نسْطُور
نسْطُور

@nkh39

13 تغريدة 26 قراءة Feb 13, 2020
ما التفسير العلمي والنفسي لتصدُّر ثلاثة لاعبين من جيلنا للمنافسة الممتدة لأكثر من مئة سنة في كرة المضرب؟ أو لِنقُل: منذ ٥٠ سنة عندما بدأ عصر التنس المفتوح سنة ١٩٦٨م
قبل زمن، اختلفتُ مع صديقٍ لي حول معلومةٍ ساقها وتعَلّقَ بها، تقول: إنّ ذكاء الإنسان يقلّ مع مرور السنين والقرون، فالإنسان في العصور القديمة أذكى منه اليوم، فخالفْتُه تمامًا ولم أسلِّم له بِما قال، وألَحّ هو في تصديق معلومته، وقلت له: لو كان الأمر كذلك لمَا كان لله علينا حُجة
لأننا إذا صدّقنا هذه الدراسة لقلنا إن هذا النقص في ذكاء الإنسان إذا كان غير مُتناهٍ "غير محدود"، فإنه سيبلغ درجة الصفر وحينها سيصبح البشر مجانين ولن يكون لله - جلّ في عُلاه - عليهم حُجة
واستشهد هو على رأيه بالحفظ، وقال: ألا ترى كيف كانت ذاكرة العرب في العصور الأولى؟ غافلًا عن مسألة الاضطرار، فالإنسان إذا اضطُر إلى أمرٍ ساندَته مواهبه، بخلاف الإنسان اليوم الذي يحمل معه آلةً بحجم الكف تحفظ له الأرقام والمعلومات ويخزِّن فيها الكُتب والمراجع، فلا علاقة للأمر بالذكاء
يقول فرويد: أذكى الناس مَن صعد على أكتاف العقول السابقة.
وهذه كلمة جيدة وبديعة، فالإنسان يستفيد ممن سبقَه ليرتقي درجةً جديدة، ولذلك نلاحظ أنه في كل دورة أولمبيّة هنالك أرقامٌ تُحَطّم، فالإنسان لا يبدأ من الصفر بل يبدأ من النقطة التي كفّ عندها السابقون
وعلى سيرة الاضطرار، أحد الأصدقاء هاجمَته القِرَدَة يومًا، ففرّ منها وهي من خلفه تقذفه بحجارةٍ وصخور تريد أن تُودي به، فيُقسم أنه من شدة الخوف قفزَ صخورًا يبلغ طولها نحو المترين، لأنه لو لم يفعل ذلك قُتِل حتمًا، فنجا منها بأعجوبة وظل طريح فراشه شهرًا كاملًا بعد هذه الحادثة
ويقال: فلان سبَقَ عصره؛ لأنه أتى بعلوم ومعارف وعقليّات كان ينبغي أن يصِل إليها القوم بعده بقرون، عبر سلسلة منطقيّة من التطور المعرفي، ونضرب مثالًا لذلك بأرسطو اليوناني، والأصمعي العربي، وكل مَن يصلح أن يُسَمّى عبقريًا، كالخليل بن أحمد في علم العَروض أيضًا
إذن، فالذكاء لا يتطوّر، ولا ينقص، الأذكياء حديثًا بعدد الأذكياء قديمًا، والأذكياء في اليمن نسْبتهم كنسبة الأذكياء في اليابان، والفرق يكمن بعد ذلك في أمورٍ أخرى تتعلّق بالبيئة والاهتمام والتطوير والاستفادة من الماضي
من وادي السيليكون في أمريكا خرجت معظم الشركات الإلكترونية: أبل، فيسبوك، جوجل، ياهو، أدوبي، الأتاري وغيرها
ولا يعود الأمر لعلو نسبة الذكاء هناك ولكن لانخراط جميع الفتيان في بيئة تكنولوجية تحثّهم على الاختراع في هذا المجال حثًّا
وينشأ ناشئ الفتيان منّا
على ما كان عوّدَهُ أبُوهُ
ونعود لموضوع الأبطال الثلاثة: روجر ورافا ونوفاك، فهؤلاء أوجد كلٌّ منهم الآخر، فبيئتهم التنافسيّة جعلت طموحهم يمتدّ ويتجاوز بعيدًا الرقم الذي كانوا يظنونه إعجازيًا للأمريكي سامبراس ١٤ بطولة كبرى
فالمنافِس أحيانًا ينفع منافسه، وهذا باعترافهم؛ كما استفاد ميسي من رونالدو والعكس
ولو عشْت وحدك في خلاء أو جزيرة لمَا حرصْت إلا على ما يحميك ويكسوك ويغذّيك، ولكن وجودك بين البشر يخلق لك أطماعًا ومنافسات في جمع المال والولد والشهادات والمناصب والبنْيان "اعلموا أنما الحياةُ الدنيا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ وتفاخرٌ بينكم وتكاثرٌ في الأموال والأولاد"
ولكنْ، هل يمتد التطور إلى ما لا نهاية؟ قد لا يحدث، قد تموت السلسلة، عند رجلٍ ما أو حقبةٍ ما، فالعرب لم يعيدوا حقبة بغداد في القرنين الثاني والثالث، ولم ينجبوا كأبي حامد ولا ابن تيميّة، ولا مؤلّفًا كالسيوطي، وحقبة العقاد والرافعي وطه حسين يصعب تكرارها، وثنائية جوبز وجيتس في أمريكا
وهؤلاء الذين يبلغون حدًّا من العبقرية يصعب بلوغه، هم الذين صعدوا على أكتاف السابقين ولم يدّخِروا جهدًا، فذكاؤهم لا يكفي، ولكنهم جمعوا مع الذكاء حزمًا وعزمًا ماضيًا، فلا صحة البتة لهذه الدراسة الهرطوقيّة التي تتحدث عن نقص الذكاء، كما أن الذكاء وحْده لم ينفع السابقين ولا المُحْدثين

جاري تحميل الاقتراحات...