خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

46 تغريدة 77 قراءة Mar 07, 2020
1- سأكتب اليوم عن الطاوية.
2- يقولون الطاوية والتاوية والصحيح أن تُنطق بالدال (داويّة). tao
تُنطق "داو".
3-مؤسسها التاريخي هو لاو تزو Lao-tzu, مع أن هذه الحركة, قد انبثقت عن جماعة من النساك غيرِ معروفين ممن عاشوا في أودية بعيدة منذ أزمنة متقدمة. هناك شك مُعتبر في وجود حقيقي للاو تزو التاريخي نفسه, لكن على افتراض وجوده, يبدو أنه قد ولد فيما يقارب سنة 570 قبل الميلاد .
4-العمل الأشهر للداوية هو ديوان شعر يحمل عنوان : داو ]d تشنغ Tao te ching ويظهر منه أن كثيراً من قصائده تدور حول الأخلاق العملية والشئون السياسية. الداو, هذه الكلمة تعني حرفياً "طريق", والمراد هو طريق الحياة أو طريق الفضيلة.
5-هذا الديوان المكون من 81 قصيدة لا زال يُشرح ويُحلل تحليلاً أدبياً وفكرياً إلى اليوم, وقد اعتمدت هنا على شارحين كبيرين استعنت بهما للخروج بتصور لطريق الداو. بالانكليزية اعتمدت على كتاب المعلم الروحاني الكبير واين داير, وشرحه Living the Wisdom of the Tao "عيش الحكمة الداوية"
6-والشارح الثاني هو العلامة د. فراح السواح, الذي شرح القصائد واحدة واحدة مثلما فعل داير, وذلك في الكتاب الذي أسماه "التاو تي تشينغ – إنجيل الحكمة التاوية في الصين".
7-رغم أن المعنى الحرفي لكلمة Tao تعني الطريق, إلا أن لاو تزو لا يقصد هذا, بل يقصد شمولية المبدأ الكلي قبل صدور الأشياء عنه, والطريق ليس المسافة بين نقطة وأخرى, بل هو شيء ثابت, وهو سبب كل حركة وجذرها الأصلي.
8-إذا نظرنا بعيوننا التي اعتادت على تقدير المظاهر فلن نرى إلا تجليات الداو على الأرض, وإذا توجهنا إلى باطننا, انكشف لنا السر وراء تلك التجليات, لكن هذا لا يحدث إلا إذا تحررت النفس من عالم الأشياء.
9-الإنسان بحاجة للتوافق مع الطبيعة من خلال ما يسميه لاو تزو "اللا فعل" أي عدم التدخل في مسار الطبيعة, وهذا اللا فعل هو موقف وسلوك.
10-فن الحياة ليس فن الحرب والصراع, بل هو فن الجري مع التيار, تيار الماء المتدفق الذي يستخدمه لاو تزو كثيراً, للتمثيل على مفهوم التلقائية الكونية. لاو تزو لا يرى في ذلك سلبية على الإطلاق, بل هي الإيجابية الوحيدة الحقيقية, إيجابية التناغم مع الكون.
11-قد يظن صاحب النظرة العجلى أن هذه فلسفة ميتافيزيقية أخرى, إلا أن لا تزو, ومثله بوذا, من أبعد الناس عن الميتافيزيقا, فالداويون كانوا يرون الحقيقة في مراقبة الطبيعة وملاحظة صيرورة الكون, ولذلك تمتلئ كتبهم بالمعارف حول النبات والحيوان والحشرات والمياه والرياح
12-فساهموا بذلك في تطوّر العلم الصيني أكثر من غيرهم, إنهم يسيرون جنباً إلى جنب مع المدرسة التجريبية, وإن كان مفهوم التجربة عندهم يرسم دائرة أوسع.
13-أداة لاو تزو ليست العقل والتحليل المنطقي, وإنما التأمل الباطني والخبرة الروحية المباشرة, حيث لا مجال للتلقين المباشر ولا دراسة ولا تحليل للمفاهيم والمبادئ النظرية, لا شيء سوى مراقبة النظام الداخلي الكلي للأشياء وتركه ليضع بصمته الحرة في النفس.
14-ما يفعله لاو تزو هو نفس ما يفعله الداو في الكون, إنه لا يفعل شيئاً, فالكون يشبه الجسد الحي الذي يعمل كل جزء فيه باتساق وتناغم مع بقية الأجزاء.
15-هناك من يفسر الداو بأنه الله, لكن الداو عند لاو تزو, لا تعني الله كما هو في أدياننا التوحيدية.
16-ولا يخلو لاو تزو من اهتمام بالمجتمع والحياة السياسية, مثله في ذلك مثل كونفوشيوس, فهو لا ينصح بتمجيد صاحب الثروة لأن ذلك سيشجع على تكديس الثروة باعتبارها علامة على التفوق الاجتماعي, إنه لا يريد مجتمعاً تنافسياً, بل مجتمع تعاوني يقوم على نكران الذات والانصهار في الكل
17-ولأن الناس يقعون في خطأ جسيم عندما يقيمون أنفسهم بناء على ما كسبوا من مال وما حققوا من إنجازات,بينما يختلف سر النفس عن هذا كله. لكن هناك من يستطيع أن يقيم الاعوجاج,الحاكم هو من يستطيع تحقيق هذه الغاية من خلال إفراغ العقول من الطمع وإشباع البطون وسد الحاجات الأساسية للجميع.
18-كل رغبة تتطلع إلى ما وراء الأساسيات, هو تشجيع للسرقة والنهب. بينما الحكيم ينطلق من موقف متجاوز للأنا الفردية المنغلقة, إنه لا يؤكد ذاته في مقابل الآخرين ولا يدخل في تنافس معهم, لا يبرز نفسه ولا يتفاخر, وإنما يضع نفسه في مكانتها اللائقة منغمساً في الكل
19-لذلك لا يُهزم ولا يتعرض لخسارة, لأنه قد تجاوز كل الثنائيات.
20-متابعة التنفس بالنسبة للاو تزو قضية مهمة لأنها تفرغ العقل من الشواغل وتحرر النفس, وهنا تحدث الاستنارة. الاستنارة أمر طبيعي يمكن أن يحدث في أية لحظة ولا يتطلب جهداً مثلما يحدث في الهندوسية والبوذية, الداوي يعتقد أن أساليب هؤلاء القسرية لا طائل من ورائها
21-لأن عقول الهندوس والبوذيين قد انقسمت إلى قسمين, قسم يتأمل وقسم ينتظر النتائج ويريد أن يتأكد من نجاح تجربته, بينما عقل الداوي موحَّد لا يبحث عن نتائج فهو واثق من تحققها منذ البداية.
22-في طريق الداو ليس هناك تدرج معرفي, بل كل الاستنارة تحدث في قفزة واحدة بسيطة سهلة ممتنعة, لكن لاو تزو يقول : كل ما حولنا في تغير مستمر, إذا سلط قلبك تركيزه على المتغير فقدت جذورك, وإذا سلط قلبك تركيزه على الثابت, ثبتّ في الحقيقة.
23-الإنسان الحقيقي هو الذي يسير ويتصرّف بطريقة تلقائية تماماً, وبدون تفكير مسبق ولا يهتم بصورته عند الآخرين
24-, فيما يسعى الإنسان المزيف من وراء كل سلوك إلى الاستعراض ولفت الأنظار. إنه لا يعيش حياته كما يجب, بل كما تفرض عليه صورته غير الحقيقية التي يؤكدها في كل مناسبة.
(يا كثرهم)
25-هذه الممارسات لا تجلب إلا رضاً مؤقتاً لا يلبث أن يزول. السعادة الحقيقية عند لاو تزو تكمن في الرضا عن النفس, وفي السلوك النابع عن معرفة فعلية بالذات.
26-كتاب الحكمة الصينية القديم كان وما يزال مصدراً أساسياً للوصول إلى طريقة في العيش تضمن السعادة والسلام والتناغم، وقد استطاع أشخاص كثر أن يتخلصوا من مشكلة الإدمان من خلال قراءة وتكرار هذه النصوص. إنها 81 قطعة أدبية فريدة في أفكارها وفي الأسلوب الذي كُتبت به.
27-ولعل أهم فكرة فيها هي حثها للناس على العيش بعفوية. فماذا يمكن أن يعني أن نعيش بعفوية؟ معناه أن تقبل بوجود الأضداد في حياتك، وألا تنزعج من التناقض، فهذا القبول هو ما يجعلك تعيش حياة موحدة لا تغرق في الجزئيات ولا تقلق بشأن التفاصيل ولا تحزن على ماض ولا تخاف من مستقبل.
28- الموقف هنا ليس جبرياً بل إنه القمة في حرية الإرادة والاختيار. أن تختار أن تترك الشك والخوف والقلق والحزن والغضب واللوم، وأن تتآلف مع ما هو كائن، وتقبل بكل ما يحدث في يومك وليلتك في تسليم خالص.
29-إن معرفتنا بجهلنا قوة
وجهلنا بمعرفتنا مرض
وبمجرد أن نمل من مرضا
فإننا سنشفى منه
الحكيم ليس مريضا
لكنه مريض من المرض
وهذا هو سر الصحة.
المعنى : أن من يملك عقلا سعيدا سيمتك جسدا سعيدا يمل المرض ويرفض أن يتوقع سوء الأمور. الأوجاع ليست سوى إشارات لكي تعود لحالتك الطبيعية من الخير.
30-يقول لاو تزو
الكلمات الصادقة ليست معسولة
والكلمات المعسولة ليست صادقة
العقلاء لا يجادلون
ومن يجادلون ليسوا بعقلاء
من يمتلك الفضيلة لا يفتش عن الأخطاء
ومن يفتش عن الأخطاء لا يمتلك الفضيلة
الحكماء لا يكتنزون أي شيء
ولكنهم يهبون كل شيء للآخرين
وبقدر ما يهبون فإنهم يملكون المزيد
31-يقول لاو تزو
بعد أن ينتهي صراع عنيف, تبقى في النفوس بعض الضغينة
فماذا يمكن للمرء أن يفعل؟
يتعين على شخص ما أن يردّ على الإساءة باللطف
وإلا فلن تتحول العداوة أبداً إلى محبة.
32-لم تشيّد الطاوية مذهبها من الإنسان كما فعلت الكونفيوشية, الطاوية تنطلق قواعدها الخاصة بالحياة الإنسانية من الطبيعة, ومن هنا تؤكد على الأسس الميتافيزيقية للطبيعة, ولا تشدد على بناء المجتمع الإنساني على طريقة كونفيوشوس.
33-ويمكن أن يقال إن مصدر الإلهام الأول للطاوية هو القلق من الأوضاع الاجتماعية وحالة الحرب التي كانت سائدة في عصر لاو تزو.
34-يقول لاو تزو :
"وعندما تعلم أن كل شيء في تغيّر مستمر, فإنك لن تتعلّق بشيء".
كأنما يتحدث عن النتيجة المترتبة على فلسفة هيراقليطس.
34-ركض "فوريست غومب" لمدة ثلاث سنوات وبضعة أشهر متواصلة، كان فيها يأكل إذا جاع، وينام إذا تعب، وهذه هي كل الحالة الطاوية. دون أن يدرك أنه كان مصدر إلهام لآخرين، بخصوص قضايا لا تعنيه على الإطلاق. m.youtube.com
35-كتب لاو تزو :"ليس هناك حظ أسوأ من أن يكون لك أعداء. عندما يتقابل الخصمان، فإن الذي لا عدو له سيحرز النصر بالتأكيد. وعندما يتبارى جيشان متكافئان، فإن الجيش الذي يتعامل بعطف هو الذي سيكسب".
36-وأنا أقول هل لنا أن نحلم بأنه يوماً ما، سيكون عالمنا عالماً واحداً بإرث مشترك يربط كل البشر على كوكب الأرض،عالم لا يستخدم مصطلح الأعداء مطلقاً، ويعتبر أن كل إنسان فرد من أمة واحدة. بالنسبة للحكيم الصيني «لاو تزو»، إيذاؤك لأي إنسان، بالقول أو الفعل، هو إيذاء لنفسك أنت.
37-هذه الصورة المتخيلة لم تحدث قط في كل تاريخ البشرية، لكنها كانت حلماً وأملاً أساسياً لهذا الحكيم الكبير، هذه الرؤية تبدأ من الآن، ومن هنا، ومني ومنك ومنه ومنها ومن كل أحد، عندما نزيل مفهوم «العدو» من كل حياتنا، فلا نفكر من خلال هذا المصطلح، ولا نستخدمه في لغتنا اليومية.
38-هذا المنهج ليس مشروعاً شخصياً، بل يحثنا هذا الحكيم العظيم على أن نكون قدوات للآخرين من حولنا، بحيث تؤثر هذه الموجة في شريحة كبيرة من الناس، والموجة تؤثر في موجات أخرى، حتى يصير عندنا في مستقبل الأيام، عالم من دون أعداء.
39-هذا الكلام يبدو وكأنه نسيج من الأحلام، أفكار صعبة التحقيق، في عالم يتحكم فيه الغضب والخوف، لكن هذا العالم موجود فعلاً وحقاً وصدقاً
40-حكى «د. واين داير» ذات مرة أن أحد المجرمين هاجم مدرسة لطائفة «الآميش» في بنسلفانيا، وشرع في قتل العديد من الفتيات الصغيرات، وكيف أن أهالي الضحايا المسالمين عاشوا حزن الواقعة، وكلهم رضا بهذه الخسارة العظيمة، ولم ينسوا أن يدعو أسرة القاتل ليقاسموهم الحزن والحداد في جنازة جماعية
41- ولم يفتهم أن يصلّوا من أجل القاتل، كما صلّوا من أجل القتيلات، وكان من ضمن ما قاله رئيس طائفة «الآميش» في ذلك التأبين: "نحن قوم بلا أعداء، نحن جميعاً أبناء الله، والعفو من صميم عقيدتنا، وإذا لم نتمكن من أن نغفر لمن ماتوا، برغم خطيئتهم، فإن معتقداتنا ستصبح بلا قيمة".
42-هذا الحلم ليس خاصاً بـ«الآميش»، بل موجود في كل البشر من كل المذاهب والإثنيات.
43-الفهم القديم لقضية الصراع، يجعله تضييقاً لرؤيتنا، ويحد من الخيارات المتعددة المفتوحة التي يمكن أن نحظى بها، صراع لا ينتهي بين الأطراف، قتال يجعل الحياة قائمة على الكراهية والرغبة في الانتقام.
44-أما الفهم الجديد للكلمة نفسها، فهو أن نعتبر القضية لا تتجاوز الخلاف، خلاف لا يتحول إلى صراع، فالشخص الذي يحمل وجهة نظر أخرى لا ينبغي أن يتحوّل إلى عدو لمجرد الاختلاف، الصراع هو حالة من غياب الوعي، بالنسبة إلى "لاو تزو".
45-لكنه لا يخلو من واقعية، عندما يقرر أن الحروب قد تكون اضطرارية أحياناً،فينصح عندها بأخذ موقع المدافع لا المهاجم،هذه الواقعية تعني أن من حقنا أن ندافع عن أنفسنا وعن نمط حياتنا وحريتنا واختياراتنا، من دون أن أعتبر الآخر عدواً، "فالشخص الذي لا عدو له سيحرز النصر".
فلنكن هذا الشخص.

جاري تحميل الاقتراحات...