أبو زيد الشنقيطي
أبو زيد الشنقيطي

@mkae2

8 تغريدة 247 قراءة Jan 12, 2020
حينَ يتواصَى الفقهاءُ بضرورةِ أخذ الفقهِ (أوَّلَ تفقُّهِكَ) عبر إحدى مدارسِ الفقهِ بسُلَّمِها التدريجيِّ المنضبطِ؛ يُشعرُكَ بعضُ الحَمقَى أنَّ التراثَ الفقهيَّ في هذه المدارسِ مأخوذٌ من التَّوراة المُحرَّفة أو الإنجيل؛ ويقول لكَ: بل نأخُذُ من الكتاب والسنَّة كما كان يأخذ الصحابة.
ومثلُ هذه المقولةِ لا يقُولُها عاقلٌ؛ فالمَذَاهِبُ هيَ الكتابُ والسنّة إجْمَالًا؛ ولا تناقُضَ بينَها وبين الكتاب والسُّنَّة.
إنَّما هي طَرائِقُ لفهم النصِّ؛ فَبعضُها - مثَلًا - يرى المفهومَ حجةً ويقرر لكَ ذلك؛ والآخَرُ لا يرى المفهوم حجةً؛ فمَن التزَم أحدَ المسلكَين ينضبط تفقُّهه
ومَن تفقَّهَ بالفَوضى فأخذَ من هُنا وهُناكَ؛ سيجدُ نفسَهُ فوضَويًّا؛ فمرَّةً يحتجُّ بالمفهُوم ويُعمِلُه ومرَّةً يُهمِلُه؛ فَتَضطَّرِبُ عندَه المَوَازينُ وتخْتَلُّ.
خلافًا لمَن يَقرأُ علَى مذْهَبٍ بالدَّلِيلِ ومَسْلَكِ الفَهم المأخوذِ بهِ عند أهل المذهبِ؛ فإنه ينضبطُ ولا يتناقض.
ومِمَّا لا يُدركُه الأخفَّاءُ المحتقرونَ للمَذَاهِبِ أنَّ نفيَهُم للدَّليلِ عن كثيرٍ مما في كتُب المذاهِبِ ليسَ صحيحًا؛ إنَّما المنفِيُّ عدمُ استيعابِهم وإدراكِهم فقطْ لا غَير.
فمثَلًا إذا قال المالكيُّ إذا كان الخف مخرَّقًا بما يصل للثلث لم يجزئ المسحُ عليه؛ فهو يستدل بأصل نبوي.
وهو قوله ﷺ لسعد (الثلث، والثلث كثير)؛ هذا في العبادات؛ وفي المعاملات تجده يقول لمن قال: عليَّ أن أهدي جميع مالي؛ يُجزئُك من ذلك الثُّلُثُ؛ لحديث (والثلث كثير) فالعاملُ بهذا الأصل من المتفقِّهين يَطرُدُه في كل أبواب الفقه فلا يتناقض؛ بينما تجد الوفوضيَّ يعمل به مرةً ويُلغيه أخرى.
ومَن زعَم التعبد بالاستنباط المباشر من القرآن والسنَّةِ دونَ الحاجةِ لمدارس وأصول ومناهج العُلماء فقد تكلَّفَ ما لا يُطيق؛ ولن يَصِل؛ لأنَّ الثلاثةَ عشَر قرنًا الفاصلةَ بينه وبين زمَن التشريع كفيلةٌ باستعجَامِ كثير من المعاني والأساليب الشرعية في ذهنه؛ وهذا عائقٌ كبير في الفهم.!
ثمَّ إنَّ هذا المُفلِسَ سيجدُ نفسَه أمامَ جماعةٍ من صحابة النبي ﷺ ذهَبت طائفةٌ منهم في الفهم إلى جهةٍ؛ وذهبت الطائفةُ الأخرى للجهة المقابلة؛ وكلُّهم على خَير؛ وسيصطدمُ باختلافهم في نسخ الدليل وإحكامه؛ ولن يجد متَّسَعًا للوقوف بمنطقةٍ ثالثةٍ؛ فهو مُضطَّرٌّ للتقليدِ شاءَ أم أبَى.!
وقل مثل ذلك فيما ظاهرُه التعارض مما اتفق الجميعُ على صحته؛
ومسالك الترجيح؛
ومصادر الاستنباط؛
والاستدلال بما شذَّ من القراءاتِ وخالف العرضة الأخيرة؛
وحجِّيَّة قول الصحابيِّ فيما لم يردْ في قرآن أو حديث؛
والقياس؛
والمصالح المرسلة؛
فهذه وغيرها مواضعُ خلافٍ وللأئمة فيها مناهج ومدارس.

جاري تحميل الاقتراحات...