Hᴀᴊᴇʀ |
Hᴀᴊᴇʀ |

@i_Hajer__

22 تغريدة 555 قراءة Jan 19, 2020
و نُكَّست الأعلام.!
كان ميلاد أخي الصغير يومهَا، أصرَّ على الخروجِ للَّعب، فقرر أبي و أمي أن يأخذوا الصغار في نُزهة، وفجأةً أرسل أبي: جهزوا ملابسي العسكرية المُموهة، جهزوا الرُّتبَ والحذاء، إنها الحالة الحمراء، كان ذلك اللباس مطمورًا بينَ أكوام الملابس، وحيدًا لا يشاء الخروج.
و الحذاء يختبىء مِنا خوفًا من القادم، المُهم، اجتمعتُ مع أخواتي كعادتِنا لتحليل الحاصِل، ورأينا كيفَ أن عُمان أصبحت في كفَّتين، كفةٌ تدعو بالأمان لعُمان والأخرى تدعو بالعافية للسلطان، وكلاهما تتنافسان، سألتُ أبي عن الحاصل رغم معرفتي أنه لن ينطقَ بشيء قبل أوانِه، لم يقل شيئًا..
انهالت عليه الإتصالات من كل حدبٍ وندب، ما الحاصل؟ الكل يتساءَل، و أبي يجيب: إنها احترازاتٌ أمنية ليس إلا، ذهبَ أبي، ونسينا الأمر، وظننا أنها الحربُ التي لن تقوم، لكنَّها قامت في قلوبنا بعد سويعاتٍ قليلة،بعد أن خلدنا إلى النَّوم.
جاءَت أمي التي أشهدُ على قوتها، بصوتٍ يرجفُ و مدامعٍ تُسكب، تقول لي بصوتٍ خافت قومي للصلاة، لقد أُعلن الخبر، إنا لله وإنا إليه راجعون، قمتُ فَزِعة، ماذا يحدث! أمي تبكي، هناك شيء عظيم يحصِل، أحسستُ بأطرافي تحترق، هرعتُ للوضوء، ثم إلى أخواتي، وجدتُ الجميع جالسًا بهدوء
لا أحد يملك من القول شيئًا، صليتُ الفجر و دموعي لم تقف، لحظاتٌ كهذه تأخذ جُل طاقتي، تسحب نفسي، و تأسرني، بعد السلام، تلعثمت لساني، ماذا أقول لله؟ بأي دعاءٍ أنطق؟ المهمُ أنني دعوتُ كثيرًا حتى سهوت في ابتسامته.
انخرطت كلٌ منا في زاويتها، نحنُ في المنزل لا نُحب أن يرى أحدنا كيف يحزنُ الآخر، نامَ بعضُنا، وبقيتُ مع أمي عند التلفاز، استيقظَ صاحب الميلاد الصغير، فأخبرته أمي، احتضنها وبكى قليلًا ثم قال: كيف يعني يموت؟ الموتُ يا حبيبي شيء لا أفقهه أنا أيضًا.
بتُ أقرأ القرءان تارةً و ألوح ببصري في اسمه المتفرد، وصورته التي لن يكررها الزمان تارة أخرى، كانت المحادثات تعجُ في الواتس أب ، و تكثر المقاطع والأدعية في كل مواقع التواصل، أحسستُ بالعجز كثيرًا وطويلًا، كان يومًا بائسًا، حتى الطيور فيه هادئة؛ حتى قططنا الستة لم تنطق بشيء..
وأنا بداخلي حربٌ مهولة، ونارٌ مضطرمة، لا أستطيع التعبير عنها.
انتظرتُ مراسم تشييع الجنازة على التلفاز مع أمي، بدأ كل شيء و لا أكاد أحسُ بي، لقد رحلتُ من الأرض إلى حيثُ لا أعلم، كان ذلك الموكب صعبًا ثقيلًا مرًا تعاونَّا جميعا على تحمُّله وهو يزَُّف إلى منزله الآخر.
نحنُ لن ننسى كل لحظةٍ مرَّت علينا يومَها، كل شيءٍ في ذلك اليوم سيبقى خالدًا وسرمديًا للأبد البعيد، عندما وصلت الجنازة المقبرة، ذهبتُ مع أخواتي لأعلى نقطةٍ في حينَّا، بحكمِ قربه من المقبرة، ذهبنا نشاهد الموكبَ الأسطوري، ما شهدتا سوى شوارعَ صامتة..
وحماةُ الوطن يتوزعون على جوانبها متكتلين في مجموعات صغيرة، يبدو عليهم التعب، أنا لم أرَ ملامحهم ولكنني أعلم أنها خريطةُ فقدٍ كبيرة يحملها الصابرون.
دُفن أبي، و رحل الجميع، ولا يزال كل منا عالقًا في اللحظة التي علم فيها الخبر، عدنا للمنزل بوجوه شاحبة، عبر كلٌّ منا بطريقته، حتى وصل أبي، دخل مسرعًا: أحسن الله عزاءكم، فرَّ هاربًا إلى غرفته، تبادل نظرات الأسى مع أمي التي كانت تصارعُ دموعها بين الفينة والأخرى، لقد رحل ولين يعود..
لكنه باقٍ في قلبِ كل من يحبه.
نُصب سلطاننا الجديد، و بقينا بين خزن الرحيل و فرحة التبشير، أعتقدُ أن الجميعَ أحس براحة اختيار من كان في وصيته، لأننا نثق بالله و بالخير الذي حبانا به ونثق بأبينا وباختياره وحكمته، لم يتركونا للمجهول، لقد عملوا جميعًا، لكي يخففوا وطأة كل شيء، ما هذهِ الرحمة يا الله!
بدأت الجموع تتوافد لقبر الفقيد، يبكون يدعون يقرؤون و ينتحبون كبارًا وصغارا، حتى بدأ الغيث، أغاثَنا الله في يومٍ كانت عمان فيه تبكي، لكن المختلف في ذلك اليوم أن لم نجد أحدًا يلعب على قوارع الطريق ولا عند الوديان و لا الشواطىء، بدا الأطفال كبارًا ذلك اليوم، شُخنا جميعًا بلا استثناء
ليتكَ يا أبي تعلمُ ماذا صنع رحيلك، ليتك تعلم تلك المساحة التي ملأت بها قلوبنا، و أرواحنا، لقد عشنا يا أبي نظنُ أنك ستبقى معنا، نحنُ كبرنا نظنُّ أنك ستبقى للأبد، كما لو أننا نطبقُ ما قاله الشاعر "الموت حق وشيء أساسي، والكل داري بس ناسي"، حقًا تناسينا هذا الأمر،
نحن لم نرأف بك يا أبي، حين مرضتَ لم تقف ألسنتنا عن الدعاء، لقد بدا الخوف واضحًا على ملامح عُمان.
أبي قابوس الخالد في قلوبنا، البصمةُ التي وضعتها في عُمان ستظلُ لك للنهاية، وأعاهد الله وأعاهِدك أنني سأبقى لِعمان حتى أموت، "هذا ما خُلقتُ لأجله و هذا ما سأموت لأجله"
كنتَ استثنائيًا، عظيمًا، طاهرًا، نقيَّا، كريمًا، سخيَّا، مُسالمَا، طموحًا، عالمًا،معلمًا، فطينًا، حكيمًا، أنيقًا، لبقًا، بشوشًا، ناصِحًا، مُرشدًا، و أبًا لنا حنونًا. سنكونُ لعمانَ ما أردتنا أن نكون، فاطمئن.
١٠/١/٢٠٢٠
ومنذُ ذلك اليوم، وعمانُ تلبسُ ثوب الحداد، و العالمُ يعزيها و نحن ندعو و نبتهل، الأرواحُ عطشى، و الأمهاتُ ثكلى، و الكلُ في سباتِ الألم العميق.
طيَّب الله ثراك و رزقك الفردوس الأعلى من الجنة ?
مُمتنة لكل كلماتكم الطيبة، حفظكم الله
لا نملك له إلا الدعاء ما حيينا، عسى أن نكونَ في عونِ بعضنا لرفعة هذا الوطن. ♥️??
اللهم إنا نُشهدكَ أنه أدى الأمانة وتفانى في عمله، فخفف عنه حمل هذا الوطن في مرقده، اللهم جازه بالحسنات إحسانًا و إحسانًا و إحسانًا، و بالسيئات عفوًا و غُفرانا

جاري تحميل الاقتراحات...