●الكون حولنا منظّم بدقّةٍ متناهيةٍ تفوق حدود الوصف، ولكن تبقى معاناته الدائمة من العشوائية التي تخلّفها الكائنات عليه، الإنسان المنظّم دوماً يعاني من التشكلّات التبعثُرية التي يراها حوله، تنخفض معدّلات الحماس بداخله وترتفع كثافة الغضب فيه مع كل مظهرٍ من مظاهر الفوضى.
●أنا لست عالماً بيولوجياً ولكن بالضبط هذا ما يحدث مع بعض الأشخاص من حولي، هذا ما تنتج عنه بعض الإضطرابات النفسية التي تُخرجهم عن طورهم وتُدخلهم في حيّز السلبية في كل تفاصيل القول والفعل، فتخرج علامات الضَعف ومظاهر الوَهَن على أجسادهم وهذا بالضبط ما يفعله زيدان بخصومه، كيف؟
حسناً إليكم التفسير:
●بالعودة إلى بداية الموسم وحتى من فترة التحضيرات التي كان حصادنا فيها غير مقبولٍ بملامح فريقٍ باهتة لا يُعرف عنه مبتدأً أو خبر، بلا هويّة أو عنوان، حتى مع بداية الموسم الرسمية كنا أقرب إلى جسدٍ لا يُعرف رأسه من قدميه،
●بالعودة إلى بداية الموسم وحتى من فترة التحضيرات التي كان حصادنا فيها غير مقبولٍ بملامح فريقٍ باهتة لا يُعرف عنه مبتدأً أو خبر، بلا هويّة أو عنوان، حتى مع بداية الموسم الرسمية كنا أقرب إلى جسدٍ لا يُعرف رأسه من قدميه،
بغضِّ النظر عن الظروف التي واجهت الفريق وسُلطاته الفنية والإدارية، وقتها لم يكن أحد يعلم ماذا سيحدث مستقبلاً، ماذا تخبئ قادم التحدّيات لهذا الفريق، أو بالأحرى لم يمتلك الكثير منّا القدرة على الإنتظار.
●ومع مُضي الأيام والمباريات واختلاف التنافس كانت عديد الأسئلة تدور بأذهان المحلّلين والنقّاد وحتى المؤيدين من أنصار الفريق، أسئلةٌ من شاكلة.. بأي طريقة نلعب؟ من هو قائد الفريق للمرحلة الجديدة؟ من هم عمود الفريق الفقري؟ أين الأسلوب والمنهجية؟
مَن الأفضل بين العناصر؟ لماذا لا يسجل الهجوم؟ كيف يمضي الفريق بالإعتماد على الدفاع؟ وتحوّلت هذه الأسئلة ما بين أطوارها فأصبحت على شاكلة.. كيف يفوز الفريق رغم ما يحدث؟ من أين يجد زيدان حلوله؟ ماذا فعل ليعيد هذه الرغبة الجامحة؟
●حرفياً هذا الرجل داهية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، بدايةً من استغلاله للاعبين لا يرغب بهم والمنافسة بتواجدهم على الملعب، ومروراً بالتغلّب على كل الغيابات والظروف، ووصولاً إلى قناعة أنه يستطيع الفوز بأي تشكيلة من العناصر المتاحة،
زيدان يا سادة وحسب معتقدي السائد عن متابعته الدقيقة، لم يكن يحاول الوصول لتشكيلة معيّنة حسبما تقول التقارير هنا وهناك، لم يكن يريد سوى الوصول لقناعته في أمرين:
(إتقان الفوضى) و (روح الفريق ككتلة متحدة) ونجح في مَسعاه رغم العقبات والهجمات التي تعرّض لها، فاستطاع أن يُخضع كل من افتقد لعامِلَين كانا أساس عمل زيدان نفسه (الصبر والهدوء).
لا بل حتى بنزيما الذي نتفق جميعنا على أنه الأفضل من بينهم، يحقق الفريق لقباً رسمياً أمام كبار إسبانيا دون مشاركته ولو دقيقةً واحدة..هي الفوضى بأمِّ عَيْنها.
●عبقرية زيدان تجلّت في صبره وهدوئه وثقته المتجدّدة في لاعبيه بالإجماع على قدرتهم الكاملة بإستيعاب طريقة لعبه المتمحورة كلياً حول (حريّة التحرّك وإنسيابية الربط) التي تفسّر بوضوح اللامركزية الظاهرة على شكل ونهج وطريقة لعب الفريق في المباريات،
يقدّم الدفاع أبهى صورةٍ له أياً كان أفراده، تتوزّع المَهام عليهم دون حصريّة، الأمر نفسه ينطبق على خط الوسط والهجوم، بعض اللقطات نشاهد ميليتاو يميناً ورافا يساراً وبعضها تشاهد العكس، هناك كارڤخال ينطلق نحو العمق دون كرة،
تقابلها انطلاقة مماثلة لمودريتش نحو منطقة الظهير مع اندفاع الجناح للمقدّمة، فيدي دقيق جداً في تسارعه، في تواجده المناسب وتمركزه حسب مجريات اللعب والهجمات، كم مرةً ظهر كقلب دفاع وكم مرة اخترق في وسط الزحام عُمقياً.
ماذا عن راموس في تحرّكاته الهجومية وكيف تُفتح له المساحات بشدّ الملعب على الجانبين ورمي الكرة عالية خلف المدافعين، كيف تنطلق الكرات الطويلة من المنطقة الخلفية لنا نحو مقدمتنا بذلك التناسق؟!،
بالأمس القريب رأينا ظاهرةً جديدة، انقباضاً وانبساطاً يبدأ في رَحِم الفريق بالمنتصف ليخرج كاسيميرو جنيناً يحمل الفرح إلينا في الوقت الذي يحاول فيه الخصم تعثّر تحرّكاتنا وإجهاضها،
تابعنا لوكاس ڤاسكيز وهو يظهر بتماثلٍ وكأنه بثلاث نسخ إحداها في الوسط وأخرى على الرِواق نحو الأمام والثالثة تتحرّك كما يحلو لها.
●هذه الأفكار ليست صعبة وأغلبها تحرّكات تكتيكية معهودة للمدربين واللاعبين وحتى المشجّعين، ولكن الأدهى فيها أن زيدان استطاع بعد صبرٍ طويل أن يجعل الفريق يُتقنها للدرجة التي تسمح بتطبيقها جميعاً في مباراة واحدة كيفما كانت الإستراتيجية وخطّة اللعب،
حيث أن الفريق يدخل بخطّة معينة ثم تحدث أشكالاً من التبعثُر والفوضى التي تؤكّد في كل مرةٍ أنها تأتي بالنتائج المرجوّة أحياناً، السوء الذي لازم الفريق في بادئ الأمر هو عدم إعتياد اللاعبين على كثافة هذه التحرّكات بنفس التوقيت والمباراة،
اختلاف الأسماء الذي فرضته ظروف الغيابات والإيقافات ساهم في تأخّر وصول الفكرة للاعبين، حتى أن أحدهم ما زال هو الوحيد تقريباً الذي لم ينضج بما فيها الكفاية لتطبيقها حتى الآن، وأعني بذلك الصربي لوكا يوڤيتش،
وهو السبب الكبير بإعتقادي الذي يُظهره بذلك السوء ونعتقده في فِكرنا عدم استغلالٍ للفرص، والأمر بسيط.. تأخّر تأقلمٍ على فكرة اللعب وليس على البيئة أو الأجواء، وهي نقطة ما إن لِبست دهوراً في الآخر سوف تُحل.
كلما ظهرت تشكيلةً من العناصر لتنافس خصماً سارعنا بالتشكيك ودبَّ الخوفُ في نفوسنا، ولكن بكل الظروف والأحوال ننتصر، تترنّح المستويات الفردية والجماعية وأيضاً ننتصر، بالإستحواذ وبدونه ننتصر، بالعرضيات وبدونها ننتصر،
ننجح أحياناً بالتسديد ونفشل أحياناً أخرى لكن ننتصر، حتى عندما لا ننتصر لا نُهزم، ويخرج الكل راضٍ عن الآداء، هذا بالضبط ما يلخّص درجة نُضج الفريق في صُنع التركيز والكثافة وإتقان أوامر المستر زيزو كيفما يشاء.
لكن تعلمون كيف تكون الأجوبة في تساؤلات الإعلام عبر كل الندوات الصحفية للمستر وحتى تصريحات اللاعبين؟، الجواب دائماً واحد، تختلف العبارات بينهم بينما المضمون متفق عليه، (جميعنا على نفس القارب، نفوز معاً، ونخسر معاً)،
هذه الرسالة هي التي نقلها زيدان للاعبيه وانتقلت منهم لكل وسائل الإعلام وما زالت، حتى بالأمس في حديث بعضهم كانت موجودة، حيث قال ڤاسكيز عند سؤاله عن سلسلة 17 مباراة دون هزيمة ”نأمل في تمديدها لأنها تُظهر فقط ما نحن عليه كمجموعة جيدة، وأننا جميعاً نهاجم كفريق“،
كذلك رودريغو قال عنها: ”جميعنا يعطي كل ما لديه لهذا القميص، وإن واصلنا بذات النسق سنصنع الكثير من المباريات دون هزيمة“، كاسيميرو الذي كان رجلاً للمباراة ذهب لأبعد من ذلك عندما ذكر بأنّه قد سجل سابقاً في إشبيلية (الموسم الماضي) ”ولكن الأمر يتعلّق بالعمل الجماعي“ على حد تعبيره،
زيدان بنفسه ظل وفيّاً لجملته طيلة فترته كمدرب وما زال يرددها في كل سؤال عن لاعبٍ ما يقدم مردوداً سيئاً أو تكون هناك إحتمالية لخروجه ”نحن سعداء بجميع اللاعبين في الفريق“.
●لم يكتفي المستر بالتأكيد على روح الفريق وإتحاد المجموعة بحثاً عن الوصول لمبتغاه في نهج الفريق وتكوينه النفسي فقط، بل كان الداعم الأول دوماً للاعبيه ودرعهم المتين، وذلك لا يمضي عبثاً،
انتقلت العدوى للاعبين أنفسهم، أصبح كل فردٍ منهم يبادر بدعم الآخر ويرفع من معنوياته ويحميه من المحيط الخارج عن التكوين الأسري الفريق، سائرين في نفس الدرب الذي يسلكه المدرب، المحافظة على كتلة ووحدة المجموعة من التفكّك والإنهيار،
توني يدعم فيدي ”هو مقاتل، لا يخسر الكرة أبداً ويساعدنا كثيراً في الدفاع، وأعترف أنني أحبه“، لوكاس بالأمس حتى عرضيّته التي خرجت من قدميه نسبها لجودة كاسيميرو ” لقد جعل العرضية تظهر بشكل جيد للغاية، هذا الأسيست يعود إلى الطريقة التي يكسب بها تلك المساحة“،
راموس في مرحلة سابقة كان يشدّد على أن كورتوا هو الأفضل، مارسيلو يتحدث كثيراً عن ڤينيسيوس ورغبته، حتى غاريث بيل المغضوب عليه إعلامياً وجد دعماً غزيراً من زيزو واللاعبين في مشكلة (العَلَم) مع منتخب بلاده،
في وقتٍ سابقٍ من الموسم شنّت الصحافة هجوماً عنيفاً على منظومة دفاع الفريق التي استقبلت ثلاثية في حديقة الأمراء، جاء الردّ من زيدان بأن المشكلة ستُحل عما قريب، وأكّد على ضرورة الدفاع من الجميع وليس حارس المرمى والرباعي الذي يتقدّمه فقط، وها هو الفريق يُبرز صلابةً فريدةً في الخلف،
كذلك مؤخراً عندما واجه الفريق حديثاً متكرراً عن مشكلة التهديف، كان زيزو ينصف دفاعه أولاً قبل أن يتطرّق للمشكلة وحلولها، ثم يؤكد أن الحل سيأتي طالما هناك المجال له، شارك بلا هجوم في بطولة السوبر وأحرزها بخماسي مرعب في الوسط،
وبالأمس يؤكد مجدداً على أحد أكبر نقاط التميّز حالياً في الفريق، ”أيّ لاعب يمكنه صناعة الفارق واليوم كان كاسيميرو“، هذه النقطة متمثّلة في قُدرة الجميع على التسجيل إذا غابت الحلول الهجومية التي نحن بصدد التحسّن فيها وبعض النقاط الأخرى كالكرات الثابتة مثلاً.
ولديه من الكفاءة العبقرية ما يُدخل الحيرة في خصومه ويخلق لهم من الفوضى فوضىً تُشتّت أفكارهم وتُبعثِر خُططِهم ولا يجدون لها حلّاً، يعجزون عن مُجابهتها بكافة الطرق، زيدان يبرهن على أن النتائج ليست حصريةً على أسلوبٍ أو طريقة لعب،
ليس شرطاً أن تمتلك المنهجية لتخرج منتصراً، بل الإنتصار الأكبر لك في نظر منتقديك أن تهزم أصحاب الأسلوب بلا أسلوب، وتضرب أنظمتهم بالفوضى، هي ليست كأيّ فوضى، هي فوضى زيدان، الإستثنائي حتى في فوضاه.
ﻣ̝̚ﺻٍﻋﺑ
ﻣ̝̚ﺻٍﻋﺑ
جاري تحميل الاقتراحات...