عبدالرّحمٰن
عبدالرّحمٰن

@a6dulrahmann

21 تغريدة 43 قراءة Jan 31, 2020
هل رأيتم إنسانًا يضحك وهو مُثخن بالجراح؟ هذا حالي، بعد أن تلقّيت الصدمة الأولى في حياتي؛ عندما علمت أن المدرسة ليست للمرح فقط كأول أسبوع دراسي لي؛ صار فيها رياضيات وعلوم مو بس ألعاب😔؛ صدمة قلّلت من تعلّقاتي الأرضيّة، واعترتني حالة من الزُّهد تضارع حال السابقين من سلفنا الصّالح
فمع نُسيمات فجرٍ نديَّة، وبلابل وردية، في ذلك الصباح الجميل - أمزح ماكان فيه بلابل فقط قُمري الّي لو شافه صديقي سليمان ماهو من صالحه؛ بيصيده ويأكله- يندفع الطفل عبدالرحمٰن بحماسٍ بالغ نحو مدرسته؛ لأول عام دراسي له
كان الأسبوع الأول كما تعلمون مليء بالهدايا والمسابقات؛ لحين ما اعترتني حالة من الشك أن المدرسة هي أحد فروع دزني لاند
وبعدما انتهى أسبوع العسل في احتفالٍ مشحون بالحماسة والغبطة؛ أتى الأسبوع التالي، هذا الأسبوع الذي كُتب على كثير من الطلاب اللعنة فيه؛ طلب المدير أن نأتي دون أولياء أمورنا؛ أتينا وحيدين، دون رفقة أيّ من الوالدين، لم أُشاهد أيّ من الألعاب ولا المُسابقات، ولا حتىٰ العصائر أو الحلويات
اعتلَتْني حيرةٌ وأصابتنا دهشة ممَّا رأيته .. ياخَونة ما الذي حدث! وييييين المُهرّج الذي كان أمام الباب يستقبلنا بالابتسامة والحركات البهلوانية، ونستقبله بالبصق عليه؟؟
التفتُّ خلفي، فإذا بماجد ذو الجسم الممتلئ، قد قذفه والده العسكري في ساحة المعركة وخرج، فأخذ يبكي ويركض، تترجرج أردافه، يُطارده المدير وهو يفر كمن يرى "ملك الموت"، يعلو دهرًا، ينزل قهرًا، يتخبط، يتقيّأ، يمزِّق جلده، يشد شرايينه بكلِّ قوةٍ؛ طالبًا الخروج!
أكملت المسير نحو السّاحة، فإذا بها تكتظ بالصغار، إنهم واقفون في طابور طويل، منكسين رؤوسهم، صامتين، وجوههم سوداء، يشد نظري أحدهم، ثيابه بالية، وشعره أشعث، وقد لطّخ الجبن أطراف شفتيه ..
لحظات فدخل علينا المدير وبجعبته جثّة ماجد، قد ألقى عليه القبض؛ ذاك المدير الذي تهابه حيّا وميتًا، فإذا بالصغار يبكون دفعة واحدة، يصرخون صرخات مكبوتة منذ زمن؛ يزفرون وكأنهم مصابين بحمى، فأخذت الأشياء الخضراء تخرج من مناخيرهم كالسيل العرم
أكملت المسير تارة أخرى، مضيت أتعثر بين الصفوف؛ أبحث عن شُعبتي التي وضعوني بها "أولىٰ أوّل" وصلت، فإذا بجموع من الألوان الحربائيَّة، والوجوه الضفدعيَّة المُنتفخة أمامي، لحظات فأطلق المدير شارة التحرُّك، أذهبوا لكهوفكم، نمشي على الأرض هونا، كالتائهين، بعينين حزينتين، فوصلنا
فإذا بمعلم مادة القراءة، الذي يدرس مادة الدين والرياضيات يرحب بنا؛ مِئزره كان مشوّه، عليه عمامةٌ حمراء، أسنانه سوداء، وفي وجهه ظلمة، يكتئب منها الطفل الصّغير، الذي لا يميّز القبح من الحسن، يدفعني الغثيان وظلام اليأس بقوة إلى الخارج ولا أستطيع؛ أتذكر قول والدي : "أنت بطل" وأتحامل
يرن الجرس للمرة الثانية؛ بأنه حان موعد الإفطار، وقبل الخروج كان كل طفلا يضع يديه على عاتق زميله من الخلف، حتى وإن كان لايعرف اسمه، ( كنا أجساد وروح واحدة) نذهب جميعا لنتفسّح وكأننا أحزاب أو جيش ينوي احتلال أرض
ينتهي موعد الإفطار، فيأتي معلم الرياضة، أو كما يسموها "بدنية" رجلٌ غريب الشكل، مظلِم الوجه، دائم الابتسام؛ تلك الابتسامة التي يُخيَّل لك أنها كمثل "عظام أصابع اليد المتناثرة"! وكل مايبتسم أمسكتُ يدي على صدري، وأقرأ ما يَحميني من آياتٍ
يقرع الجرس ثانية؛ موعد معمل الفنيّة قد أتى، يستقبلنا فيه رجل طاعن في السن، وطريقة مَشيه كأنه يخشى إيقاظ نائمٍ قُربه، كان يطلب منّا رسم ما يدور في مخيلتنا؛ الجميع يرسم له ذاك البيت الخشبي، وبجانبه شجرة لونها وردي! وتطل فوقها شمس في الزاوية؛ مصدومة من المنظر
ماعداي؛ كنت أرسم له مكعبات، ومثلثات؛ فيأتي ويمسح رأسي، يغرس أصابع يده، يداعب شعري الناعم آنذاك؛ قبل أن يتعرض للصدمات ويتشوّك وينتصب واقفا؛ وكان يقول "هذا بيصير مهندس" فأصبح يطلب مني دائما أن أضع حرف (م) قبل اسمي عند تسليم رسماتي؛ والآن بعد ١٧ عام؛ حرف (م) يأتي قبل اسمي، بشكل رسمي
كبرنا أعوام، اجتزنا المتوسطة ثم دخلنا الثانوية؛ فاستقبلنا معلم الرياضيات صاحب الجسم الثخين، دائم التعرّق، يمسح قطرات العرق المتساقطة من على جبينه المتجعّد، ثم يمرِّر يديه على لحيته البيضاء المنسدلة على صدره، ويده الأخرى تذهب للخلف لتسحب بقايا ثوبه العالق بين أليّتيه ..
له مقولة تجعل الجميع يضحك رغم الإهانة كان يقول بعد شرحه للدرس ويكتشف بأنه لم يفهم أحد : "والله لو أسرّحكم مع الغنم بترجع هي وأنتم تروحون"
أما مُعلّم الكيمياء وجهه ووجه العقاد بينهما شبه كبير، لولا لِحيته التي لَم يَحلقها منذ أكثر من أسبوع على ما يبدو، وأسنانه المُصفرَّة بشكل لافتٍ، ومِعْطفه الوسخ المتآكل عند الأطراف، مع بقع حبر زرقاء كبيرة في ذراعه الأيمن
وأما معلم التاريخ كانت ملامحه ترافق كلامه، يصعد حاجباه ويَفترقان، ثم ينزل بهما ويقرِّبهما بحركة سريعة مع تضييق عينيه، فيكسو ذلك - وجهه وكلامه - مسحة جدِّية، ونَكبر مع التاريخ، ونَكبر في ظل حضارات الأمم، ونكبَر ونكبَر، ولا نرى أنفسَنا إلا ونحن في ذات المكان، وكما رأيناه أولَ مرة
دخلت السنة التحضيرية؛ كانت ملبدة بغيوم الحزن، مكتظّة بمشاعر البؤس؛ الاختبارات فيها موحّدة، كانت اختباراتهم تُفحم العقول؛ توشوش ذاكرتك، تهز عودها ومعصي تأتي بالحل، وبعد كل اختبار أرَ وجوه الدكاتره يشربوا نخب عقولنا المتفحمة، ويضحكون على أجوبتنا التي تركناها لهم في الورق، ويتلذذون
تخرّجت؛ وتعلمت أن أكون صبورا إذا اُبتليت، وشكورا إذا عوفيت، فإن الصبر ضياء في الطريق، والشكر خير زاد ورفيق، وجرّبوا كل شيء؛ فالتجارب الشخصية هي المصدر الموثوق للمعرفة واكتساب الخبرات، ولا تلغوا التجارب من قاموس معرفتكم، معتمدين فقط على ما هو موجود في مناهجكم.
- نراكم على خير.
@_iu4i شكرًا الله يسعدك وإياك

جاري تحميل الاقتراحات...