قبائل الجرمان والفايكنغ التي إستعمرت فرنسا وإيطاليا وصقلية ومعظم أوربا الغربية والجنوبية كيف أصبحوا "مواطنين أصليين" وخلفاء شرعيين للأمبراطورية الرومانية المنهارة مع أن إستيطان قسم منهم جاء أصلا بعد ما صار يسميه البعض "إحتلال المسلمين للأندلس"؟
كيف نقفز لفكرة التسليم "بالاحتلال" أو "التحرير" وننزع سياق من سياق؟ كيف نحاكم فترة تاريخية في سياق زمني مختلف بميزان اليوم؟ ثم متى نشأت القومية؟ متى ولدت الدولة؟ متى فكرة الديموقراطية؟ ومتى عرف مصطلح " المواطن "؟ ومتى ظهر مفهوم "الإنسان الأصلي"؟ وكيف ابتكرت فكرة "الاسترداد"؟
استرداد؟ طرح يصوّر وكأن إسبانيا تعيش حالة مدهشةمن الهوية الجامعةالتي لا مشكلة فيها، لا في الباسك ولا في الكتلان ولا في اندلوسيا ولا في سواهم من أقاليم إسبانيا اليوم. وكأنهم وحدة متماسكة لغة وهوية. دولة لا معضلة هوياتية فيها انبثقت من ملحمةبطولة تاريخية وتأديب لمغتصبين أغراب غزاة!
عدد ضخم من المؤرخين والدارسين لا يفصلون أبدًا عمّا حدث في شبه جزيرة أيبيريا بعد 1492 عن ماحدث في ما بتنا نعرفه يأميركا شمالًا وجنوبًا.. كيانات بُعثت عن ممالك جيوشها مرتزقة تحركت ببنزين ديني حاقد، سحقت هويات وأبادت أمم وثقافات وحضارات، كيانات مختلقة بنت صيرورة لم تكن لها من قبل!
اليد التي سحقت الحضارة الأندلسية هي ذات اليد التي سحقت حضارات عريقة ضاربة في التاريخ مثل الأزتك والأنكا والمايا وامتدت لما بتنا نعرفه بالفلبين وأفريقيا وكل مكان طالته رايات استعمارية متوحشة، وتلك الأراضي لا كان فيها عرب لا أمازيغ لا مورو. عن أي سخف احتلال واسترداد تتحدثون؟
إن واقعة طرد الموريسكيين الأندلسيين من شبه جزیرة إیبریا، تعدّ واحدة من أكبر عملیات إبعاد السكان المدنیین في التاریخ الأوروبي حسب المؤرخ البريطاني ماثيو كار، وھي حادثة "لا تختلف في منوالها عن المذابح التي اقترفت بحق الأمریكیین الأصلیین في بلدانھم لصالح توسّع الحدود الأمریكیة"⬇️
حسب ماثيو كار مؤلف كتاب (الدين والدم إبادة شعب الأندلس) فإن "ما حدث مع الموريسكيين لا يختلف عن العملیات الوحشیة لجلاء السكان المسلمين والهندوس إثر إعلان دولتي الهند وباكستان، أو تهجير الفلسطینیین عن أرضھم، أو عن الحروب الأھلیة في یوغسلافیا السابقة أو ما حدث مع الأرمن"
الموريسكيون -وهم من بقي في الأندلس بعد سقوط مملكة غرناطة-ملخص مآساتهم أنها "كانت جزءا من دينامية متواترة تكررت في سياقات أخرى، سعت فيها أغلبية قوية إلى إعادة صياغة هويتها أو تعريفها عبر الاستئصال المادي (لأقليات) يفترض أنها غير متجانسة، وأن وجودها مدنس أو مفسد" وعليه تم الإبعاد!
الجدل حول شرعيةالآلاف الذين تم غدرهم وسحق هويتهم وجلائهم، هو تدعيم لهذا الطرح الدعائي. والرفض لا ممارسةكربلائيةفيه، ولا يتماهى مع فكرة(الاستعادة) أو يروّج لها، بل هو تأكيد على أن سحب الحديث لهذا المربع الضيق فيه تمييع وابتذال لقيمةالإنسان الأندلسي وذاكرته، وفيه أيضًا تزييف للوعي.
جاري تحميل الاقتراحات...