لا عربيّة لمن جهل كتب التّراث!
كان مصطفى صادق الرّافعيّ، كما ورد في كتاب حياة الرّافعيّ للعريان، إذا رتّب الفكرة، وأخذ أهبته للكتابة، يرجع إلى كتاب إمامٍ من أئمّة البيان العربيّ؛ ليطالع منه صفحاتٍ كما تتّفق، وكان يعدُّ ذلك لوناً من ألوان العيش، ولو قصيراً، في بيئةٍ عربيّةٍ فصيحة
كان مصطفى صادق الرّافعيّ، كما ورد في كتاب حياة الرّافعيّ للعريان، إذا رتّب الفكرة، وأخذ أهبته للكتابة، يرجع إلى كتاب إمامٍ من أئمّة البيان العربيّ؛ ليطالع منه صفحاتٍ كما تتّفق، وكان يعدُّ ذلك لوناً من ألوان العيش، ولو قصيراً، في بيئةٍ عربيّةٍ فصيحة
اللّسان، وخير ما يقرأ في هذا الباب، كتب الجاحظ، وابن المقفّع، والأغاني لأبي الفرج الأصبهانيّ، وقد سأله العريان في ذلك مرّةً، فقال: "نحن - يا بنيَّ - نعيش في جوٍّ عاميٍّ لا يعرف العربيّة، ما يتحدّث النّاس، وما يُنشئ كتّاب الصّحف في ذلك سواءٌ، واللّسان العربيّ هنا في هذه الكتب:
إنّها هي البادية لمن يطلب اللّغة في هذا الزّمان بعدما فسد لسان الحضر والبادية".
كنتُ، وما زلتُ، معتقداً أن لا عربيّة لمن جهل كتب التّراث، وهذه العربيّة المتداولة في الكتب الحديثة إنّما هي، في أكثر أحوالها، عاميّةٌ متفاصحةٌ، وعجمةٌ مستعربة، لا تقوّم من اللّسان إلّا يسيراً،
كنتُ، وما زلتُ، معتقداً أن لا عربيّة لمن جهل كتب التّراث، وهذه العربيّة المتداولة في الكتب الحديثة إنّما هي، في أكثر أحوالها، عاميّةٌ متفاصحةٌ، وعجمةٌ مستعربة، لا تقوّم من اللّسان إلّا يسيراً،
بل قد تزيده ارتطاماً بالعجمة، واللّكنة، والضّلال في مسالك الكلام، والحيرة في طرائق التّعبير، وقارئ كتب الأوائل يدرك الفرق جليّاً مكشوفاً في هذا الباب: في التّعبير، والتّركيب، والأداء، والاشتقاق، وما إلى ذلك من أبواب الصّياغة، وفنون الكلام،
ولكنّنا جيلٌ احتمى بالكسل من ثقل الاجتهاد، وتقاعد عن كدّ الذّهن، وإعنات العقل في التّعلُّم، فرابطنا على الرّوايات والقصص، وتركنا جواهر العلوم، ولباب الأشياء، فصرنا إلى ما نحن فيه هذه الأيّام من ضعف المنطق، وركاكة الأسلوب.
وما زلت أجد صوت أحد كتّاب الرّواية يرنُّ في أذني، وهو يشكو العناء الذي يجدُه في قراءة كتاب لابن حزمٍ، مع أنَّه روائيٌّ ذو روايةٍ مطبوعةٍ منشورةٍ في الأسواق، فما بال هذا الكاتب الجليل لو أدخلنا عليه طبقات فحول الشّعراء لابن سلّام الجمحيّ ليفيدنا بما فيه، أو عرضنا عليه
لبيان والتّبيين لأبي عثمان الجاحظ كي يقول كلمته، أو طرنا به على جناحٍ من التّجربة إلى عالم ابن قتيبة، والثّعالبيّ، والعسكريّ، ونظائرهم من الكبار؟ إنَّني لفي غنًى واضحٍ عن الإجابة على هذا السّؤال المعروف جوابُه لكلّ ذي عقلٍ يفكّر.
على أنَّني لا أبخس الرّواية والقصّة حقّهما؛ فهما فنّان متعانقان من فنون الأدب، لهما مكانةٌ عاليةٌ، إذا سلكا طريقةً صحيحةً قائمةً على روح العربيّة، في تصوير المجتمع، وإيقاظ العقل، والزّيادة في الثّقافة، ولكنّ اتّخاذ من لم يقطع من أشواط العلم شيئاً،
لهذه الرّوايات والقصص مغدى ومراحاً لا يبغي عنهما حولاً، له من الأضرار الباهظة ما يفضى إلى الضّعف والرّكاكة اللّذين أشرتُ إليهما؛ فلننزل الأشياء منازلها، ولنعلم أنّ هذه العقول أمانةٌ تستحقّ التّقدير،
وتقديرها أن تغذَّى بما ينمّيها، لا بما يهبط بها إلى أودية الضّياع والغفلة والنّسيان.
#محمّد_موسى_كمارا
#محمّد_موسى_كمارا
جاري تحميل الاقتراحات...