Fahad | فهد
Fahad | فهد

@FahadWonders

11 تغريدة 573 قراءة Dec 31, 2019
عند تخرّجك من المدرسة، آخر مراحل التعليم الشامل والمتجانس، يحدّد لك المجتمع مسارات معدودة لتختار منها ما يضمن لك راتباً، ولمحيطك وجاهةً، ولوطنك إنتاجيةً. يحتّم عليك التخصص الذي يصبح جزءاً من هويتك، ومعياراً لقيمتك، ولعنةً تلاحقك بقية حياتك.
مقالي الجديد:
التخصص حقيقة باقية معنا، وهو سبب رئيسي لتطور أي مجتمع. مع ذلك، فإن طأطأة الرأس المستمرة في مجال واحد فقط لها ضريبة لا مفر منها، هي محدودية الأفق والانفصال عن الواقع ونسيان لغة العامة والتوجس من الانغماس في المجالات الأخرى رغم أهميتها في التكوين الفكري للإنسان.
التخصص العلمي لا يعني انتفاء الحاجة للفلسفة والتاريخ والفنون والآداب، والتخصص الأدبي لا يخلق عجزاً عن فهم العلوم الطبيعية. المرونة هي إحدى أجمل الملكات الأساسية للبشر، والتخصص ليس عذراً لتجاهل النظرة الشمولية للإنسان والطبيعة والحياة، والابتعاد عن محاولة توسيع المدارك والآفاق.
إذا تأملنا في المجال الأكاديمي، نجد أن المعرفة بدأت كدولة لها لغة واحدة، فتعددت لهجات المدن، إلى أن تعددت اللغات في كل مدينة، فأصبح الباحث المتخصص يعجز عن التواصل مع المتخصصين في المجالات الأخرى، وعن الربط بين لغة تخصصه ولغة المعرفة الأم، ويجهل مكانه بالدولة رغم تميزه في مدينته.
قتلت دقةُ التخصص الروحَ الفلسفية التي نشأ عليها نظام الدكتوراة، حيث الأولوية اليوم لخلاصة الدراسات والاكتشافات، أما تاريخ التخصص وفلسفته فكأنها مضيعة للوقت بمعلومات عفا عليها الزمن. عندما تتخصص في مجال ما، فإنك تسلم فوراً بمسلّمات لا وقت للخوض بها بسبب التراكم المستمر للمعلومات.
أصبحت الدكتوراه عملية ميكانيكية ترتكز على قائمة من المهام التي يحددها المشرف البحثي رغم الاستثناءات. لم يعد حاملي شهادة الدكتوراه بتلك الهيبة العلمية مع سقوط العديد منهم في أبجديات التفكير المنطقي، فهُم يفهمون تخصصهم لكنهم يجهلون أبعاده وامتداداته الواقعية والاجتماعية والفلسفية.
في الحياة العامة، خلق التخصص هاجساً من مجرد الاطلاع على التخصصات الأخرى، بحجة أن فهمها صعب لغير المتخصصين. فكلٌّ موسوم بتخصص واحد فقط، وإن تجاوز ذلك فتلك هوايات لا أكثر. أصبح تخصصك هو ميدانك وسجنك الذي لا يحق لك الخروج منه، وهذه صورة خاطئة عن محدودية في المرونة البشرية.
إذا طَرح من لا يحمل شهادة تخصص معلومة ما وأخطأ فيها وُجهت له السخرية المبتذلة "من أتى بغير فنه أتى بالعجائب"، وكأن لكل إنسان فناً واحدًا فقط. لعل الأصح هو أن المرء إذا تكلم من غير إلمام أتى بالعجائب، فالمتخصص بنفسه قد يأتي بالعجائب.
الإنسان كائن مرِن بقدرة فذة على التعلم والتأقلم، يملك خيالًا واسعًا ويسعى دائماً لفهم الوجود، يعيش في صراع مستمر مع فضوله الباعث للحياة للهروب من وحشية التخصص.
اقرأ في التاريخ والعلوم والدين والفلسفة والرياضة والاقتصاد والأدب وكل ما يدفعك الفضول نحوه، تعلم مونتاج الفيديو وإدارة الأعمال والتصوير الفوتوغرافي وكتابة الرواية واحترف كل ما تريد احترافه، فالتحرر من التخصّص فضيلة.
ختاماً، أشكر كل من قرأ المقال وكل من عبّر عن رأيه به ??

جاري تحميل الاقتراحات...