خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

36 تغريدة 242 قراءة Jan 11, 2020
1- سأكتب اليوم عن مادية ديمقريطس وأخلاقه, وسأكون سعيدا بأية نقاشات أو تعليقات أو إضافات أو اعتراضات على ما أكتب.
2-مارس أرسطو كمؤرخ للفلسفة دورا سلبيا في سيرة ديموقريطس,فقد همشه وقلل من أهميته, حتى أعاد ماركس ولينين تسليط الأضواء عليه.كتب ماركس كتابا اسمه The Difference Between the Democritean and Epicurean Philosophy of Nature (الفرق بين الفلسفتين الديموقريطيةوالأبيقوريةعن الطبيعة).
3-أما لينين, فقد اعتبر ديموقريطس "ممثل الفلسفة المادية" في العالم القديم.
4-التفات الفلسفة الحقيقي نحو الإنسان لم يحدث فعلا إلا مع مجيء السفسطائيين, وهذه منقبة تسجل لهم, فهم من كان مهموماً بقضايا الإنسان ومشكلة وجوده في هذه الأرض.
5-لقد كانت بداية الفلسفة اليونانية مع الأيونيين, والأيونيون لم ينشغلوا فيما نُقل عنهم, بالإنسان وأفراحه وأتراحه, بل كانوا مشغولين بتفسير الكون فسلطوا تركيزهم على العالم الخارجي والمادة, وقد كانوا كلهم من ذوي النزعة المادية الحية.
6-أولهم طاليس الذي قال إن أصل الكون عنصر مادي هو الماء. عاش طاليس ما بين ( 624 – 547 قبل الميلاد) قيل إنه سوري الأصل. وهو أول فيلسوف معروف من الناحية التاريخية. يُعد ضمن الفلاسفة السبعة , أتقن الرياضيات والفلك على يد أساتذته المصريين والبابليين.
7-سبب شهرة طاليس ليس لتقريره بأن الماء هو أول عناصر الوجود, بل لأنه أول من اكتشف الطابع البرهاني العقلي للرياضيات كنظام, وأنه لا علاقة لها بالواقع والعالم الطبيعي.
8-ثاني الماديين أنكسماندريس وافق أستاذه طاليس على أن المبدأ الأقصى للأشياء هو عنصر مادي, متجاوزاً كل الأساطير الإغريقية التي كانت شائعة في ذلك الزمان. إلا أنه خالفه ورأى أن المبدأ ليس نوعاً خاصاً من أنواع المادة, بل المبدأ مادة هلامية بلا تشكل ولا تحدد ولا ملامح,أسماها apeiron .
9-جاء بعده مادي آخر هو أنكسمانس الذي وافقهما على المبدأ لكنه اختار الهواء كمبدأ.
10-بالنسبة لفيلسوف الألمان العظيم هيغل, هؤلاء الماديين ليسوا فلاسفة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة, لأنهم انتهوا إلى كليّات حسية كالماء والهواء إلخ ولم يعبّروا عن الفكر الخالص, المرتبط عنده بالكليات العقلية الخالصة التي تنطبق على كل شيء في العالم ولا تُحصر بالعالم المادي.
11-ثم جاء ديمقريطس فانطلق من مقولة بارمنيدس "أن الوجود لا يمكن أن يظهر من اللاوجود" وأنه "لا يفنى ولا ينقضي" لكن ديمقريطس اعتبر هذا على المادة فقط, فتوصل إلى ما نسميه في أيامنا هذه "مبدأ عدم فناء المادة" وأن المادة ليس لها بداية ولا نهاية
12-وأن ظهور وانقضاء الأشياء هما ببساطة تجميع وانفصال جزيئات المادة التي لا تفنى ولا تُستحدث. ديمقريطس من أول دعاة المادية فيما نعلم من التاريخ المدوّن, ففكرته الأساس أن العناصر التي يتركب منها هذا العالم لا يمكن أن تستمر في الانقسام إلى ما لا نهاية,
13-فلو كانت كذلك لاستحال أن تكون عناصر بناء وتركيب, ولو استمرت في التشظي لأجزاء أصغر وأصغر لانتهى الأمر إلى أن تفقد الطبيعة ثباتها, فتصبح أقرب ما تكون لطبق من الحساء.
14-المصادر عن مذهبه الأخلاقي شحيحة, ككثير من الفلاسفة الإغريق السابقين لسقراط, فقد تعرفنا على كثير من هؤلاء الفلاسفة المتقدمين, فقط من خلال كتابات أفلاطون وأرسطو, فهذان الرجلان لم يكونا فيلسوفين فقط, بل كانا أيضاً مؤرخَين للفلسفة, والمؤرخ لا يكاد يترك الانتقائية والتحيّز
15-بل إن أفلاطون وأرسطو قد ارتكبا جناية ضخمة بحق المعرفة لأنهما أطّراها بحسب رؤيتهما, وحدّدا لمن بعدهما ما يعتبرانه علماً واستبعدا ما لا يعتبرانه كذلك, فأصبحت المعارف الغربية منذ ذلك الحين, تركض في مضمار أرسطو وأستاذه أفلاطون.
16-هذا ما حدث مع ديمقريطس, فقد تم استبعاده كما تم استبعاد الشعراء وطردهم من جمهورية أفلاطون, بالرغم من أن ديمقريطس قد ألف كتاباً في الأخلاق اسمه "الابتهاج". هذا الكتاب عرفناه من خلال نقل الفيلسوف الرواقي سينيكا لنصوص منه في كتبه
17- إلا أننا مع هذا, لاحظنا استبعاد أرسطو له, برغم متابعة أرسطو لديمقريطس فيما يتعلق بالاعتقاد بأزلية المادة وأنها لا تفنى ولا تُستحدث, يتجلى لنا هذا واضحاً في قوله بقدم العالم.
18-فيما يتعلق بالأخلاق, يعتبر أرسطو أن أستاذ أستاذه "أو جدّه المعرفي إن صح التعبير" سقراط هو أول فيلسوف أخلاقي, ولا يعير آراء ديمقريطس الأخلاقية, كبير اهتمام.
19-على كل حال, يرى ديمقريطس أن الإنسان باحث عن السعادة بطبعه, إلا أنه بحثٌ لا يصل إلى غايته. يضيع الإنسان في الطريق لأنه يجهل ذلك الدرب المؤدي إلى السعادة, هذا الجهل بالطريق الموصلة لحال أحسن هو سبب الفشل - هذا هو عينه رأي سقراط - وهكذا يُلقي الإنسان باللوم على سوء حظه ليبرر جهله
20-المبدأ الأساس عند ديقريطس هو البحث عن الانسجام والتوافق, فإذا طابق الإنسان بين هذا وقدراته, حصل على الراحة. راحة الجسم هي الصحة, وراحة الروح هي الابتهاج, واللذة والألم هما من يحدد السعادة. مع هذا لا يمكن أن نقول بأن ديمقريطس من دعاة مذهب اللذة "الهيدونية".
21-يفرق ديموقريطس بين السعادة المادية واللذات الحسية من جهة, وبين اللذات الأسمى عنده, ألا وهي اللذات الروحية المتسامية على الحس, من جهة أخرى. السعادة عنده لا تكمن في شيء خارجي كقطيع من الماشية أو حفنات من الذهب, وإنما الروح مقر السعادة.
22-ذلك أن لذّات الحسّ قصيرة الأمد مهما كانت, ولا تستطيع أن تملأ الحياة الطويلة الممتدة. احتقار لذة الحس هو رأي الأغلبية الساحقة من الفلاسفة عبر العصور, ولم يشذ عن هذا إلا قلّة قليلة منهم
23-, مع أننا يمكن أن نقول بأن لكل إنسان سعادته الخاصة, منهم الحسي المحب للملذات ومنهم محب العلم الذي يجد سعادته في المعارف الجديدة. مع هذا التبرير, إلا أن الملذات الحسية تنضوي على عيب قاتل, كم دقيقة يمكن أن تستغرق لذّات الحسّ كلها من يومك وليلتك؟
24-إنه وقت قصير فيما يقابله من بقيّة اليوم, وهذه اللذة الحسيّة, قد تنقلب لضدها فتتحول لألم, خصوصاً عندما يُدرك الإنسان أنه لا يمكن أن يتسلق السور الذي تسلقه من قبل ليصل لتلك الدرجة العالية من السعادة الحسية طوال الوقت, فينقلب ابتهاجه إلى إحساس عميق بالتعاسة.
25-من جهة أخرى, ينبغي أن نميّز تمييزاً دقيقاً بين اللذة الحسية واللذة العقلية, إذ يبدو أنهما قد يختلطان أحياناً, فعندما تقول إنك استمتعت بعشاء بهيج مع العائلة أو الأصدقاء, فالسبب ليس لذة الأكل قصيرة العمر, بل الأحاديث التي دارت فحققت لك لذة عقلية ممتعة.
26-لهذا يرى ديقريطس أن السعادة حقاً, في الملذات الروحية التي من اختارها فقد اختار "الإلهي" ومن اختار الملذات الحسية فقد اختار "البشري". ولكي يبقى الإنسان مستمتعاً بأكبر قدرٍ من البهجة وأقل قدرٍ من المتاعب, فلا بد أن يكون لديه استعداد داخلي يمكن تسميته بالتفاؤل الإرادي الاختياري.
27-هذا التفاؤل الاختياري يجعلنا دائماً مبتسمين مهما تجهّم وجه الأحداث واشتدت النوازل. حبذا ألا ننسى أن مبدأ التفاؤل الاختياري الذي سيبقى معنا طوال هذا التغريدات, هو فكرة من أفكار ديمقريطس المتهم بالمادية. وفي هذا دليل آخر على أن تقسيم الفلاسفة إلى ماديين ومثاليين هو خطأ محض.
28-غير أن الروح عند ديمقريطس تتكون بدورها من ذرات مادية مستديرة وملساء وعند موت الإنسان تطير الذرات في كل اتجاه, وربما تعود مشكّلة روحاً جديدة. هذا معناه أن الروح عنده ليست بخالدة خلوداً كاملاً. لا شك أن من سيفقد الإيمان بالخلود, سيشعر بعميق المرارة والحزن.
29-هل يملك ديمقريطس دليلا حاسما يؤكد فكرته؟ واقعاً, ليس هناك أدنى دليل يمكن أن يقدمه, إذ لا يمكن لأدوات النزعة المادية أن تفيدنا بشيء عندما يدور الحديث عن قضية ميتافيزيقية كالروح.
30-من القضايا الجوهرية عند ديمقريطس,الدعوة للتحرر من الخوف:خوف الظواهر الطبيعية والآلهة والموت. لدى ديمقريطس موقف عدائي من الدين لا نوافقه عليه, وإن كان لا يُلام على كفره بآلهة اليونان الوثنيّة التي صورهاهوميروس في ملحمتي"الإلياذة"و "الأوديسة"على هيئة بشرية بشعة تتقاتل فيما بينها
31- لقد كانت تلك الحقبة الوثنية حقبة جهل واضطراب فكري, وقد وصف آلبرت لانجه عقائد اليونان تلك في كتابه "تاريخ المادية" بأنها مفتقرة إلى الروحانية بقدر ما هي مفتقرة إلى المادية".
32-فلسفة ديمقريطس كانت الخطوات الأولى نحو المادية كما نعرفها اليوم,وهذا ما دعا لينين أول رئيس للاتحاد السوفيتي الفارط, لأن يعتبر ديمقريطس ألمع دعاة المادية في العالم القديم, وقد وصلت لذروتها مع الماركسيين الكثر من ماركس إلى صادق جلال العظم.
33-في تصوري, المادية فكرة التي سرقت من الإنسان كل شيء, بما في ذلك إنسانيته ذاتها. هذه الفلسفة تقوم على أنه ليس في هذا الكون إلا المادة ولا شيء وراءها, وأن الإنسان نفسه مادة, وعندما يؤمن الإنسان بأنه مجرد مادة فسوف يفقد ثقته بنفسه وبكل القيم الإنسانية.
34-إنها فكرة خرجت من مصنع زجاج, يُخرّج قوارير يشبه بعضها بعضاً ولا يفكّر في شيء سوى الإنتاج. ما أنت إلا ورقة في شجرة, اصفرت ثم اخضرّت ثم اصفرت مرة أخيرة, ثم سقطت على الأرض فسحقتها الأقدام وانتهى الأمر. أي شقاء سينزل على قلب الإنسان عندما يقبل بهذا التصور لحياته؟!
35-أعتقد أن أول خطوات السعادة, تبدأ عندما نتحوّل عن هذه الفكرة ونوقن بأن كل إنسان, هو أكبر وأكثر بكثير من مجرد جسده المادي.
36-في كل واحد منا هناك كيان روحي أعظم وأكبر من هذا الكيان المادي, فهذه القدرة على التفكير والتذكّر تؤكد على أن فينا شيء يتجاوز هذا الجسد. إنه كيان يمكننا التواصل معه واستكشافه في أنفسنا, يحدونا لذلك شعورنا العميق بوجوده, دون أن نستطيع لمسه, ذلك هو عالم الروح.

جاري تحميل الاقتراحات...