#شتويات
في الشتاء، النار لا تلمس الضيوف، وإنما تسلب منهم الكتمان والتظاهر بالقوة. تفعل ذلك عندما تغمر المكان من حولهم بالنخوة التي يجردها الحطب على المهب. الشتاء يتجسس على الدفء في كل شيء لكنه ينسى الحطب. استراتيجية ناقصة لا شك، لكن هذا ما يجعل النار أكبر الشعراء في الطبيعة.
في الشتاء، النار لا تلمس الضيوف، وإنما تسلب منهم الكتمان والتظاهر بالقوة. تفعل ذلك عندما تغمر المكان من حولهم بالنخوة التي يجردها الحطب على المهب. الشتاء يتجسس على الدفء في كل شيء لكنه ينسى الحطب. استراتيجية ناقصة لا شك، لكن هذا ما يجعل النار أكبر الشعراء في الطبيعة.
2- نتفق دوماً أن النار سيدة حيية تميل دائماً باتجاه الضيف كأنما لتلمسه أو تقبله، لكنها ترتد عنه بتأثير من شبقٍ معاكس يعيدها إلى شعلاتها الحمراء الرقيقة في "المشب". وفي كل رجعة لها تنشر ما لديها من قراطيس دفعة واحدة. وهذا هو السر.
3- تحدثنا - نايف وصديقي الكوني- عن هذه الاستراتيجية الناقصة فوجدناها تشملنا أيضاً، الوقت القليل دائماً وأبداً هو هذه الاستراتيجية التي نقع في كمينها كلما فكرنا في لقاء أطول، يحدث هذا مع كل الناس، الوقت القليل نذير انتهاء الأشياء الجميلة بأسرع مما تُتصور.
يتبع
يتبع
4- تحدثنا عن غلو إبريق القهوة في فكرته عن البن. هذا الصوفي المعدني المسوَد أبداً على جال النار، يعيش فناءه في احتراقه، لكنه لا يلبث أن يعود إبريقاً جديداً في كل "طبخة" جديدة أمام جليسه البدوي.
5- إنه يطبخ في جوفه المعدني مئات الصحارى في كل مرة، ثم يخرجها بعد استواء القهوة صحراء واحدة مثل التي عشتها ذلك الصباح في تبوك مع صديقي الكوني.
- لم نتكلم عن هذه الأشياء مباشرة وإنما في وجه كلامٍ عن أشياء أعم، الحياة عموماً، ومغاريف المصادفات والموافقات التي تحملها لكثيرين. مثل أن تحملني طائرة تبوك إلى تبوك، وفي تخوم المدينة الشابة أجد الصحراء تجلس في انتظاري، مدثَّرةً حتى حصاها بالبرد القارس.
7- أستطيع أن أقول إن الفهرنهايت توعدنا بما دون الصفر إن خرجنا من دفء بيت الشَعر. اللقطة الأكثر إدهاشاً التي كان يجب أن تصور، بدأت لحظة مسارّةٍ خاطفةٍ تبادلها إبريق القهوة والدلة، بعدها مباشرة أصبح لدينا قهوة بمعنى الكلمة، ..
8- وبات في مقدورنا أن نتذوقها في فنجان، ولكي تعلن الطقوس بيانها الأول في شرف النكهة دنا طبق التمر من الأيدي. صديقي الكوني يتقن إعداد القهوة بالشغف الذي يكتب به قصيدة، ويشهد ذلك الصباح أنها كانت قهوة تنتمي للشِعر والبُن.
9- بيت الشَّعر مثقل بتاريخه العريق طبعاً وقطعاً، ملايين الوجوه الضامرة اختمرت في جوفه على مر التاريخ، وانشقت عنها في وقائع لا حصر لها قرارات مصيرية أرخت لتحولات مضرجة في أحيان كثيرة بالدم والنبل.
10- من النسيج الداخلي لبيت الشعر كُتب التاريخ المرتجف غالباً على شفير الحياة. وتوحي المعرفة المحدودة في تقليب التاريخ على حقائقه المفزعة أن الصبغة الأساسية لخيوط بيت الشعر سوداء اللون بالذوق وبالوراثة.
11- اللون الأسود في بيت الشعر يعج بتناقض غريب يفرق بينه وبين تراب الصحراء ذي اللون الأشهب في شكل عام، لكنه تراب يجهر تحت الشمس بانضوائه للون الأبيض في اليوم القائظ الصافي.
12- وهو التناقض عينه الذي يحدث بين إبريق القهوة الأبيض في الأصل، وسخام النار الذي يغطيه على الدوام.
13- ومثلما يقال في حكايات المراهقين الرعاة عن أن الرياح تجيء إلى قطيع الماعز على هيئة امرأة شبقة تقرع قرونها بحثاً عن الرعيان، قد يقال الحكي ذاته ولكن بلون آخر عن خيوط بيت الشعر السوداء وعلاقتها بتأليف القصص حول المنافرة القائمة بين الأبيض والأسود في سيرة الرجل والمِدية،
14- الرجل والأعداء، الرجل المتخذ من بيته دريئة وملاذاً. إنه رجل بارع في نثر خصومه ومعاركه تحت سقف بيته البسيط، كل ما يحتاجه هو البيت، جاثياً حوله، مرخياً لونه الأسود على أفكاره وذاكرته، لتحدث لديه صعقة المحارب الأبدي.
15- نرى ذلك في قصائده وحكاياته ووسومه وعلاماته القديمة، لكن هذا الصنف من البدو انتهى للأبد، وبقي البيت بخيوطه السوداء يروي السيرة بنفس طريقة بنائه التقليدية.
16- . الخيط الأسود في بيت الشعر هو ذاكرة الماضي، شأنه شأن عمود البيت الرئيس المركوز في المنتصف إذ يقوم مقام التراث المنقضي الذي لم يعد له حضور في الواقع، غير أنه حين يسقط يسقط البيت.
17- بيوت الشعر العصرية المطورة لا تحمل هذه الصفة، إنها بيوت مسالمة ذاكرتها الصناعية حديثة جداً ولطيفة للغاية، تنعدم في خيوطها غُرز الغارات والمعارك القديمة، وتختفي منها تماماً نفخة الصائح للغزو كما جرت العادة في فترة ما قبل تأسيس المملكة.
18- إنها بيوت سخية في بذل الأمان والشعور بالطمأنينة حد الدهشة. كل من دخلها مسالماً هو صديق وآمن ويجب إكرامه. ومع هذا لم تكن يوماً بيوت شعر فارغة من قيم الصحراء وأخلاقها. لم تتخل عن أصالة بيت الشعر القديم وعمقه الاجتماعي الرحب.
جاري تحميل الاقتراحات...