( 1 )
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك ياخالد لمحزونون.
اسمحوا لي لأتحدث عن صاحبي، فإن الشجى لابد له من شجى، وإن رجلا مثل خالد لايمر من دون ذكرٍ خالد.
عرفته منذ زمن بعيد، ولكن صحبتنا لم تتعمق إلا من وراء عشرين سنة، حين نزل التعيين، ذهبنا جميعا للعمل في حفر الباطن.
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك ياخالد لمحزونون.
اسمحوا لي لأتحدث عن صاحبي، فإن الشجى لابد له من شجى، وإن رجلا مثل خالد لايمر من دون ذكرٍ خالد.
عرفته منذ زمن بعيد، ولكن صحبتنا لم تتعمق إلا من وراء عشرين سنة، حين نزل التعيين، ذهبنا جميعا للعمل في حفر الباطن.
( 2 )
تواصلنا، خالد وصالح العبدالله وأنا، وتواعدنا للعيش معا في سكن نكتريه، كان ذلك، والتففنا حول بعضنا هناك بعيدا عن الأهل والديار، اشترينا ثلاجة، واشترينا موقدا، وفرشنا الغرف، خلقنا برنامجنا الصغير، وجعلنا ندخل ونخرج ونذهب ونعود، تماما مثل أفراد متوادين داخل أسرة متآلفة.
تواصلنا، خالد وصالح العبدالله وأنا، وتواعدنا للعيش معا في سكن نكتريه، كان ذلك، والتففنا حول بعضنا هناك بعيدا عن الأهل والديار، اشترينا ثلاجة، واشترينا موقدا، وفرشنا الغرف، خلقنا برنامجنا الصغير، وجعلنا ندخل ونخرج ونذهب ونعود، تماما مثل أفراد متوادين داخل أسرة متآلفة.
( 3 )
هل جربت أن تجد نفسك -فجأة- مضطرا للعيش في عالم جديد؟ مع أناس لم تعش معهم من قبل؟ تتقاطع معهم وتأكل وتنام.
ذلك هو السفر الحقيقي الذي يسفر عن أخلاق الرجال، لاسفر اليوم واليومين.
لقد أسفرت لي تلك الأيام عن خالد في أعماق أعماقه، عافسته في المحك والصعب والضيّق، ورأيته عن قرب.
هل جربت أن تجد نفسك -فجأة- مضطرا للعيش في عالم جديد؟ مع أناس لم تعش معهم من قبل؟ تتقاطع معهم وتأكل وتنام.
ذلك هو السفر الحقيقي الذي يسفر عن أخلاق الرجال، لاسفر اليوم واليومين.
لقد أسفرت لي تلك الأيام عن خالد في أعماق أعماقه، عافسته في المحك والصعب والضيّق، ورأيته عن قرب.
( 4 )
رأيت رجلا ماإن ترى ظاهره حتى ترى باطنه، صفحة من الماء الزلال.
ألقى بساطه على الأرض، ورمى وسادته، ثم توضأ واستلقى على جنبه الأيمن باتجاه القبلة واضعا يده اليمنى تحت خده الأيمن على هيئة من يستقبل الموت، جعل يتمتم بالأوراد كعادته، ثم طفق يمسح جسده بيديه من رأسه لأخمص قدميه.
رأيت رجلا ماإن ترى ظاهره حتى ترى باطنه، صفحة من الماء الزلال.
ألقى بساطه على الأرض، ورمى وسادته، ثم توضأ واستلقى على جنبه الأيمن باتجاه القبلة واضعا يده اليمنى تحت خده الأيمن على هيئة من يستقبل الموت، جعل يتمتم بالأوراد كعادته، ثم طفق يمسح جسده بيديه من رأسه لأخمص قدميه.
( 5 )
هكذا هو خالد، وهذا دأبه في النوم منذ عرفته، على بساطه في السكن، على فراشه في الخيمة، في كل مكان نذهب إليه، كأنما كان يتجهز للموت كل ليلة، إنه يذكرني بأمي رحمها الله، كلاهما كان صديقا للموت، كأنما يعيشون الحياة الدنيا برائحة السدر والحنوط والكافور.
هكذا هو خالد، وهذا دأبه في النوم منذ عرفته، على بساطه في السكن، على فراشه في الخيمة، في كل مكان نذهب إليه، كأنما كان يتجهز للموت كل ليلة، إنه يذكرني بأمي رحمها الله، كلاهما كان صديقا للموت، كأنما يعيشون الحياة الدنيا برائحة السدر والحنوط والكافور.
( 6 )
كأني أسمع صوته الآن يؤذن فوق تلة الرمل، ثم يكبر بطريقته النادرة في التكبير، يرفع صوته قدر مايستطيع، يصر على الحروف، مجهدا بها نفسه، يبذل كل طاقته ليُسمع الشجر والحجر والحصى والرمال، وذلك منه يذكرني دائما بما يتحدثون به عن طريقة تكبيرة شيخ الإسلام بن تيمية التي نقلت عنه.
كأني أسمع صوته الآن يؤذن فوق تلة الرمل، ثم يكبر بطريقته النادرة في التكبير، يرفع صوته قدر مايستطيع، يصر على الحروف، مجهدا بها نفسه، يبذل كل طاقته ليُسمع الشجر والحجر والحصى والرمال، وذلك منه يذكرني دائما بما يتحدثون به عن طريقة تكبيرة شيخ الإسلام بن تيمية التي نقلت عنه.
( 7 )
لاتزال في عيني جلسته للأوراد، قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يسدل طرفي شماغه، ويرتقي في عالم من التبتل والمناجاة، لقد كان كل مكان يجلس فيه يتحول إلى محراب، وإني لأكاد أسمع الآن تمتمته بالأوراد، مابين الصوت واللاصوت، يمضغ كل كلمة في الذكر كأنما يعدها واحدة واحدة ويتطعم بها.
لاتزال في عيني جلسته للأوراد، قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يسدل طرفي شماغه، ويرتقي في عالم من التبتل والمناجاة، لقد كان كل مكان يجلس فيه يتحول إلى محراب، وإني لأكاد أسمع الآن تمتمته بالأوراد، مابين الصوت واللاصوت، يمضغ كل كلمة في الذكر كأنما يعدها واحدة واحدة ويتطعم بها.
( 8 )
نشأ في طاعة الله، فكأنما هو الشاب الذي ليست له صبوة، ثم قضى عمره في العلم والبذل والمنفعة.
التفت إلي مرة وكان بين يديه المصحف وقرأ " وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب" ثم نظر إلي متأملا متعجبا مبتسما، وهو يرفع سبابته ويقول: يوما! .. يوما!
نشأ في طاعة الله، فكأنما هو الشاب الذي ليست له صبوة، ثم قضى عمره في العلم والبذل والمنفعة.
التفت إلي مرة وكان بين يديه المصحف وقرأ " وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب" ثم نظر إلي متأملا متعجبا مبتسما، وهو يرفع سبابته ويقول: يوما! .. يوما!
( 9 )
كنت لاتراه إلا جاد الهمة، حازم القصد، تكسوه مهابة متصلة بالسماء، متلطفا بالحوار، أوابا للحق، غير فاحش ولا متفحش، لاتقال في مجلسه العوراء، حتى إذا انحرف مسار الحديث في غيبة أو معيبة تمعر وجهه وأهوى بكلمة أو كلمتين تقطع حبل الشيطان وتشتت ذبابه الهائش.
كنت لاتراه إلا جاد الهمة، حازم القصد، تكسوه مهابة متصلة بالسماء، متلطفا بالحوار، أوابا للحق، غير فاحش ولا متفحش، لاتقال في مجلسه العوراء، حتى إذا انحرف مسار الحديث في غيبة أو معيبة تمعر وجهه وأهوى بكلمة أو كلمتين تقطع حبل الشيطان وتشتت ذبابه الهائش.
( 10 )
ثم إذا تقلب الحديث في وجوه شتى، فلايلبث حتى يبتسم ابتسامته العذبة تلك التي يذوب لها وجهه كله، وتغيض معها عيناه داخل محجريهما، فكأن الدنيا كلها تطل عليك بوجه مبتسم.
لاتملك إلا أن تحبه، هناك شيء يجعل كل الناس من حوله تحبه، ربما كانت خبيئة من عمل أو نية.
ثم إذا تقلب الحديث في وجوه شتى، فلايلبث حتى يبتسم ابتسامته العذبة تلك التي يذوب لها وجهه كله، وتغيض معها عيناه داخل محجريهما، فكأن الدنيا كلها تطل عليك بوجه مبتسم.
لاتملك إلا أن تحبه، هناك شيء يجعل كل الناس من حوله تحبه، ربما كانت خبيئة من عمل أو نية.
( 11 )
ثمة أناس لايبكيهم أهلهم فحسب، إنما تبكيهم قلوب كثيرة لايعرفها أهله وذووه، قلوب قريبة وقلوب بعيدة، قلوب منزوية هناك لها نشيج خلف ضلوعها.
وإنني مازلت أحب أناسا وأدعوا لهم دون معرفة أو حتى لقيا، لشيء صنعوه في نفسي، وما كان بيني وبينهم إلا الحرف والكتاب.
ثمة أناس لايبكيهم أهلهم فحسب، إنما تبكيهم قلوب كثيرة لايعرفها أهله وذووه، قلوب قريبة وقلوب بعيدة، قلوب منزوية هناك لها نشيج خلف ضلوعها.
وإنني مازلت أحب أناسا وأدعوا لهم دون معرفة أو حتى لقيا، لشيء صنعوه في نفسي، وما كان بيني وبينهم إلا الحرف والكتاب.
( 12 )
من وراء عشرين سنة، وقبل أن نشتري الموقد والفرشة والثلاجة، قال خالد: "ياشباب .. دققوا الحساب .. تدوم العشرة "
لقد دققنا الحساب، ودامت العشرة، ولكن الدنيا لاتدوم ياخالد.
من وراء عشرين سنة، وقبل أن نشتري الموقد والفرشة والثلاجة، قال خالد: "ياشباب .. دققوا الحساب .. تدوم العشرة "
لقد دققنا الحساب، ودامت العشرة، ولكن الدنيا لاتدوم ياخالد.
( 13 )
إنه ليخيفني انطفاء القناديل دفعة واحدة، وحين يكون متقاربا رحيل أولئلك الأنقياء المتبتلين المتورعين، ينقبض قلبي من أنها أمارة لأمر ما، فلعلهم سألوا الله بصدق "وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين" وقال الله: وجبت.
نسأل الله أن يعصمنا من الفتن ماظهر منها ومابطن.
إنه ليخيفني انطفاء القناديل دفعة واحدة، وحين يكون متقاربا رحيل أولئلك الأنقياء المتبتلين المتورعين، ينقبض قلبي من أنها أمارة لأمر ما، فلعلهم سألوا الله بصدق "وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين" وقال الله: وجبت.
نسأل الله أن يعصمنا من الفتن ماظهر منها ومابطن.
( 14 )
رحم الله أبامالك وغفر له، فما كان إلا عف اللسان، طاهر الأردان، صادق الجنان، باذلا الخير للعباد، ساعيا بكف الأذى عنهم، ودفع الظلم، ونصرة المظلوم.
إنا نشهدك ياالله، ونشهد ملائكتك، وجميع خلقك، أننا ماأحببناه إلا فيك، فاجمعنا به وأحبابنا على منابر من نور.
وأنت السميع المجيب.
رحم الله أبامالك وغفر له، فما كان إلا عف اللسان، طاهر الأردان، صادق الجنان، باذلا الخير للعباد، ساعيا بكف الأذى عنهم، ودفع الظلم، ونصرة المظلوم.
إنا نشهدك ياالله، ونشهد ملائكتك، وجميع خلقك، أننا ماأحببناه إلا فيك، فاجمعنا به وأحبابنا على منابر من نور.
وأنت السميع المجيب.
جاري تحميل الاقتراحات...