القرار بقتل قاسم سليماني بالنسبة للإدارة الأمريكية زي استخدام السلاح النووي. لما ترامب وصل للرئاسة كان فيه تقارير في الصحافة إن لو هو طلب استخدام الحقيبة النووية فإن فيه عدد من الضباط في البنتاغون هما اللي حيشرفوا على استخدامه أو بمعنى آخر يوافقوا على قرار استخدام السلاح النووي..
اللي حصل في قرار قتل شخص بحجم وتأثير قاسم سليماني هو زي قرار استخدام السلاح النووي مع إيران. لازم الرئيس يوافق لأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية ولكن لازم القادة الكبار في البنتاغون يوافقوا لأنه مش علشان أنت صحيت الصبح متضايق، تقوم ترمي القنبلة النووية على هيروشيما..
لازم يكون فيه تصور حيحصل أيه بعد رمي القنبلة، مرورا بإجبار الامبراطور على الاستسلام ووصولاً إن اليابان تبقى الحليف الأهم في الباسفيك والقوات الأمريكية تبقى موجودة هناك بشكل كبير ومؤثر خلال كل السنوات اللي تلت الحرب العالمية الثانية.
اللي حصل وحيحصل بين إيران وأمريكا أكبر من الدول والجماعات الموجودة في الإقليم. الدول الموجودة في الإقليم مطلوب منها دفع الفاتورة أو الاستفادة وفق مصالحها من الطرف اللي ممكن يوجع التاني.
فيه نقاط متعلقة بالقوة الأمريكية مش موجودة عند أي دولة على سطح الأرض بما فيها روسيا والصين مع بعض. عناصر القوة الأمريكية لم تتوفر لأي امبراطورية في التاريخ الإنساني من قبل بهذه الكثافة وبهذه القدرة من الوفرة.
ودي معلومة يعرفها الإيرانيين والروس والصينيين. مش مهم أنت في الشرق الأوسط تكون عارفها أو لأ. بجد مش مهم. أنت ممكن تدخل في صراعات مع إسرائيل أو مع تركيا أو مع إيران ولكن مش متاح ليك أصلاً تدخل في مواجهة مسلحة مع أمريكا بالشكل التقليدي.
أمريكا هي الدولة الوحيدة في العالم اللي عندها ما يسمى بالسوبر كاريير وهي حاملات طائرات نووية عملاقة، كل واحدة بتشيل قوة نارية تعادل القوة النارية لأسلحة جوية تابعة لدولة كبيرة! عندهم من السوبر كاريير دي ١١ حاملة طائرات!
روسيا كلها على بعضها عندها حاملة طائرات واحدة شغالة بالديزل، الطيارين البريطانيين بيتريقوا عليها باعتبارها الهدف البحري الأسهل في العالم علشان ممكن تعرف موقعه من على بعد عشرات الأميال بسبب دخان الديزل بتاعه! الصين عندها اتنين: واحدة اشترتها من أوكرانيا والتانية لسة بانياها
غير الحداشر سوبركاريير، أمريكا عندها ٩ حاملات طائرات برمائية، غير القوة النارية الهائلة لسلاح الجو الاستراتيجي. دي معلومات بسيطة أوي عن جزء صغير من قوة نارية ممكن تدمر الكوكب عدة مرات.
فإيران عارفة إنه لو دخلت في مواجهة مسلحة مفتوحة مع أمريكا، بتغامر بمصير اليابان بعد هيروشيما وناغازاكي وقصف طوكيو، اللي المؤرخين بيقولوا إنه كان أقسى بمراحل كبيرة من لو تم إلقاء قنبلة ذرية على طوكيو!!
في المقابل إيران لا تملك سلاح جو. طائراتها المقاتلة هي اللي اشترتها من أمريكا في نهاية عصر الشاه ودخلت بيها الحرب العراقية الإيرانية! سلاح البر الإيراني كله قطع قديمة والجيش مصمم لحرب تقليدية يموت فيها الآلاف من الشباب وهما بيحاولوا يحرروا منطقة محصنة. لكن إيران تملك ثلاث حاجات:
١. خلايا نائمة ومتعاطفين وعملاء للقيام بعملية تخريبية في الدول الحليفة للولايات المتحدة أو داخل الولايات المتحدة وطبعا قدرات على شن هجمات الكترونية موجعة.
٢. عدد ضخم من الصواريخ التي لا تملك قدرة دقيقة على إصابة الأهداف ولكن قادرة لو تم إطلاقها بأعداد كبيرة على إحداث حالة من الرعب والتدمير العشوائي وإفشال قدرات التصدي الصاروخية زي باتريوت المصممة للتعامل مع صاروخ واحد في كل مرة، وليس التعامل مع عشرات الصواريخ في الموجة الواحدة.
٣. وقاسم سليماني وقدرته في إدارة قوة مدربة خاصة ومؤثرة زي فيلق القدس. اللي هو جزء من قوة أكبر وهي الحرس الثوري. اللي هو أهم في المنظومة الإيرانية من الجيش النظامي.
أمريكا مدركة أوراق إيران وإيران مدركة قدرات أمريكا. كل اللي في النص مجرد هامش ممكن يتأثر ويتوجع ولكن مش طرف مؤثر قادر على إنه يرجح كفة أمريكا مثلاً أو يحميها من أي عمليات انتقامية إيرانية.
إيران زيها زي إسرائيل. ما بتنساش. يعني قتل قاسم سليماني لازم ترد عليه ولو بعد مائة سنة. زي ما إسرائيل تملكها الهوس بقتل كل اللي شارك في عملية ميونخ. دة مش حاصل مثلاً في بريطانيا.
يعني الجيش الجمهوري الإيرلندي وتحديداً مارتن ماكجينس أصدر أمر باغتيال أهم شخص في حياة الملكة وهو ابن عمها اللورد ماونتباتن. دة الراجل اللي كان مشرف على تربية ولي العهد تشارلز. دة الراجل اللي كان سبب في زواج الملكة من فيليب.
الملكة في ٢٠١٢ تتسامى على جراحها وتسلم على مارتن ماكجينس اللي بقى نائب الوزير الأول لإقليم إيرلندا الشمالية. دة موقف ما يحصلش مع الإيرانيين أو الإسرائيليين!
الأمريكيان عارفين دة كويس ودة سبب رعب كل اللي مكانوش عارفين بقرار قتل سليماني قبل الإعلان عن قتله. حيكون فيه رد إيراني موجع ومش بالضرورة مباشر ومن المحتمل يكون غير مباشر ويستهدف مصالح حلفاء واشنطن.
وأمريكا عارفة دة وبتبص لما بعد الرد وهو اللحظة اللي يقعدوا فيها على طاولة المفاوضات مع الإيرانيين علشان يتخلوا عن حلفاؤهم في الإقليم وعن ترسانتهم الصاروخية. ودة ممكن يحصل وممكن ما يحصلش ولكن علشان الطرفين يدركوا أيه هي حدود المتاح بالتخلي عنه، حيفضلوا ينزلوا رزع وضرب عنيف في بعض.
والمشكلة إن الأطراف اللي في المساحة الفاصلة بينهم هما اللي حيدفعوا جزء كبير وموجع من الفاتورة.
الزلازل العملاقة بتخللي الناس أحياناً تهرب من مواجهتها عبر طرح أسئلة من عينة: وازاي حماس تعزي في قاسم سليماني؟ أو: وهو قاسم سليماني دة كان طيب زي كمال أبو رية أو شرير زي عادل أدهم؟!
سليماني مش شرير ومش طيب ومش إنسان يمكن التعامل معاه وفق معايير المسلسلات.دة واحد من عناصر قوة إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن. قتله إضعاف هائل لإيران واستفزاز في نفس الوقت غير مسبوق لنوازع الانتقام. وبالنسبة لحماس أو التعزية،دي كلها أخبار خفيفة زي أخبار خناقات مسلسلات رمضان!
جاري تحميل الاقتراحات...