يصنعه الأجداد فيرثه الأبناء والأحفاد، إنه الإرث أو الميراث كما تعرفه الأسر والعائلات ، أما ميراث الأمم فقد اُصطلح على تسميته بالتراث ،لكن تظل القاعدة واحدة فالتراث أو الميراث يصنعه بشر في زمن من الأزمنة فيرثه بشر آخرون في أزمنة تالية .2
وبهذا المعنى البشري للتراث كما تعرفه الأمم والشعوب تنتفي صفة القداسة عنه فهو نتاج لجهد بشر يخطئون ويصيبون ،لذلك تأتي أجيال تالية تصوب هذا الخطأ أو ذاك وتحذف وتضيف ، ويأتي بعدها من يصوب ويحذف ويضيف 3
وهكذا تسير الأمم في مراحل تطورها مستندة على جذورها الأصيلة دون أن تفقد هويتها ودون أن تسقط في فخ الجمود الذي يتناقض مع نواميس هذا الكون القائم على الحركة الدائبة و التطور المستمر .4
هذه القاعدة البسيطة التي يمكن استنتاجها بسهولة من صفحات التاريخ لا تروق لفضيلة الدكتور أحمد الطيب فقد قال بملء فيه "ابحثوا عن مشكلة غير التراث" ،جاءت العبارة في ختام مداخلته خلال مؤتمر تجديد الفكر الإسلامي ، 5
وبصرف النظر عن أن هذه العبارة تبدو متناقضة مع عنوان المؤتمر نفسه إلا أنها تكشف جانبا هاما من أزمة عميقة نعيشها منذ عشرات السنين على أقل تقدير فما هو هذا التراث الذي يحتاج للدفاع المستميت عنه ؟، إنه مزيج بين آراء فقهية ووقائع وأحداث تاريخية وكلاهما نتاج بشري لا قداسة فيه 6
فالآراء الفقهية هي ببساطة مافهمه الفقهاء من النص المقدس فاجتهدوا واستنبطوا الأحكام والقواعد الشرعية،والفهم والاجتهاد والاستنباط هي من أعمال العقل البشري وحيثما لحقت الصفة البشرية بشيء فلاقداسة له،ولوكانت أقوال الفقهاء مجرد نقل للنص المقدس ما كان هناك حاجة أصلا للفقه وعلوم الدين7
والمنطق البسيط يقول أن التراث ليس هو الدين وقواعد الحساب ترشدنا لذلك بمجرد المقارنة بين ملايين الصفحات في كتب الفقه وبين مئات الصفحات في القرآن الكريم فهذا الفارق العددي الهائل يكشف دور الاجتهاد البشري غير المقدس بطبيعته،إذن ماالذي يعصم الآراء الفقهية من المراجعة والنقد والتصويب؟
الشق الثاني من التراث هو تلك الوقائع التاريخية التي صنعها البشر واختلطت أسبابها بالسياسة والدين والظروف الاجتماعية وحتى بالدوافع الشخصية،وهذا الخليط يصعب اعتباره مقدسا فهو أيضا بشري فما الذي يعصم هذا التراث التاريخي من قراءته بحيادية وبلا تقديس لشخصياته البشرية غير المعصومة ؟!9
لماذا يجب على الأزهر أن يتحمل عبء الدفاع عن ميراث ثقيل لا يخلو من أخطاء وخطايا واضحة ظاهرة جلية للمتخصص وغيرالمتخصص ؟ لماذا يجري تحميل رسالة السماء بأفعال البشر خيرا أو شرا ليصبح من يطالب بتنقيح التراث كما لو أنه يطالب بهدم الدين ؟ 10
لكن ما المشكلة أصلا في رفع شعار"لا مساس بالتراث"؟المشكلة أن هذا التراث الذي يذود عنه من يوصفون بالوسطيين المعتدلين هو نفسه التراث الذي يستقي منه كل متطرف إسلامي أفكاره ومبادئه وبنادقه ومتفجراته،وحين تقع الواقعة يقف"الوسطي المعتدل"بكل طيبة وبراءة ليخبرنا أن المتطرف أساء فهم التراث
والحقيقة المرة أن إساءة الفهم هذه قد طال أمدها أكثر مما ينبغي وأكثر مما يحتمله منطق أو عقل،والنتيجة المباشرة هي إضعاف هذه الأمة ، وتحطيم قدراتها ، وعرقلة طريقها نحو النهوض 12
كيف يمكن تفسير حجة إساءة فهم التراث زمنيا ومكانيا؟، زمنيا منذ تأسيس جماعة الإخوان الارهابية في أوائل القرن العشرين إلى تأسيس داعش أوائل القرن الواحد والعشرين ، ومكانيا مع انتشار التطرف والارهاب ليضع قدما في "قندهار" شرقا ، وقدما في "أبوجا" غربا ، كيف أساء كل هؤلاء فهم التراث؟!13
ألا يخطر ببال أحد أن ثمة مشكلة في التراث نفسه وفي تقديسه والآن ستسمع الرد التقليدي"من قال أننا نقدس التراث؟"وهنا تبدأ لعبة متكررة لا تخلو من إثارة،فرفض نقد التراث هو تقديس له لأن التقديس هو التنزيه عن النقد والنقص،وتستمر اللعبة مع الرد التالي"النقد ينبغي أن يقوم به المتخصصون فقط"
إذن أرني نتاج نقدك وتنقيحك لهذا التراث،وحينها لن تجد ردا منطقيا فتنتقل اللعبة الى جانبها المأساوي لتمر أمامك صور "فرج فودة" و"نصر حامد أبوزيد" وبقية القائمة الطويلة ممن طالهم الاغتيال المادي أوالمعنوي ، أو احتوتهم الزنازين تحت طائلة قوانين الحسبة أو ازدراء الأديان.. 15
وهكذا تبدأ جولة جديدة من اللعبة بأسماء مختلفة لكن على نفس القاعدة التي تدافع عن هذا التراث دون أي تمييز واضح وصريح وعلني بين الغث والسمين ، وعليك الالتزام التام بهذه القاعدة وإلا ستجد نفسك متهما بمحاربة الدين نفسه فتتحمل العواقب الوخيمة لهذه التهمة ،16
وعندها ستضطر لاستكمال اللعبة معلنا رفضك للكهنوت الديني الذي يرفض أي رأي لايتطابق مع رأيه،وهنا يأتيك الرد المألوف"لا كهنوت في الإسلام"وهكذا تستمر لعبة التناقض بين الأقوال والأفعال في جهاد عظيم للإبقاء على التراث بلامساس فينعم الدواعش بمنبعهم الفكري تحت ظلال شجرة الاعتدال والوسطية
ويظل التحدي الحقيقي الذي يواجه الأزهر حاليا في دفاعه عن التراث هو اتساع المعرفة في زمن انتشار المعلومات الأمر الذي يزيد ثقل الحمل على كاهله ويضاعف من جهده وهو يحاول سد ثغرات التراث من ناحية واسكات المختلفين من ناحية أخرى 18
والنتيجة المتوقعة والمتكررة تاريخيا هي لحظة الانهيار المفاجيء لهذا الحمل التي سيدفع الجميع ثمنها بلا استثناء . 19
جاري تحميل الاقتراحات...