتقي النار بالقطن، تتدخل الإرادة الإلهية وتحرق القطن. كان يمكن أن يلتقيا دون أن يحصل الاحتراق.
الإله هو السبب الوحيد.
يريد الغزالي كما يقول المؤرِّخون أن يدافع عن المعجزات التي أخبرت عنها الإبراهيميَّات.
وخصوصًا قصة النبي إبراهيم -عليهِ السَّلام- الذي أُلقيَ في النار ولم يحترق؛ لأن الإله (السبب الوحيد) أمرها أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم، فليست النار هي التي تحرِق، قد تحرِق وقد لا تحرِق، ذلك متروك لما يريده منها (السبب الوحيد = الإله).
وبالتالي فليس هنالك إطرادٌ ضروريٌّ في ظواهر الطبيعة.
في القرن الثامن عشر، ومع الفيلسوف ديفيد هيوم، سنجد أنفسنا مجددًا أمام ذاتِ الإشكالية. وكما نفى الغزَّالي من قبلُ مبدأ السببية، فقد قام هيوم بنفس المهمة.
فجاءَ سؤال: "كيف أدى ذلك بالغزالي إلى وحدانية مطلقة، فاعلة في الكون ولا وجود لفاعل غيرَها، بينما توصل هيوم إلى تهديم أسس الإيمان بشكلٍ كامل؟"
يعتبر هيوم بأن هذا الإطراد الذي نلاحظه في ظواهر الطبيعة لا يمكن أن يبرهن على ضرورتها. فهي تبقى في دور الترجيح ليس إلا.
ولا هو مبدأ فطريٌّ في العقل -الذي يولد صفحةً بيضاء- ما يوجد في العقل ليس أكثر من عادة ذهنية ترسخت بفعل التكرار.. هو نوع من التوقُّع، والتعود فقط.
لو أننا رمينا حجرًا نحو الأعلى في المرة الأولى، فاستمر في الارتفاع دون أن يسقط؛ وفي الثانية سقط على رأسنا؛ وفي الثالثة اتخذ حركة دائرية، ثم أفقية، ثم منحرفة، دون أن تتشابه حركته في أيِّ مرَّةٍ مع المرَّة التي سبقتها، ما كان لنا أن نقول بحتمية سقوطه على الأرض حين نرميه إلى الأعلى.
أمورٌ معروفة.
المهم هو المقارنة الإستشكالية حول التَّأطير الوظيفي لـ«مبدأ السببيَّة العام» حولَ توظيف ذلك ما بين الغزَّالي وهيوم.
الفرق ببساطة هو: إذا كان هيوم قد ألغى مبدأ السببية، فهو قد وصل بالتالي في مقولته إلى نهايتها، وهو إلغاء سلسلة الأسباب كاملةً، وصولاً إلى السبب الأول، أو بخاصةٍ السبب الأول؛ بحيثُ أنهُ أرادَ تهديم أسس الإيمان بشكلٍ كامل وقطعي.
بينما ألغى الغزَّالي السلسلة الحوليَة كاملةً، وتبقَّى محتفظًا بالسببِ الأوَّل، وبالتالي عطَّل جميعَ المُسبِّبات وألغاها، ووحَّد فاعليتها بسبب إرادة المُسبِّ الأوحد.
هُنا نرى أنَّ الغزَّالي عطَّل وألغى جميع الإحتمالات الأخرى؛ ولكن مستبقيًا على الإيمان فقط.

جاري تحميل الاقتراحات...