14 تغريدة 60 قراءة Jan 08, 2020
الجشع واكذوبة القناعة
الجشع ذلك الإثم القاتل منذ سالف
الزمان والمنتشر في كل مكان والذي احتارالفلاسفة والمفكرين حوله أو
بعبارة أدق لماذا لا يقنع البشر بما لديهم؟والجشع صنف مؤخرا كأحد
الأمراض النفسية التي تستحوذ على الأنسان وتجعله يكدس أموال أو أشياء
لايحتاجهاولايمكن ان يستهلكها يومامن حياته
مع علمه بحرمان الآخرين منها من خلال كافة الأساليب المشروعة وغير المشروعةولو تطلب ذلك الإضرار بالناس أو حرمانهم من أرزاقهم.ويتطور هذا المرض للتطرف في لاستحواذ وبأي شكل وباستخدام القوة القاتلة أو الجريمة البشعة
وقد شبه عالم النفس الألماني الشهير «إيريش فروم الجشع «بالحفرة التي لا قاع لها، يحاول صاحبها ملئها ليشعر بالرضى والإشباع فلا تمتلئ فيستحوذ على عقله ووجدانه الاستمرار بالردم مع استحالة الإحساس بالإشباع».
وليس ذلك بجديد وإنما الجديد هو ما بدأ يردده علماء النفس من خلال الاستقراء والملاحظه أن الشخص الطامع لا يدرك أنه جشع بل علي العكس يعتقد في قرار نفسه انه زاهد قنوع! فلا يفتأ أن يتكلم عن القناعة!وأنه لا يرغب سوي الستر!مرددا دائما عبارة الكفن ما لوش جيوب!!
يقول العراب رحمه الله عليه في مقال الكفن بلاجيوب كلام بديع منه "يتمتع الناس بدرجة عالية من الجشع سوف تثير ذهولهم، لو أدركوا حجمها الحقيقي. لكنهم كذلك لا يكفون عن الكلام عن الزهد والرضا بما قسمه لهم الله إن الكفن بلا جيوب والفقير والغني لجثتيهما ذات رائحة العفن..الخ ..
ويضيف العراب.. لدي قطعة أرض صغيرة ارتفع ثمنها.. النتيجة هي أنني أحجمت عن البيع لأن كل العارفين قالوا لي إنني سأكون أحمق لو بعتها.. سوف يرتفع السعر أكثر فأكثر هكذا انتظرت .. وهكذا تحملت فترات شديدة القسوة وعسرًا مادياً بالغاً لأن من الخسارة أن أبدد هذه القطعة..
عندما بحثت حولي وجدت كل الناس أو معظمهم يعانون هذه المشكلة. يجد الرجل أنه مفلسا تماماً وأن ما يملكه من مال موضوع كله في هذه الشقة أو قطعة الأرض تلك.. لا أحد ينعم بما يملكه أبدًا إنما الجميع ينتظرون فرصة أفضل، مذعورين قلقين..
وقد زرت صديقاً لي يمتلك أرضاً في مساحة مدينة القاهرة ذاتها، فوجدت أثاث البيت مهشماً، والسجادة مثقوبة، فلما جاء وقت الغداء قدم لي كمية شحيحة جداً، وقال آسف:ـ«معذرة.. الحقيقة هي أنني لا أملك مليماً، ونحن في ضائقة مالية مزمنة»!أفهم مشكلته تماماً.
لا يجرؤ أبداً على بيع الأرض لأن سعرها سيرتفع .. لديه فكرة مبهمة عن يوم يبيع فيه ويصير فيه ثرياً وينعم بما ادخره، لكن هذا اليوم لا يأتي أبداً.. لقد صار مكبلاً بالجشع ولن يتحرر أبداً إلا في القبر.
بمعنى آخر لن ينتفع بهذا المال سوى الورثة الذين أرجو ألا ينتظروا ارتفاع الأسعار بدورهم.. في قصة بمجلة ميكي يقول العم الثري (بيسكو) أو (دهب) كما نعرفه نحن: يوماً ما سأنعم بكل هذا المال، وسوف أعوض كل أكواب الآيس كريم التي حرمت نفسي منها طيلة حياتي..
في قصص ألف ليلة يجد السندباد نفسه غارقاً في الديون ويفر من بغداد، ويترك جاريته الحبيبة (الزاهية). يباع قصره ويجري التجار مزاداً على بيع الزاهية.. في كل يوم يتزايد السعر ويضطرون إلى استكمال المزاد غداً
وفي اليوم التالي تستمر المزايدة وينتهي اليوم بلا نتيجة.. هكذا يكتشف السندباد في سرور أن جاريته لن تباع أبداً.. سوف تستمر المزايدات إلى الأبد، والنتيجة هي أنه يعود إلى بغداد ليسدد ديونه ويستعيد الجارية الأسيرة لديه...
الجشع.. العاطفة التي تسيطر على الجميع برغم أننا لا نكف عن الكلام عن القناعة، وعن الكفن الذي لا جيوب فيه.
د.أحمد خالد توفيق

جاري تحميل الاقتراحات...