ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

17 تغريدة 2,584 قراءة Jan 16, 2020
دع خيالك يحملك بعيداً وتصور أنك ذات يوم أُرِسلت إلى الفضاء لأداء مهمة ما، ثم تم نسيانك هناك ولم يعبأ بك أحد، هذا ليس خيالاً بل فعلياً ما حدث مع رائد الفضاء "سيرجي كريكاليف" والذي أطلق عليه لاحقاً "آخر مواطن سوفيتي"
القصة تحت حياكم
مايو١٩٩١
على متن الرحلة سويوز TM-12 انطلق كريكاليف للفضاء من قاعدة بايكونور السوفياتية،التي تقع في كازاخستان (جزء من الاتحاد السوفييتي) قاصداً محطة الفضاء السوفيتية مير، المحطة الأعظم في ذلك الوقت، وذلك للقيام ببعض المهمات البحثية، حيث كان مخططاً له البقاء في الفضاء لنحو ٥ أشهر
بعد أربعة أشهر وبينما كان سيرجي كريكاليف يحلق في الفضاء
كانت الدبابات تتدفق إلى الساحة الحمراء في موسكو والناس يبنون المتاريس، فيما مذيع التلفزيون الروسي يبدأ نشرة الأخبار قائلاً: "مساء الخير، هنا موسكو، الاتحاد السوفيتي لم يعد موجودا بعد الآن"
لقد تفكك الاتحاد السوفيتي، ولم يعد للدولة التي يحمل جنسيتها كريكاليف وجود
يتحدث الرجل عن شعوره في تلك اللحظة قائلاً "بالنسبة لي، كان الأمر بمثابة صدمة متكاملة. لم أفهم ماذا حدث، وجال في خاطري سؤال كبير حول مستقبل برنامج الفضاء بل حول مستقبلي وعودتي للأرض؟!
هل سأبقى هنا للأبد"
رغم كل هذه الظروف قام كريكاليف بإكمال مهمته في الفضاء على أكمل وجه حتى حان موعد عودته إلى الأرض، حيث تواصل مع الجهات المعنية بعودته، ليجد رداً صادماً، بأنه لا يستطيع العودة إلى الأرض لأن الدولة التي وعدت بإعادته إلى وطنه لم تعد موجودة.
الرفض السابق من قبل وكالة الفضاء السوفيتية أو ما حل محلها بعد التفكك مرتبط بأمرين، الأول مالي حيث التضخم والأزمة الاقتصادية التي تعصف بروسيا، والثاني لوجيستي متعلق بفرض الجانب الكازاخستاني الذي كانت تنطلق منه رحلات الفضاء السوفيتية رسوم مرتفعة على روسيا نظير استخدامها قاعدتها!!
كريكاليف كان من القلة التي دُرِبت على البقاء في الفضاء لمدد طويلة، لكن البقاء لمدة تتجاوز الخمسة أشهر من شأنها أن تعرضه لمخاطر صحية جمة، من بينها ضمور العضلات ومخاطر الإشعاع وتزايد فرص الإصابة بالسرطان فضلاً عن ضعف الجهاز المناعي.
مر شهر وراء آخر والإجابة واحدة هو أننا "لا نستطيع إعادتك الآن"، نقلت مجلة ديسكفري عنه قوله "قالوا لي أن وضعي صعباً- وأن صحتي في خطر، لكن كان لديهم العذر فالبلاد التي تمر بمثل ما مرت به روسيا في ذلك الوقت تكون أولوياتها هي توفير المال وليس إنفاقه".
انتشرت قصة كريكاليف في الصحافة العالمية وأُلقي الضوء عليه بشدة، وكُتبت لأجله عديد من المقالات والأخبار المساندة، إلى أن اتخذت ألمانيا قراراً جريئاً بمساعدته، حيث رصدت نحو 24 مليون دولار من أجل عودته وهو ما حدث بالفعل في  25 مارس 1992.
عن غير قصد أو مجبراً؛ استطاع سيرجي كريكاليف إحراز رقماً قياسياً عالمياً وذلك بسبب إقامته في الفضاء مدة تجاوزت ضعف المدة المخططة له في الأصل، والتي بلغت 311 يومًا، أو 10 أشهر.
عند الهبوط ، ظهر رجل يحمل على بدلته الفضائية الأحرف الأربعة "USSR"  وعلم أحمر لدولة لم يعد لها وجود، لذلك أطلق عليه آخر مواطن سوفياتي.
هبط كريكاليف بملامح وجه شاحبة وجسد مرهق فيما أربعة رجال من حوله يساعدونه على الحركة والمشي.
عاد كريكاليف إلى وطنه بعد عشرة أشهر وقد تغير كل شيء، لم تعد ضواحي أركاليخ ، المدينة التي هبط فيها ضمن دولته بل صارت تتبع كازخستان المستقلة، فيما مدينة لينينغراد التي ولد وعاش فيها تغير اسمها إلى سان بطرسبرغ.
وفي اثناء دوران كريكاليف حول الأرض خلال تواجده في الفضاء تقلصت مساحة وطنه وقلت بمقدار خمسة ملايين كيلو متر مربع، أما راتبه الكبير سابقاً الذي كان 600 روبل، صار بفعل التضخم قليلاً جدا بحيث لا يكفي لتسيّر حياة أي مواطن بسيط.
أما المفارقة الأخيرة التي حظى بها كريكاليف، فقد سجله التاريخ في دفاتره على أنه الوحيد الذي سافر إلى الفضاء بجنسية معينة وهي السوفيتية وعاد بجنسية أخرى هي الجنسية الروسية.
استقبل سيرجي كريكاليف في روسيا استقبالاً حافلاً وتم اعتباره بطلاً قومياً، وبعد ذلك بعامين عاد مجدداً إلى الفضاء كأول رائد فضاء روسي يطير على متن مكوك ناسا، كما كان أول من قضى بعض الوقت على محطة الفضاء الدولية الجديدة.
تم إنتاج فيلم وثائقي عام 1995 عن كريكاليف تحت عنوان Out of the Present ، بينما تم تجسيد قصته في فيلم سينمائي من إنتاج 2017 تحت عنوان Sergio and Sergei.
الفيديو لتريل الفلم السينمائي

جاري تحميل الاقتراحات...