راسخ الكشميري
راسخ الكشميري

@DrAlkashmiri

10 تغريدة 15 قراءة Jan 17, 2020
على رأس السنة ٢٠٢٠م أصبت بأعراض البرد، كعادتي لم أعر أي اهتمام لذلك، بيد أن اجتماع البرد والحمى علي جعلني استسلم لتناول الدواء، وليتني لم أتناوله، فقد استيقظت بعد نوم قصير على إعياء شديد، ودقات قلب مضطربة، بت كأنني أدور في اللاوعي، ورغم البرد القارس وجدتني أتصبب عرقا..
تذكرت أنني لم أصلي العشاء، فاتجهت للوضوء، لم أشعر ببرودة الماء رغم أن برودة الجو وصلت إلى الصفر، عدت إلى سريري وأنا لا أعرف طريقا غيره، صليت قاعدا، ثم استسلمت لما يحدث داخل جسمي، دقات القلب كأنها تخبرني بعدم رضاها عني، رأسي يدور كما الرحى، وأفكاري تجاه نفسي تطحنني طحنا...
ظننت أنه قد آن وقت الرحيل، تذكرت غربتي، ورددت على لساني الأذكار والشهادة، دعوت الله ألا يكون هذا آخر العهد بالدنيا، فما زالت طموحاتي قيد التحقيق، ولم أبلغ سماء أحلامي بعد، وبعض أمنياتي لم تنبت لها أجنحة الطيران، تذكرت أشخاصا غضبت عليهم، وآخرون ساهون عني، وأنا وحيد منطو في غرفة..
وقع أقدام تقترب، إنه الخادم البشتوني جاء ليسألني عما إذا كنت أريد شيئا؟ حدقت فيه كالأبله، طلبت منه أن يجلس أمامي، حملقتُ في عينيه، سائلا منه أن ينظر في عينيَّ هل يرى شيئا من الحياة فيهما؟ أذكر أنني ظننته أنه المرآة، كنت أبحث عن حياتي فيها، أو ربما أردت مشاهدة رحيلي عن هذه الدنيا.
أذكر أنه كان يريد إيهامي بأنني بخير، أما أنا فأردتُ أن يشهد لي بأن خاتمتي كانت على خير، وأن رحيلي عن هذه الدنيا كان لطيفا رغم قسوتها علي، طلبت منه أن يحضر كوبا من الشاي، لا أعرف متى ذهب عني، ومتى عاد إليَّ، أجلستهُ أمامي حتى فرغت، سألني تريد شيئا آخر؟ قلت له: شكرا يا (شيري جان).
شعرت بعد تناول الشاي أن دقات قلبي بدأت تنتظم، وأن روحي عادت إلى قفص الجسد، وأن جسدي بدأ يشعر بالبرد، دخلت في لحافي وأنا أردد آيات من القرآن، لا أذكر السورة، ولا ماذا قرأت، مددت يدي إلى هاتفي لأطمئن الجميع، لأتحدث إليهم وما زالت أفكار الرحيل تراودني بأن الأحاديث.. قد تكون الأخيرة.
فتحت رسالة لشخص عزيز علي، وجدت فيها العتاب، وشيء من الغلظة تجاهي، أصابني استياء شديد، كيف أخبره أن غيابي كان لمرض ألَمَّ بي، وأنني للتو عدت من صراع وخوف من الموت، وأن وقع عتابه علي مثل وقوع سوط على الظَّهر، أو مثل قلع الظفر من الأصبع، أو مثل شوكة غرزت في قدمي..
بعد كل ما عانيته في اللحظات تلك، وخوفي من نهاية الحياة، والرحيل من الدنيا، أدركت أن غضبنا، وعنفواننا، وشهواتنا، ومحاولة إثبات أننا الأقوى، والتعلي على الآخرين، والغضب عليهم، وعتبهم، وحب التملك، والعيش في قلق الفقد، كل هذه الأمور عديمة أمام الحقيقة المرة، وهو أن الموت ينهي كل شيء.
نعيشُ في أوهام كثيرة، وفي تعاملنا مع الآخرين نتوقع أشياء لم تخطر على بالهم، نقيس حياتنا على حياة الآخرين، ولا ندرك أن حياة كل منا تختلف عن حياة أفراد يعيشون في ظروف لا يمكن إطلاقها بشكل عام، نستنسخ الأمور كما لو أنها قواعد كلية في الحياة، ونطلقها أحكاما عابرة على الجميع.
يسروا الأمور، اتركوا خلفكم إرثا من الخير، افعل المعروف وإن صغر، لا تقع في الأوهام، تجنب الزيف، عامل الناس بلطف، وإن قسوا عليك علمهم أن ذلك غير نافع، وأن الحياة يجب أن نمضي فيها بيسر، وإن عادوا، أعدهم إلى رشدهم، لا تيأس حتى ييأس من يقسي عليك من قسوته.. فيلطف في النهاية.

جاري تحميل الاقتراحات...