التفاهم الليبي التركي والذي تم بين حكومة الوفاق والرئيس أردوغان يبدو سيغير المشهد الليبي أو ربما بدأ بتغييره فعلاً، وسيؤثر على تعامل العالم مع ليبيا.
ومن أجل تسهيل صورة التغيير المتوقع، لا بد من نظرة شاملة للوضع الحالي، وتسلسل الأحداث الذي أدى له، وكيف سيؤثر عليه الدور التركي.
ومن أجل تسهيل صورة التغيير المتوقع، لا بد من نظرة شاملة للوضع الحالي، وتسلسل الأحداث الذي أدى له، وكيف سيؤثر عليه الدور التركي.
بعد سقوط القذافي، لم تكن هناك قوة سياسية أو حزب أو تيار واضح يملأ الفراغ السياسي، ولا قيادة متميزة تجسدت فيها رمزية الثورة، وكل التيارات والقيادات كانت عاجزة عن تطويع الجماهير التي تنفست الحرية، فبالغت في التعبير عنها، ولم يتمكن أي من هذه التيارات والقيادات من تطويعهم.
وعادة ما يلوذ الناس في مثل هذه الحالات لتكويناتهم التقليدية؛ وهي القبيلة والعائلة والقرية والمدينة، ومن ثم يصعب ضبط الوضع الأمني والاستقرار الاجتماعي، ويسود الشعور بالقلق والخوف من المستقبل. وهذا ما يجعل الوضع غير محصن من التأثيرات والاختراقات الخارجية وبقايا النظام السابق.
تحولت ليبيا إلى ميدان للتدخلات الموجهة من قبل دول معروفة لتوجيه دفة الوضع بما يناسبها، أولاً: سعت لإقناع الشعب أنه يعيش حالة انفلات وفوضى وجوًا إرهابيًا خطيرًا، وثانيًا: تمكنت بالمال من تجنيد عدد كبير من المنتفعين من فلول النظام السابق، ومن المستعدين لتحويل ليبيا دولة خاضعة لهم.
وحين يدخل الإعلام الموجه والمال، فلا حاجة للكفاءة ولا الاستقامة ولا الأمانة ولا المسؤولية، ويبقى الشرط الوحيد المطلوب هو التبعية والخيانة، ومن ينطبق عليه هذا الشرط خليفة حفتر الذي ليس في سجله العسكري السابق إلا الهزائم والفضائح والهروب، ولا في سجله الشخصي إلا العمالة والخيانة.
ومع غياب التنظيم والترتيب لدى التيارات المتناثرة لمواجهة هذه المؤامرة، تمكن حفتر بالدعم السعودي الإماراتي المصري (المال والسلاح والخبراء العسكريين) من الاستيلاء على أجزاء كبيرة من شرق ليبيا وجنوبها، خاصة مدينة بنغازي ودرنة، ولكن لم يتمكن من السيطرة على العاصمة والمدن المحيطة بها.
أعطى حفتر نفسه شرعية من خلال ما يسمى برلمان طبرق، ومن خلال دعم رسمي وغير رسمي من قبل عدة دول بينها؛ السعودية والإمارات ومصر وفرنسا وأجنحة في الحكومة الأمريكية ومؤخرًا روسيا، أما بقية ليبيا فتخضع لحكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، ويقاتل معها مجموعة من الجماعات الأقرب للتطوع.
وبعد أن تمكن حفتر من السيطرة على هذه المناطق، قرر أن يستولي على طرابلس والمدن التابعة للوفاق حتى يصبح حاكمًا لكل ليبيا، فجهز قبل أشهر بدعم الدول المذكورة حملة شاملة لاقتحام طرابلس بعد أن زودته هذه الدول بمزيد من السلاح، وجلبت له آلافًا من المرتزقة من روسيا والسودان ودول أخرى.
كان استعداد حفتر العسكري جيدًا مقابل انكشاف خطير عند الطرف الآخر، وكاد أن يقتحم طرابلس لولا هبة عاجلة من قبل الجماعات المتناثرة التي تدافع عن طرابلس، فتمكنوا من امتصاص الهجوم الأول. وبعد هذا الهجوم؛ أدركت هذه الجماعات أنها لا بد أن توحد القيادة العسكرية وتنسق العمل بينها.
وإضافة لذلك، تمكنت هذه الجماعات من تطهير طرابلس من الجامية والمدخلية، وبقية الطابور الخامس الذي كان يستعد لتخريب الجبهة من الداخل، حتى يصبح الطريق مفتوحًا لحفتر، وبعد ذلك تماسكت جبهة حماية طرابلس، وتحولت المواجهة إلى ما يشبه الحصار وقصف الطيران والصواريخ والمدفعية.
ورغم تماسك جبهة طرابلس، فقد أرهق القصف المدينة والمدن المحيطة بها، وقامت السعودية والإمارات بمضاعفة الأسلحة والمعدات، وجلب المزيد من المرتزقة والخبراء المتمرسين في القتال، واستخدام الأسلحة المتطورة فضلاً عن قصف الطيران الإماراتي والمصري.
وفضلاً عن دعم السعودية والإمارات ومصر والمرتزقة من روسيا والسودان، فهناك دور أخطر لفرنسا متمثلاً في دعم استخباراتي ومعلوماتي باستخدام الأقمار الصناعية، إضافة لمجموعة من المستشارين الذين يديرون المعارك الميدانية بأساليب عسكرية حديثة.
وقبل أن تظهر تركيا في المشهد، لم يكن هناك أي دعم يذكر من أي دولة لحكومة الوفاق (إلا دعم محدود من قطر) وكانت تعتمد بالكامل تقريبًا على مقاتليها وما تستطيع إيصاله من أسلحة بشكل غير منتظم وبمستوى لا يقارن مطلقًا بتجهيزات حفتر الحديثة، والخبراء المتمرسين، والأسلحة والمعدات المتطورة.
لذلك، سيكون دخول تركيا في المشهد مغيرًا للموازين، لأن تركيا دولة عسكرية قديرة، وتنوي جلب كل أنواع السلاح والمعدات والخبراء والمقاتلين للوفاق، مما يعني إنهاء التفوق العسكري لحفتر، ومع أن الدعم التركي لن يصل إلا بعد موافقة البرلمان، فإن التأثير السياسي بدأ منذ توقيع اتفاقية الدعم.
وبعد الاتفاق فإن الدول التي كانت صامتة عن جرائم حفتر وتمرده على حكومة معترف بها بدأت بإصدار بيانات عن رغبتها في حل سياسي في ليبيا، فصمتهم السابق كان بأمل استيلاء حفتر على طرابلس لأن حفتر يوافق هواهم، أما الآن فخافوا من هزيمة كاسحة له، وطرده من كامل ليبيا، فبادروا بهذه البيانات.
من أسباب القلق الغربي؛ التفويض الكبير الذي أعطته حكومة الوفاق لتركيا في هذه الاتفاقية، والذي لم يضع سقفًا -حسب صيغة الاتفاق- لمستوى التدخل، إذ تستطيع تركيا جلب كل أنواع السلاح، بل إدخال جيش كامل بلا حد لعدد المقاتلين ونوع السلاح، وهذا سيصنع نفوذًا تركيا خطيرًا جنوب أوروبا.
• هنا عدة أسئلة مع أجوبتها :
١. ما خريطة الامتداد الجغرافي والبشري لحفتر؟
من ناحية المساحة، يسيطر حفتر على أجزاء كبيرة من ليبيا في الشرق والجنوب ما يقارب ٧٠٪ من مساحة ليبيا، لكن معظمها صحراء غير مأهولة، ولذلك فالعكس صحيح من ناحية التوزيع البشري، فالمناطق الخاضعة للوفاق فيها مايقارب ٧٠٪ من السكان.
من ناحية المساحة، يسيطر حفتر على أجزاء كبيرة من ليبيا في الشرق والجنوب ما يقارب ٧٠٪ من مساحة ليبيا، لكن معظمها صحراء غير مأهولة، ولذلك فالعكس صحيح من ناحية التوزيع البشري، فالمناطق الخاضعة للوفاق فيها مايقارب ٧٠٪ من السكان.
٢. ما الموارد التي تحت تصرف حفتر؟
تُعتبر محدودة، وذلك لأن معظم آبار النفط وموانئ التصدير تحت تصرف الوفاق، وفضلاً عن أجهزة الدولة الرسمية والبنك المركزي والتعامل العالمي، صحيح أن هناك بعض الآبار والموانئ المتعطلة تحت سلطة حفتر لكنها قديمة ومتروكة، أو لم يستطيع تشغيلها بسبب الوضع.
تُعتبر محدودة، وذلك لأن معظم آبار النفط وموانئ التصدير تحت تصرف الوفاق، وفضلاً عن أجهزة الدولة الرسمية والبنك المركزي والتعامل العالمي، صحيح أن هناك بعض الآبار والموانئ المتعطلة تحت سلطة حفتر لكنها قديمة ومتروكة، أو لم يستطيع تشغيلها بسبب الوضع.
٣. لماذا ضمن اردوغان موافقة البرلمان؟
أولاً: لأنه ضامن لكل أصوات حزب العدالة، ثانيًا: لأنه نجح في تصوير المشروع بصفته أمن قومي، وإعادة نفوذ تركيا الكبير في المنطقة فضلاً عن إقناعهم بالمصالح التي في الجواب التالي.
أولاً: لأنه ضامن لكل أصوات حزب العدالة، ثانيًا: لأنه نجح في تصوير المشروع بصفته أمن قومي، وإعادة نفوذ تركيا الكبير في المنطقة فضلاً عن إقناعهم بالمصالح التي في الجواب التالي.
٤. ما هو سبب الحماس التركي للدفاع عن الوفاق؟
الدافع الأساسي هو دافع اقتصادي، وذلك من خلال احتكار فرصة مثالية للشركات التركية في تنمية ليبيا بعد استقرارها تحت سلطة الوفاق. ويندرج تحت هذا كذلك مستقبل الغاز الطبيعي الذي يعتقد أن احتياطي ليبيا منه ضخم جدا ويبشر باستثمارات هائلة.
الدافع الأساسي هو دافع اقتصادي، وذلك من خلال احتكار فرصة مثالية للشركات التركية في تنمية ليبيا بعد استقرارها تحت سلطة الوفاق. ويندرج تحت هذا كذلك مستقبل الغاز الطبيعي الذي يعتقد أن احتياطي ليبيا منه ضخم جدا ويبشر باستثمارات هائلة.
٥. هل من الوارد أن يشن حفتر هجومًا كاسحًا قبل وصول الدعم التركي؟
لو كان الأمر متروكًا لحفتر فهذا وارد لأنه شخص عشوائي ولا يحسن تقدير الأمور، لكن يبدو أن الدول الداعمة وخاصة فرنسا ستلزمه بعدم التحرك، خاصة بعد دخول أمريكا بالقوة على الخط ومطالبتها بحل سلمي.
لو كان الأمر متروكًا لحفتر فهذا وارد لأنه شخص عشوائي ولا يحسن تقدير الأمور، لكن يبدو أن الدول الداعمة وخاصة فرنسا ستلزمه بعدم التحرك، خاصة بعد دخول أمريكا بالقوة على الخط ومطالبتها بحل سلمي.
٦. ما هو السيناريو المستقبلي للتدخل التركي في ليبيا؟
إذا تحقق الدعم العسكري، فمن المرجح أن تضعف كفة حفتر، وذلك لأن مقاتليه مرتزقة تُصرف رواتبهم من السعودية والإمارات، والمرتزق أضعف من أن يواجه صاحب مبدأ، فإذا تقابل الفريقان بالسلاح؛ فالمرتزق قطعًا مهزوم "إن شاء الله".
إذا تحقق الدعم العسكري، فمن المرجح أن تضعف كفة حفتر، وذلك لأن مقاتليه مرتزقة تُصرف رواتبهم من السعودية والإمارات، والمرتزق أضعف من أن يواجه صاحب مبدأ، فإذا تقابل الفريقان بالسلاح؛ فالمرتزق قطعًا مهزوم "إن شاء الله".
جاري تحميل الاقتراحات...