١/أنا الآن في ساحة العلم والعلماء،لاتؤاخذوني أيها الكرام،فأنا لست في ساحة علماء الكيمياء أو الفيزياء أو الطب أو الالكترونيات،أو غيرها من علوم تعمير الدنيا التي طالبنا الله بها،ولكنني في ساحة هيئة كبار العلماء الذين نذروا أنفسهم من أجل تعليمنا أمور ديننا، وإفهامنا ما غمض علينا
٢/وكنت قد وجهت لكم حديثا سابقا،لذلك سأدخل في الموضوع،والموضوع هو الفتوى التي خرجت منكم عن الطلاق الشفوي،ولكن أستسمحكم ياهيئة كبار العلماء، أيتها الهيئة التي عادت للحياة مع حكم الإخوان لمصر،أو قبلها بأيام، وضمت أكبر علماء الإخوان مثل يوسف القرضاوي،وحسن الشافعي،ومحمد عمارة وغيرهم.
٣/والآن أستسمحكم في أن أقرأ بين أيديكم بعض الفتاوى التي خرجت من أسلافكم الكبار في القرن العشرين،أقصد هيئة كبار العلماء القديمة التي قام عبد الناصر بإلغائها،فقد قرأت لأسلافكم العظماء أصحاب الهيئة القديمة فتوى تجعل من الخلافة فريضة،ومن هذه الفتوى خرجت أكبر جماعات العنف في التاريخ
٤/بل انهم طردوا من زمرتهم شيخا جليلا هو الشيخ علي عبد الرازق لأنه قال كلاما يخالف كلامهم،وهناك فتوى أخرى منهم بتحريم شهادات الاستثمار وفوائد البنوك،وهناك فتوى من هيئة كبار العلماء في بداية القرن العشرين بتحريم لبس "البرنيطة" باعتبارها رمزا للمشركين!
٥/وأخرى من بعض العلماء بتحريم ارتداء ساعة اليد وتحريم الاستماع لماكينة الكلام "الفونوغراف"وتحريم التعامل بالشيكات البنكية،وغير ذلك من الفتاوى التي من كثرتها لانستطيع أن نحصيها،ولكن كلها استندت إلى أن هذه الأمور من المستجدات التي لم يعمل بها النبي ولا الأمة من بعده.
٦/إذن مارأيكم يا هيئة كبار العلماء في العصر الحديث في الطلاق الشفوي؟هل يمكن وضع ضوابط له بحيث لايصح إلا إذا كان مكتوبا طالما أن الزواج كان مكتوبا؟وبما أن عقد الزواج هو من العقود الرضائية التي لا تنعقد إلا بإرادة الطرفين،فهل يمكن أن يكون الطلاق رضائيا لا يقع إلا بإرادة الطرفين؟
٧/أنا الآن لاأريد أن أبدي رأيا في هذا الموضوع،إذ أن الناس ألفت ما تعودت عليه،ولو كان الذي تعودت عليه صوابا أو خطأ وفيه إهدار للحقوق،والجديد أصوب وفيه صيانة للحقوق،فإن الناس سترفض الذي لم تتعود عليه وتظل على القديم بما فيه من مشاكل،ولكنني أريد أن أسمع صوتكم،فأنتم تنيرون لنا الطريق
٨/وفي أيديكم أن ترشدوا الناس لما فيه صلاحها وصلاح أحوالها،أرشدونا ياسادة العلم؟ أظنكم ستقولون لنا عِلما يستند إلى آية أو آيات من القرآن الكريم، وأغلب الظن أنكم ستميطون لنا اللثام عن حديث نبوي غاب عن معظمنا لأننا من غير المتخصصين، هه ماذا تقولون؟ تقول هيئة الكبار:
٩/وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانه وشروطه،والصادر من الزوج عن أهلية وإرادة واعية وبالألفاظ الشرعية الدالة على الطلاق،وهو ما استقر عليه المسلمون منذ عهد النبي-صلى الله عليه وسلم-وحتى يوم الناس هذا،دون اشتراط إشهاد أو توثيق".
هل هذه هي الفتوى؟!تقولون لنا هذا ماألفينا عليه آباءنا!
هل هذه هي الفتوى؟!تقولون لنا هذا ماألفينا عليه آباءنا!
١٠/أستسمحكم أيها الكبار واعذروني في عباراتي فأنتم موضع تبجيلي،ولكن ألم يتصادف في يوم من الأيام أن قرأ أحدكم القرآن؟أظنكم فعلتم،فإذا كان ذلك كذلك ألم تقرأوا قول الله سبحانه في سورة الشعراء عن أولئك الذين يتبعون بلا فهم:"قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ"
١١/ثم حدثنا الله سبحانه عن أولئك الذين قالوا: "إِنا وجَدنا آباءنا عَلَى أُمّةٍ وَإنا على آثَارهم مقتدون" وغير ذلك من الآيات،لمن إذن كان الله يرسل هذا التحذير؟هل كان يرسله إلى الأمم التي انتهت وبادت وأصبحت أثرا بعد عين؟أظنكم ستتفقون معي على أن الله سبحانه أرسل هذا التحذير لنا نحن
١٢/نحن الأمة التي آمنت برسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، "أرسله لنا حتى لا يقول واحد منا سأتبع ماوجدت عليه الآباء،ثم طلب الله منا أن نتفكر ونعقل ونتعقل، ونجتهد لأنفسنا،ونتدبر،وماذا أيها السادة العلماء الأجلاء؟نتدبر،لذلك كنت أنتظر منكم يا علماء الأمة الكبار أن تقولوا لنا:
١٣/قال الله وقال الرسول عن الطلاق الشفوي كذا وكذا،ونفهم من قولهما كذا وكذا،ولكن أن تقولوا لنا إن الأمة كانت على هذا منذ عهد الرسول، نعم يا سادة كانت على هذا، ولكنها كانت أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وليس من ثقافتها الكتابة، وكانت أمورهم تسير وفقا للمعاملات الشفوية،والشهود
١٤/وظل المسلمون يتزوجون شفويا زمنا طويلا،ولايقدح في هذا أن توثيق الزواج كتابة أمام القاضي بدأت بشائره بعد عام 200هـ ولكن لم يكن يلجأ للكتابة إلا كبار القوم لأنهم كانوا يشترطون في عقد الزواج ويُشترط عليهم،ولكن معظم الأمة ظلت على الزواج الشفوي فكان من الطبيعي أن يكون طلاقهم شفويا
١٥/فما انعقد شفويا يتم حله شفويا أيضا، ثم دخلت الأمة إلى عصر الكتابة والتوثيق، وقد كانت بداية تنظيم تسجيل العقود كتابة بالمحكمة في مصر في العصر العثماني قد حدثت بموجب المرسوم العثماني الصادر صدر عام 927 هـ / 1520 م بأن: "لا يتزوج أحد من الناس ولا يطلق إلا في بيت القضاة الأربعة"
١٦/وطبعا المقصود بالقضاة الأربعة قضاة المذاهب الشرعية الأربعة،ثم دخلت المطبعة التي كان علماء الأمة يحرمونها،ودخل توثيق العقود بشكل أكثر انتظاما،وأنشأنا وظيفة المأذون،إذن أليس هناك حتمية منطقية وعقلية بأن لا يتم حل عقود الزواج المكتوبة بنفس الطريقة التي انعقدت بها ألا وهي الكتابة؟
١٧/أي أن إيقاع الطلاق لا يقع إلا إذا تم بنفس طريقة الزواج؟هل هناك ياكبار العلماء نص قرآني أو حديثي يمنع هذا؟ومع هذا دعونا من هذا الجدل،ففيه قبول من ناس ورفض من ناس،إلا أنني تألمت أشد الألم من قولكم:"الطلاق يتم دون إشهاد أو توثيق وأن الأمة أجمعت على هذا منذ عهد النبي..."
١٨/وكان كلامكم على أن الأمة كلها على هذا الرأي، ولكن للأسف يا كبار العلماء يبدو أنكم نسيتم بعضا من علمكم،ومن هذا العلم قول الله سبحانه عن الطلاق والرجعة :"فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة للَّه" أشهدوا ماذا؟أشهدوا ذوي عدل منكم
١٩/أعلم أن بعضكم سيقول إن الشهادة هنا للمراجعة،ولكن بما أنكم قلتم أن أحدا لم يقل بالإشهاد في الطلاق فإنني أقول لكم إن ابن حنبل قال بوجوب الإشهاد على الطلاق،ومن قبله ابن عباس،وكذلك قال ابن حزم وصولا إلى العلامة أحمد شاكر في العصر الحديث،بل إنه أحد الأقوال في المذهب الشافعي
٢٠/وبغض النظر عن هذه الآراء إلا أن الظاهر من سياق الآيات أن الأمر عائد على الطلاق والرجعة معاً،بل إن السورة بأكملها باسم الطلاق،فهي بيان لأحكامه و مسائله،فإذا كان بعض الفقهاء قالوا بالإشهاد في الطلاق والرجعة فإن معظم علماء التفسير قال بذلك أيضا
٢١/ومنهم الثعالبي،والجصاص،والبغوي، وجدي إبراهيم بن عمر الرباط الدمشقي الخرباوي في"نظم الدرر"وقال ذلك أيضا الألوسي في روح المعاني،فكيف طاوعكم قلمكم أن تقولوا إن الأمة على ذلك دون كتابة أو إشهاد! والله يقول بالإشهاد وكبار العلماء الذين سبقوكم قالوا بالإشهاد على مافهموه من الآيات
٢٢/ولكن الأشد إيلاما على النفس تلك الروح الغريبة التي دفعتكم للكتابة،وبغض النظر عن الكيد السياسي،إلا أن التحريض على من يختلف معكم في الرأي كان واضحا في بيانكم، فلا أنتم الإسلام ولا ماقلتموه هو الدين،ولا ما قاله غيركم هو الحرام!ولا أنتم كهنة وظل الله في الأرض والوكلاء عنه.
٢٣/لذلك كان المستغرب والذي ليس فيه أي قدر من العلم أن تقولوا "كما تُناشِد الهيئةُ جميعَ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الحذَر من الفتاوى الشاذَّة التي يُنادي بها البعض، حتى لو كان بعضُهم من المنتسِبين للأزهر؛ لأنَّ الأخذَ بهذه الفتاوى الشاذَّة يُوقِع المسلمين في الحُرمة".
٢٤/ أهكذا يا علماء!تحصرون الحق عندكم وتقولون"وتهيب الهيئة بكل مسلم ومسلمة التزام الفتاوى الصادرة عن هيئة كبار العلماء،والاستمساك بما استقرت عليه الأمة" أليست هذه كهانة ياعلماء؟!أليست هذه يرد عليها قول الله "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله" سامحكم الله.
جاري تحميل الاقتراحات...