للشاعر المخضرم تميم بن مقبل بيت عجيب وشديد الحساسية، يمسّ معاناة الإنسان قِبالة أحداث الحياة، حيث يقول:
"ما أطيب العيش لو أن الفتى حَجَرٌ
تنبو الحوادثُ عنه وهو مَلْمومُ"
فهو يرفع عقيرته بالشكوى من أن الحياة تُسلّط علينا حوادثها ومفاجآتها فلا تنكشف عنا حين تنكشف إلاونحن ممزَقين=
"ما أطيب العيش لو أن الفتى حَجَرٌ
تنبو الحوادثُ عنه وهو مَلْمومُ"
فهو يرفع عقيرته بالشكوى من أن الحياة تُسلّط علينا حوادثها ومفاجآتها فلا تنكشف عنا حين تنكشف إلاونحن ممزَقين=
أشلاء، فلا يجد ألا أن يتمنى لو كان الإنسان حجرًا يظل صامدا ولا يتفتت بسبب الحوادث، كحجر سيزيف الذي يُدحرجه صاحبُه طلوعًا ثم يتدحرج نزولًا، فهو لا يشعر بمعاناة نفسه فضلًا عن شعوره ببؤس مدحرجه المشؤوم، ، في حين أن ابن مقبل يتمنى أن يكون كالحجر نفسه، تواجهه الحوادث والمصائب ويبقى=
"ملمومًا" لا يتمزق ولا يتفتت ولا تتساقط منه آماله ولا أحلامه فضلُا عن قواه وقدراته، لكننا- وربما ميزتنا- أننا لسنا حجارة، بل كائنات تشعر وتتأثر، تدحرجنا الحوادث ولا تبقينا ملمومين مجموعين، بل تتفرق ذواتنا ونغدو كقول ذي القروح "نفسٌ تساقط أنفسا"، =
ويصدق على واحدِنا قولُ أبي ذؤيب على الجماعة:
كم من جميع الشمل ملتئم الهوى
باتوا بعيشٍ ناعمٍ فتصَدَّعوا.
وبالتأكيد لايخفى على شاعر بالغ الحساسية مثل ابن مقبل هذه البعد الوجداني للبشر، فما يجعلنا عرضةً للتمزق والتشرذم والتصدّع النفسي بعد كل حادثة موجعة إنما هو ما نختص به من وجدان=
كم من جميع الشمل ملتئم الهوى
باتوا بعيشٍ ناعمٍ فتصَدَّعوا.
وبالتأكيد لايخفى على شاعر بالغ الحساسية مثل ابن مقبل هذه البعد الوجداني للبشر، فما يجعلنا عرضةً للتمزق والتشرذم والتصدّع النفسي بعد كل حادثة موجعة إنما هو ما نختص به من وجدان=
ومشاعر وروح تتجاوز سطحنا المادي، ويهرب خيال ابن مقبل من الألم الباهض الذي يدفعه البشر في حياتهم من خلال أمنيته أن يتحول إلى حالةٍ يفقدوا فيها خصوصيتهم من حيث هم بشر، فاللسان العربي يسمى البشر"بشرًا"إلتفاتًا إلى كونه كائنات ذات بشرة، تظهر بِشْرهم وقت البشارة وخوفهم وقت النذارة،=
فهم كائنات لا يستطيعون إخفاء حياتهم الداخلية الوجدانية، وانفعالاتهم العاطفية،
ظن تميم بن مقبل أن هذا هو الحل الوحيد ليحمي البشر أنفسهم، أن يتخلوا عن بشريتهم وينقلبوا أحجارا، وفضلًا عن أن ما ظنه تميم بن مقبل بالحجز من قوة تحميه من التفتت ليس كذلك في واقع الحال، فحتى الحجر يتغير=
ظن تميم بن مقبل أن هذا هو الحل الوحيد ليحمي البشر أنفسهم، أن يتخلوا عن بشريتهم وينقلبوا أحجارا، وفضلًا عن أن ما ظنه تميم بن مقبل بالحجز من قوة تحميه من التفتت ليس كذلك في واقع الحال، فحتى الحجر يتغير=
ويتفتت، وإن كان هذا التغير أخفى وأطول مدى مما يصيب الإنسان،
لكن الأهم أن ثمة شاعر جاهلي أخر، لاحظ ما لاحظه تميم بن مقبل من كون الإنسان عرضةً لتفتيت "لمّته" وتفريق اجتماعه، وهو النابغة الذبياني، لما قال:
ولست بمستبق أخاً لا تلّمُهُ
على شعثٍ أي الرجال المهذب؟
فالنابغة يقر بحقيقة=
لكن الأهم أن ثمة شاعر جاهلي أخر، لاحظ ما لاحظه تميم بن مقبل من كون الإنسان عرضةً لتفتيت "لمّته" وتفريق اجتماعه، وهو النابغة الذبياني، لما قال:
ولست بمستبق أخاً لا تلّمُهُ
على شعثٍ أي الرجال المهذب؟
فالنابغة يقر بحقيقة=
التشتت والتفرق النفسي للبشر، إلا أنه يتقدّم ليكشف لنا حقيقة إنسانية كبرى، نحن البشر يمكننا أن نَلُّمَّ بعضُنا بعضًا، للإنسان القدرة على لملمة أخيه الإنسان:
ولست بمستبق أخاً لا تلّمُهُ
على شعث, أي الرجال المهذب؟
حالة(الشعث) الذي تصيب الإنسان جرّاء الحوادث والنكبات ليست هي نهاية=
ولست بمستبق أخاً لا تلّمُهُ
على شعث, أي الرجال المهذب؟
حالة(الشعث) الذي تصيب الإنسان جرّاء الحوادث والنكبات ليست هي نهاية=
المطاف، فالحجر لا يتفتت بسهولة، لكنه حين يتفتت يعجز عن ان يَلمّ شعثه ويجمع ذاته، ولن يجد حجرًا آخر يقوم بلمّه وتجميعه،
في حين أن الإنسان الذي قد تفرّقه أدنى الحوادث والعواصف وتهشمّه يمكنه لمَّ نفسه وتجميعها ويمكنه أن يجد صديقًا أو حبيبًا أو صفيًّا يلمّ ما تفرّق منه وتشعّث، =
في حين أن الإنسان الذي قد تفرّقه أدنى الحوادث والعواصف وتهشمّه يمكنه لمَّ نفسه وتجميعها ويمكنه أن يجد صديقًا أو حبيبًا أو صفيًّا يلمّ ما تفرّق منه وتشعّث، =
ولولا التزامنا بواجب(لمّ)من حولنا والتزامهم بـ(لمّنا)أيضا؛ لما بقوا لنا ولا بقينا لهم،
"ولست بمستبق أخاً لا تلّمُهُ على شعثٍ"،
فنحن لا نعيش فرادى ولا نستغني بأنفسنا عمن حولنا في مداواة جراحنا ولملمة تصدّعاتنا.
ولاريب أن بيت النابغة أكمل وأكثر معنىً في الحياة وتخلقًا في الصحبة.
"ولست بمستبق أخاً لا تلّمُهُ على شعثٍ"،
فنحن لا نعيش فرادى ولا نستغني بأنفسنا عمن حولنا في مداواة جراحنا ولملمة تصدّعاتنا.
ولاريب أن بيت النابغة أكمل وأكثر معنىً في الحياة وتخلقًا في الصحبة.
جاري تحميل الاقتراحات...