فهد بن فيصل الحجي
فهد بن فيصل الحجي

@FahdAlHajji

22 تغريدة 628 قراءة Jan 23, 2020
أشهر برنامج كرتون سويدي للأطفال دخل في معركة ملكية فكرية على مدى آخر سنتين.. أثارت خلالها الكثير من الجدل.. وهددت هذا الكرتون الناجح بالتوقف..
وتم حسم هذه القضية مؤخراً..
سأتحدث عن هذه القضية في هذه التغريدات..
البرنامج اسمه Babblarna، وتعني: الثرثارون.. وهو برنامج موجه للصغار لتطوير مهاراتهم اللغوية..
البرنامج بعد أنجح برنامج كرتوني سويدي.. وبلغ دخله المالي آخر سنة حوالي 18 مليون كرونة، وبلغت مشاهدات اليوتيوب أكثر من نصف مليار مشاهدة، وأكثر من 300 ألف مشترك..
youtube.com
قصة البرنامج بدأت منذ حوالي عشرين عاماً، امرأة اسمها أنيللي Anneli Tisell، رزقت بمولود لديه إعاقة ذهنية (متلازمة داون)، وعانت هي وزوجها كثيراً في تربتيه.. خصوصاً في تطوير الجانب اللغوي لديه.. كانت الأم مؤمنة بأنه يمكنها فعل الكثير لتطوير لغة ابنها..
حينها، وبعد بحث وتقصي، تعرفت أنيللي على نموذح علمي يدعى (نموذج كارلستاد)، وهو طريقة علمية منهجية لتطوير لغة الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم، أعدته وطورته باحثة في السويد اسمها ايرنيه Iréne Johansson، بالتعاون مع ثلاث جامعات والعديد من الأهالي.
كانت ايرنيه قد أصدرت عدة كتب تشرح فيها استخدام هذا النموذج، كما طورت شخصيات أولية للصغار بطريقة علمية، ويمكن للوالدين والمربين صناعة هذه الدمى القماشية في المنزل.
ايرنيه كانت أكاديمية.. ومشروعها تعليمي.. ولم يأخذ أي طابع تجاري.
اهتمت أنيللي النموذج كأم، واستخدمته في تربية ابنها، وقامت بحياكة الدمى (كان ذلك عام 2000)، ولكنها وجدت أن ابنها لم يهتم بها كثيراً.. لأنها ليست بجودة الألعاب العادية التي لديه.
رأت أنيللي أن نموذج كارستاد رائع، ولكن نموذجه التطبيقي فيه خلل في جذب الأطفال.
حينها تواصلت أنيللي شخصياُ بإيرنيه، وأخبرتها عن عزمها تطوير الشخصيات، وجعلها أكثر جاذبية للأطفال، ووافقت إيرنيه، أعطتها الضوء الأخضر، ووافقت أيضاً على المساعدة في التطوير..
.
إيرنيه بالتالي ينتهي دورها هنا في القصة.. معركة الحقوق ليست معها.. كما سنرى..
أسست أنيللي شركة اسمها Hattan، وقامت مع إيرنيه بتطوير الشخصيات، واستقطبت رسامين لرسم الشخصيات، هما أُولا Ola Schubert و هاننيس Hannes Hagstrand، ومؤلف أغاني اسمه يوهان Johan Rask.
الفريق أعلاه كان الانطلاقة لمشروع (الثرثارين)، كانت رغبة أنيللي أن يكون المشروع موجهاً لكل الأطفال تطوير قدراتهم اللغوية، وليس فقط لمن يعانون من صعوبات التعلم، ومن أهدافها في ذلك أن يستمتع كل الأطفال بالمنتجات بغض النظر عن الفروقات بينهم..
انطلافة المشروع كانت في عام 2007، كتب، ودمى بلاستيكية، وأغنية مصورة، ولعبة كمبيوتر، وسرعان ما اكتشف التربويون في المدارس روعة هذه المنتجات في التعمل مع الأطفال الذين لديهم صعوبات في التعلم وتحفيزهم..
وخلال سنوات قليلة أصبحت منتجات (الثرثارين) منتشرة في أغلب الروضات في السويد، وأحبها الآباء والأمهات، وانتشرت الكتب والدمى في الأسواق والمكتبات، ثم انطلقت قناة اليوتيوب لتزيد النجاحات.
وأصبحت شخصيات (الثرثارين) الشخصيات السويدية الأكثر شهرة ونجاحا على الإطلاق في فئة الأطفال ما قبل المدرسة، وحينما أنتجوا فيلماً في 2016 كان من أكثر الأفلام مبيعاً في السويد ذلك العام.
في 2017 وفي ظل هذه النجاحات.. تطورت الأمور بشكل غير متوقع..
(أُولا).. أحد الرسامين الأساسيين.. والذي كان في فريق التأسيس، بدأ مفاوضات تجديد عقده مع أنيللي.. قال (أُولا) أن له جزء من حقوق الملكية الفكرية للشخصيات، وبالتالي يستحق أكثر.. ولم يتفق في ذلك مع أنيللي.. وخرج من الشركة..
قام (أُولا) بحركة فجرت الأمور.. حيث أرسل لليوتيوب بأنه يملك حقوق الشخصيات.. قام اليوتيوب بحجب كامل قناة الثرثارين على اليوتيوب حتى تستطلع الأمر.. كان ذلك صدمة لأنيللي.. واعتبرتها طعنة من (أُولا)..
القناة عادت بعد شهر..
وأزالت أنيللي اسم (أُولا) من الكتب التي صدرت بعد ذلك..
ووصلت القضية للمحاكم.. (أُولا) يقول أنه ابتكر أشكال الشخصيات وبالتالي هي حق له.. وأنيللي تقول أن الشخصيات ملك للشركة وأن (أُولا) هو أحد أفراد الفريق.. وقالت أنها كانت تدفع له ولكل الفرق بسخاء.. وكان لهم مكافآت إضافية سنوية كلما نجح المشروع أكثر..
الموضوع كان مفترق طرق لكل واحد منهم.. (أُولا) يرى أن حياته المهنية على المحك.. ودخوله في المحاكمة يكلفه الكثير.. وأنيللي ترى أن مشروع الثرثارين مشروعها، وأنه إن حكمت المحكمة لصالح (أُولا) فإن المشروع كله مهدد بالتوقف..
وأثارت أنيللي أيضاً موضوع حقوق الملكية الفكرية للشركات الصغيرة والناشئة: كيف يمكن أن يبدأ شخص مشروعاً إبداعياً وهو يعلم أنه مهدد بأن يسحب العمل أي شخص يعمل معه في أي لحظة؟.. أما (أُولا) فقال أن حقوق الملكية لم يكن منصوصاً عليها في العقود، وأنه كان يثق بأنيللي حينما وقّع معها..
بعد سنتين من إثارة الرأي العام.. وأخذ وردّ.. صدر حكم المحكمة (آخر 2019)..
وكان الحكم لصالح أنيللي.. الناشرة وصاحبة الشركة.. بأن لها كامل الحقوق..
والحكم كان بالإجماع من قضاة المحكمة (عددهم سبعة)، ونهائي لا يقبل الاستئناف ولا النقض..
قالت المحكمة في بيانها أن توقيع (أُولا) على عقد التوظيف فيه موافقة ضمنية على أن حقوق الأعمال الفكرية هي لجهة العمل، وليس له، كما أنه عمل لعشر سنوات في الشركة برضاه وكان مدركا خلال كل هذه السنوات أن الشخصيات ستستثمر في الكثير من المنتجات.. ولم يعترض حينها..
وحكمت المحكمة أيضاً على الرسام (أُولا) بدفع كافة الأتعاب القضائية بما في ذلك تكاليف خصمه.. ووصلت في مجموعها إلى قرابة 4 ملايين كرون سويدي! (حوالي مليون ونصف ريال سعودي).
طبعاً أونيللي احتفلت.. (أُولا) غاضب.. ولكن ليس بيديه عمل شيء.. الموضوع انتهى..
التطور الأخير كان من رابطة رسامين في السويد Svenska Tecknare، قررت التضامن مع (أُولا)، وأقرت بإجماع أعضائها الأربعين مساعدته مالياً بدفع مبلغ 1.2 مليون كرون، أي تقريباً ثلث المبلغ المستحق عليه.
نهاية القصة..
العبرة المستفادة من كل ما سبق: تأكدوا من عقودكم.. فالكل أصدقاء في بداية المغامرة.. ولكن مع النجاح تتعاظم الرغبة الإنسانية في اقتطافه جزئياً أو كلياً.. حتى لو على حساب شركاء الطريق..
طولت عليكم.. دمتم بخير..

جاري تحميل الاقتراحات...