وبدأ استعراض القضية بحضور الفقهاء وذلك باستعراض صحيفة الدعوى وبدأ كل فقيه يورد ما يراه في المسألة فأفتى ابن عتاب بأنه لا يحق لعاتكة أن تمنع عبدالرحمن من فرنه ما دام أنه قطع دخان الفرن عنها واستعرض أدلته العقلية والنقلية وذهب المشاوران ابن جرج و أبي زعبل
إلى أن بقاء الفرن بجوار دار عاتكة يضر بقيمتها عند بيعها ويحط من قيمتها لأن الناس لا يريدون الدور التي بجوار الفرانين لدخانها وتطاير الشرر منها في دورهم واحتراقها واستعرض ابن جرج و أبي زعبل أدلتهم النقلية والعقيلة في إلزام عبدالرحمن بإغلاق فرنه.
كانت هذه المرافعات بين المشاورين ابن عتاب وابن جرج وأبي زعبل بعضها في حضرة القاضي وبعضها عن طريق المكاتبات الرسمية التي يوجهون بها إلى القاضي ابن ذكوان فورده كتاب المشاورين أبي زعبل وابن جرج ومن وافقهم ردا على رأي المشاور ابن عتاب ونصه :
سيدي و وليي و عُدَّتي ، ومن أدام الله نفعه ، وأبقى بركته ، جمعتَ الفقهاء في دارك عمرت بك ، وشاورتنا فيما ثبت عندك لعاتكة من ضرر الفرن الذي أحدثه عبدالرحمن متصلاً بدار عاتكة ، وثبت عندك أن ذلك مضرا بدار عاتكة ، ثم أثبت عندك عبدالرحمن أنه قطع الضرر عنها.
ثم أثبتت عندك أيضاً عاتكة عقداً ثانياً ( قضية ثانية ) أن الفرن المحدث بلصقها ضرر وعيب كبير لاحق بدارها يحط من ثمنها ، لقرب الفرن من دارها ولما يتوقع من وقوع النار فيها من الأفران على العادة المعروفة فيها ، وأنها لا تجد إن ذهبت إلى البيع من يبتاع منها الدار إلا بحطاط كثير من ثمنها
فوجه القاضي ابن ذكوان بهذا الخطاب المكتوب من ابن جرج وأبي زعبل إلى المشاور ابن عتاب " استطراد " يقول من أورد هذه المرافعة وهو أبو الأصبغ عيسى بن سهل في كتابه ديوان الأحكام ص ٦٥٦ أنه رأى هذا الخطاب في اصطوانة ( دولاب ) الفقيه ابن عتاب في داره.
فكتب المشاور ابن عتاب إلى القاضي ابن ذكوان رداً على اعتراض ابن جرج وأبي زعبل ومن وافقهم من الفقهاء وهذا نص خطابه :
عصم الله القاضي بتقواه ، و وفقه لما يحبه ويرضاه أعلمتنا في مسألة الفرن المحدث الذي قامت بها عاتكة عندك فيه ، وذكرت أن دخانه يضر بدارها
عصم الله القاضي بتقواه ، و وفقه لما يحبه ويرضاه أعلمتنا في مسألة الفرن المحدث الذي قامت بها عاتكة عندك فيه ، وذكرت أن دخانه يضر بدارها
أنه قد ثبت عندك أن إحداثه كان قبل الشورى بأشهر ستة أو سبعة فأوجبنا غلق الفرن وقطع عمارته ( أي إيقاف التشغيل ) إلى أن يثبت عندك فيه ، وذكرت أن دخانه يضر بدارها .... فيجب وفق الله القاضي أن لا يلتفت إليها ( دعوى عاتكة بنقصان ثمن دارها بسبب الفرن ) بعد ثبوت إنقطاع ضرر الدخان.
انتهت القضية للأسف دون أن يخبرنا صاحب ديوان الأحكام بأي شيء قضت محكمة ابن ذكوان ومن كسب القضية عاتكة صاحبة الدار أم عبدالرحمن صاحب الفرن وأتوقع إن المؤلف مات رحمه الله عام ٤٨٦هـ والقضية لا زالت منظورة بمحكمة الاستئناف التجارية
?? ?✋?
?? ?✋?
في ديوان الأحكام لأبي الأصبغ مئات القضايات والمرافعات في المجتمع القرطبي في الأندلس ولكن نتلمح عدد من الفوائد من هذه القصة بين عاتكة وعبدالرحمن :
أولاً : حفظ الإسلام وتشريعاته وأنظمته القضائية من قديم الزمان لحقوق المرأة والطفل وضعفاء المجتمع.
أولاً : حفظ الإسلام وتشريعاته وأنظمته القضائية من قديم الزمان لحقوق المرأة والطفل وضعفاء المجتمع.
ثانياً : التطور العظيم لنظام القضاء الإسلامي في حقبة سحيقة من التاريخ ( قضاء يمكن للجميع الوصول إليها فقهاء يدققون الحكم مع القاضي وكانوا يسمون بالمشاورين ولهم مرتبات شهرية ويحضرون مجلس القاضي ويكاتبونه وخطابات ودواليب لحفظها واختلاف في وجهات النظر في الحكم )
ثالثاً : الثقافة القانونية العالية لدى عاتكة والاستجابة القانونية من عبدالرحمن واصرار ابن عتاب على رأيه والتزامه بأن الدعوى الثانية متأخرة عن الدعوى الأولى بستة أشهر أو سبعة وبأن الضرر قد زال وأنه لا تقبل دعواها الثانية وتدبيج الخطابات فيما بين القاضي وأعوانه
بطريقة قانونية راقية :
الإشارة للكتاب واستعراض موجز لمضمونه ثم ذكر الرد مقرونا بالأدلة النقلية والعقلية والبعث به للقاضي ثم يقوم القاضي باستلامه وبعثه للمشاور ثم يقوم المشاور بحفظه في اسطوانه ودولابه ثم يقوم بالرد عليه ويبعث بالخطاب للقاضي كل هذه الإجراءات تمت قبل ( ١٠٠٠ ) عام.
الإشارة للكتاب واستعراض موجز لمضمونه ثم ذكر الرد مقرونا بالأدلة النقلية والعقلية والبعث به للقاضي ثم يقوم القاضي باستلامه وبعثه للمشاور ثم يقوم المشاور بحفظه في اسطوانه ودولابه ثم يقوم بالرد عليه ويبعث بالخطاب للقاضي كل هذه الإجراءات تمت قبل ( ١٠٠٠ ) عام.
مما لا شك فيه أن تاريخنا الحضاري الإسلامي تاريخ عظيم وملهم للإبداع ولكن للأسف التقصير في نشره وتدريسه والتحدث به حرم أجيال الأمة من الاعتزاز والافتخار بتاريخها وهويتها الإسلامية فلذلك اتخذت أجيال الأمة خطاً غير خط أسلافها بالاعتزاز والاقتدار وذلك لغياب التاريخ وقدواته الحقيقين.
جاري تحميل الاقتراحات...