سحر عبدالله
سحر عبدالله

@SaharPsychology

33 تغريدة 75 قراءة Jan 26, 2020
في سلسلة هذه التغريدات سأتحدث عن النرجسية وسأذكر كمثال قصة " إليزبيث هولمز" الفتاة المليادريرة التي احتالت على مستثمري وادي السيليكون.
في عام ٢٠٠٣ قامت "إليزبيث هولمز" بتأسيس شركتها الخاصة " ثيرانوس"وهي شركة تكنولوجيا صحية في وادي السيليكون- وادي السيليكون هو منطقة تضم جميع شركات التكنولوجيا الفائقة في أمريكا- بعد أن تركت دراستها بجامعة "ستانفورد" في تخصص الهندسة الكيميائية وكان عمرها آنذاك ١٩ عام فقط.
نجحت " إليزبيث" على مدى 15 عاماً في التسويق لفكرتها القائمة على أوهام علمية، تتعلق بجهاز فحص دم يقوم بسحب بضع قطرات من الدم عن طريق وخز الإصبع ثم الإحتفاظ بالعينة في زجاجة صغيرة جداً  أطلقت عليها الـ" نانوتاينر ".
بعد ذلك يتم إدخال الزجاجه الصغيرة في جهاز صغير لقراءة بيانات عينة الدم وإرسالها إلى وحدة معالجة ضخمة عبر الإنترنت، ومن ثم تعود النتائج إلى المريض لتقول له أن نسبة الجلوكوز أو الكوليستيرول طبيعية أو مرتفعة أو منخفضة مثلا.
ادعت "إليزبيث" أنه من خلال تقنيتها ومن خلال قطرة دم واحده فقط يمكن إجراء مئات الفحوصات من فحص مستوى الكوليسترول إلى التحاليل الوراثية المعقدة، إلى الفحوصات التشخيصية التي قد تسمح بتجنب أمراض مثل السرطان، والسكري أو أمراض القلب.
وادعت أيضا أن هذا الجهاز الصغير يقدم صورة كاملة عن صحة المريض،و يظهر النتائج بسرعة كبيرة، ويوفر وصفات طبية، و يستطيع أن ينقل تحاليل الدم من العيادات المتخصصة إلى المنزل، بل ويمكنك أن تتعرف على نتائج تحاليلك عبر تطبيق على الآيفون، مما اعتبره الكثير ثورة في تكنولوجيا اختبارات الدم.
و بحسب إدعاءاتها فإن جهازها هذا سيلغي مهمة الطبيب و سيلغي الحاجه إلى استخدام الإبر وسحب كميات كبيرة من الدم، فقطرة دم واحدة ستكفي للكشف عن كل ما تعانيه من أمراض.
لقد كانت "إليزبيث" تعلم جيدا نقطة ضعف عالم وادي السيليكون و هي أن لا أحد فيه يفهم في الطب، ففي مجال الهندسة الطبية تحتاج إلى الكثير من البحث العلمي والأوراق المنشورة والتدريب المكثف كي تُقدم على تطوير تقنية مشابهة لما قدمته "إليزبيث".
أما "إليزبيث" كانت مجردة طالبة أكملت فصلين دراسيين فقط في تخصص الهندسة الكيميائية ولم يكن لديها الخبرة الكافية في مجال الهندسة الطبية كما كانت تدعي.
من 2013 إلى أوائل 2014 حصلت شركتها على أكثر من 9 مليار دولار، وتمكنت
" إليزبيث" من السيطرة على نصف الأسهم؛ ما يساوي 5 مليارات دولار، وكانت على بُعد أشهر من تصنيفها كأول مليارديرة.
لكن ما لبثت أن تلاشت أحلامها الوهمية بعد أن اكتشف صحفي (جون كاريو) في عام 2015 أنه لا يوجد أساس علمي لادعاءاتها، بل واكتشف أنها كانت تقوم بتزوير نتائج اختبارات جهازها، حيث أنها لم تكن تقيم عينات الدم عن طريق جهازها بل كانت تستخدم أجهزة فحص الدم التقليدية و تسوقها كنتائج لتقنيتها.
وصرح الصحفي " جون كاريو" بأنه من غير الممكن بأن ما تدعيه "إليزبيث" حول جهازها صحيح، فسحب الدم من الإصبع يعطي نتائج أقل جودة من سحبه عبر الوريد، فكيف لعينة صغيرة جدًا من الدم تُسحب من طرف الإصبع يمكن أن تستخدم لإجراء ما يقارب الـ 200 فحص!
إضافةً إلى ذلك، كان يتم سحب دم المرضى بإبرٍ قديمة و كان يتم حفظها في درجات حرارة غير مناسبة مما أدى إلى حصول المرضى على نتائج خاطئة وأسوأ مما لو كانت تمت في معمل بسيط.
لقد كان الجهاز الذي صممته "إليزبيث" لايعمل في الأصل، فقد كان صغيرا جدا ولا يكفي عدد عينات الدم، وعادة ما كانت زجاجات عينة الدم تتعرض للكسر داخل الجهاز مما أدى إلى تعرض كثيرٍ من العاملين إلى الخطر.
من هنا بدأت الفصول الأخيرة في قصتها التي انتهت باتهامها بالاحتيال، وإغلاق شركتها رسميا.
سأبدأ الأن بطرح أهم السمات النرجسية التي كانت تظهرها "إليزبيث".
١- التركيز الدائم على الذات و الميل إلى وضع النفس محطّ أنظار الجميع.
منذ اللحظة الأولى عملت إليزبيث على إظهار نفسها بمكانة عالية فكريا وماديا، فكانت دائما ما تتباها بكونها المرأة المنافسة لكبار الشخصيات، و ظهرت على أغلفة أرقى المجلات (فوربس/فورتشن) وصعدت على مسارح TED لتلقي بخبرتها على الشباب وتخبرهم أن اختراعها هو أهم ما قدمته البشرية على الإطلاق
٢- الحساسية المفرطة تجاه النقد.
عندما تم التشكيك في تقنيتها تحولت "إليزبيث" إلى وحش عدواني و انتهجت سياسات تخويفية في غاية القسوة حيث فرضت غرامات ضخمه على كل من يسيء إلى شركتها أو يتهمها بأنها محتالة وعينت من أجل الملاحقات القانونية رجل اسمه ( ديفيد بوبز) وهو أحد أشهر المحامين في أمريكا.
٣- ذو طبيعة استغلالية وانتهازية.
استطاعت " إليزبيث" استغلال كبار الشخصيات من ذوي الخبرة والشهرة للإستثمار في شركتها، مثل لاري أليسون، وهو خامس أثرى شخص في العالم وهنري كيسنجر وغيرهم الكثير. كما أقنعت شركات الأدوية بإنفاق ملايين الدولارات لإنشاء عيادات لعرض تقنيتها الجديدة.
٤- الإعجاب والتقليد الزائد للشخصيات التي تميل إليها.
كانت ترى "ستيف جوبز" مثلها الأعلى وتقلده بشكل مبالغ فيه، فتلبس مثله وتأخذ نفس وضعيته عند إلتقاط الصور ، ولم تكن تأخذ أي إجازات خلال عملها تماما كما فعل جوبز واستعانت بنفس فريق التسويق الذي وظفته شركة أبل عند إنطلاقتها.
٥- الانشغال بأوهام حول النجاح و القوة.
حتى بعدما اكتشف الصحفي "جون كاريو" خدعة إليزبيث وتم إغلاق الشركة وتغريمها مبلغ 500 ألف دولار، والآن هي مهددة بالسجن 20 عامًا، مازالت "إليزبيث" ترفض الاعتراف بحقيقة فشلها بل و صرحت بأنها تفكر بإنشاء شركة أخرى.
إن الشخص النرجسي دائما ما يكون بارعا في الكذب، فهم بارعون في اختلاق الأكاذيب بدون أي مجهود. يمكن أن ينظروا إلى عينك مباشرة ويكذبون بسرعة دون الشعور بالقلق أو الذنب، وهذا ما ساعد "إليزبيث" في الإستيلاء على ٩ مليار دولار من أباطرة المال والأعمال فقد كانت بارعة في الكذب والإقناع.
دائما ما يسهل على الشخص النرجسي إنكار أكاذبيه و إعطاء أعذار بشكل بارع جدا و لعب دور الضحية وإقناعك بأن الآخرين يغارون منه و أنهم يريدون هدم طموحاته وأحلامه.
فبعد انتشار أولى فضائح شركة "إليزبييث" في جريدة "وول ستريت"، ظهرت "إليزبيث" على قناة "CNBC” وقالت: " هذا ما يحدث عندما تعمل على تغيير الأشياء، فيعتقدون أنك مجنون ثم يحاربونك"
معظم النرجسيون ينجحون في تقلد مناصب إدارية متقدمة، ومهن و وظائف حساسة، فأنانيتهم المفرطة تسمح لهم بتبني أساليب الوصولية الفجة وتسلق الأكتاف وكيد المكائد، فحصولهم على هذه المناصب العالية يشعل فتيل نرجسيتهم ويشجعهم على الاستمرارية في الكذب و استغلال الآخرين.
لقد قدّر الباحثون انتشار هذا الاضطراب في المجتمع الكلِّي بنسبة 6.2% أي أن من كل 100 شخص في بعض المجتمعات، 6 منهم مصابون بهذا الاضطراب. لكن هذه النسبة قابلة للزيادة والنقصان في المجتمعات المختلفة وحسب الظروف المتباينة.
في النهايه، استطاعت " إليزبيث" بتركيزها على الجانب النفسي أن تخدع المجتمع و العالم كله و تجني ثروة كبيرة من خلال اختيارها لفكرة جديدة ومميزة، وجذب المستثمرين بهدف نفع البشرية، واستخدامها لجمل التحفيز والتشجيع في المقابلات الرسمية والمحاضرات.
فلم تكن "إليزبيث" في الأصل تملك جهازها الخارق عندما كانت تسوق له و تستغل المستثمرين بل ادعت بأنها تملكه و أوهمت المجتمع الأمريكي بأكمله بأكاذيب وليس إنجازات.

جاري تحميل الاقتراحات...