سليمان الناصر
سليمان الناصر

@salnasser

6 تغريدة 93 قراءة Jan 17, 2020
ليس "التحكم بالمسافة" أمرًا سهل الاكتساب، ومع ذلك فهو نقطة قوة -في التعقّل والإرادة- لمن يكتبسه ويتصف به، أن تضع مسافةً، تدرك متى تزيدها، ومتى تقلصها، وأين تقف، ومتى تتقدم أو تتأخر، هذا مستوى من الفهم والفقه لا يُمتلك عادة إلا بالتيقظ والحساسية إضافة للخبرة التي نظفر بها بعد دفع=
الثمن عادةً،
" المسافة" شرط في إمكانية الرؤية، ووضوح المنظور،
ربما هذا السبب الذي جعل اللسان العربي يشتق كلمة" البَيْن" من مادة( بان) فالبيان هو الوضوح والجلاء، لربما كان البيْن والابتعاد شرط لرؤية أوضح،
ومن اللافت أن أهل اللغة اعتبروا " البين" من الأضداد، حيث اعتبروا الابتعاد=
مفضيًا للغياب والغموض، والمادة (بان) تفيد الحضور والظهور والجلاء والوضوح، فاعتبروا هذا تضادًا في الدلالة، ولكن يبقى أن هذا التضاد هو علاقة بشكل ما، مهما يكن من أمر فإن "المسافة" عنصر أساس في حياتنا، ويبقى الفيصل، هل نتحكم بها!؟ أم نترك أنفسنا نهبًا لعوامل أخرى تتحكم وتحدد نقاط =
وقفونا ولحظات حركاتنا واتجاهها قربًا وبعدًا،
المسافة ليست جحودًا ولا نكرانًا للطرف الأخر، وليس تذويبًا للذات وتبعية مطلقة له، ومن المناسب هنا الاستفادة من مفهوم مشهور عن الفيلسوف بول ريكور في نظريته في تأويل النصوص، ينقله عنه المترجمون بـ ( التماسف)، =
ويعني به أن مانقصد تأويله من النصوص لا ينبغي من جهةٍ أن نرفض انتماءنا له- من أجل دعوى الموضوعية-، ولا- من جهةٍ أخرى- أن ننغمس فيه بحيث لا نستطيع رؤيته، فالمسافة انتماء وقرب، وبنفس الوقت ابتعاد يمكننا من الرؤية، هي قربُ وبيْنٌ في وقت واحد، فالانتماء يمنحنا "الفهم"،=
والبيْن والبعد يمكننا من "التفسير" من حيث هو عمل موضوعي، فالرؤية التاويلية الأكمل تنتج عن عملية تماسف ( وضع مسافة)،
أعتقد أن هذا التماسف ( = فقه المسافة) يتجاوز في نفعه تأويل النصوص وفهمها إلى فهم الناس من حولنا والأحداث التي تواجهنا وحياتنا التي نعيشها.

جاري تحميل الاقتراحات...