جرّاح صغير ••
جرّاح صغير ••

@scalpel_24

34 تغريدة 6 قراءة Dec 28, 2019
كانت تتألم من بطنها
ذات يوم في غرفة الطوارئ وأنا أقوم بجولتي مع دكاترتي ، كانت شكواها ألم في اعلى بطنها
وكثرة استفراغ ما تأكله مباشرة
لم تبد قلقة حيال أمرها كثيرًا ، مجرد ألم وترجيع مستمر ، لابد أن الأمر غير مخيف
وخصوصًا أنها على علم ودراية ببعض بديهيات الطب فهي طالبة أول طب
ونظرًا لعدم مقدرة الفريق الطبي على تشخيصها ..
قام الفريق بتنويمها ، حيث صعدت إلى غرف التنويم في أول أيام تدريبي في تخصص الجراحة العامة ..
سكنت سريرها ذا الرقم ١٠ والذي يشرف على النافذة ..
حيث أمرتني الدكتورة المشرفة علي بتولي حالتها كأول حالة طبية أتولاها تحت الإشراف ..
كنت أكتب مخططاتها وأتلقى الأوامر من الاستشاري الذي أمرني بطلب منظار معدي لها لاكتشاف سبب الانسداد المعدي الذي يسبب الارتجاع المستمر ..
كتبته بيدي هذه الذي تكتب هذه التغريدة ..
وبعدما انهيت جميع مخططاتي اللازمة خرجت من المستشفى معلنًا انتهاء دوامي ومنتظرًا نتائج مريضتي بالغد ..
أتى الغد بسرعة ..
ذهبت للمستشفى مبكرًا لإنهاء المرور على المرضى قبل المرور الرسمي عليهم ..
وأول ما ابتدأت به بكل تأكيد هي مريضتي ..
فتحت ملفها وكنت قد حفظت رقم ملفها وأدخلته لأرى نتيجة الفحص بالمنظار ..
حيث ومن هذه النقطة تغير كل شيء في نظري ..
وتوقفت عن فعل أي شيء ..
أطلت النظر أفتش في التقرير الطبي ، وأكذب ذاكرتي وحفظي لرقم الملف واسم المريضة الذي يطابق الرقم ، أخذت ملفها مجددًا وبت أتهجى أرقامه ، فأكتب رقمًا واحدًا ثم اعود للملف لألتقط الرقم الآخر وأصفه بجانب الأول د، ثم أنظر مجددًا لألتقط الرقم الثالث وأتأكد من الرقمين السابقين وأصفه معهما
غير أن التقرير هو التقرير نفسه ..
لم تكذب ذاكرتي ، أملتني الرقم الصحيح كما هو ..
فبدأت حينها أشكك ذاكرتي الطبية في قراءة المصطلحات ، لابد أن هذا المصطلح في التقرير يشير إلى أمر غير الذي يدور في عقلي ..
ولكن لا مجال للمراوغة والهروب ..
كانت صادمة بحق ..
سرطان المعدة ..
كيف لسرطان المعدة أن يجد طريقه إلى فتاة تبلغ العشرين من عمرها ؟
هي ليست شرق آسوية ، ولا يوجد في تاريخها المرضي ما يشير إلى زيادة عامل الخطورة بالإصابة بسرطان المعدة ..!
لم أجرؤ على إخبار الاستشاري بما قرأت ..
كل الذي كان يجول في خلجي هو تبسهما وفرح والدتها بجانبها وهي تخبرني أنها زميلة المهنة القادمة ..
تركت الأمر للطبيب المقيم الذي طلب مني تقديم الحالة فأخبرته أني لا أريد إن كان لا يمانع ..
لأني وبكل بساطة لا أريد أن انطق بالتقرير أمامها وهي تعي كل ما أقوله باللغة الإنجليزية ، وتعرف المصطلحات الطبية ..
بدت نظرات الدهشة على الجميع ..
كيف لها وفي هذا العمر أن تصاب بسرطان المعدة ؟
قطع الاستشاري أفكارنا التي لا تأتي بثمرة ليعلن أن الحل هو استئصال معدتها بالكامل ، آمرًا إيانا بتجهيزها للعمليات قادم الايام ..
ثم انتقلنا للمريض الذي يليها ، حيث انتقل الجميع بأجسادهم وعقولهم للغرفة الأخرى والمريض الآخر ، وبقي عقلي حبيسًا في الغرفة رقم ١٠
لم نخبرها بعد
وأمر الاستشاري أن لا يخبرها أحد بهذا حتى يخبرها صباح الغد ..
ذهبت لمنزلي بعد انتهاء الدوام وبدأت أذاكر لاختبار الرخصة الطبية ..
ولما دقت أجراس النوم وهممت به ، زارت مخيلتي بلا سابق انذار ..
اضطجعت يميني ودعوت لها ثم نمت ..
ودخلت عالم الأحلام المليء بها ..
لم يكن الأمر متعلقًا بها شخصيًا ..
أو نوعًا ما ..
الامر كان له علاقة بموقف مشابه مررت به فحسب ..
وأنا اعرف دويه وصراعاته النفسية ..
وأعلم كيف أن الغد سوف يصبح نقطة تحول كبرى في حياتها بمجرد النطق بثلاث كلمات ..
"أنت مصابة بالسرطان"
أتى الغد الثقيل على نفسي ..
وقرر الاستشاري أن تكون هي آخر مريض ندخل عليه
ولا أصف لكم ثقل ذلك الصباح وطوله علي ، كل خطوة أجرها من غرفة لأخرى تسرق من جسدي ملايين من جزيئات الطاقة المخزنة في جسدي ..
ولا استطيع إيقاف هذا الاستنزاف المهول من طاقتي
كل الذي أرغبه أن ينتهي اليوم فحسب
جاء دورها والذي كان الأخير
كان الاستشاري رغم تأثره بقصتها إلا أنه لا يريد أن يخسر فرصة عظيمة جدًا في تعليمنا كيف هي الطريقة المثلى لكسر الأخبار السيئة الصادمة ..
ولكني قد عرفت من عينيه أن الموقف أكبر من أن يجيد السيطرة على نفسه ، وأنه سيتعلثم كثيرًا ..
فأنا أعرف نظراتها جيدًا
فنظراتها تخبرك بأنها صغيرة جدًا عن تحمل أمر كهذا ..
اختار الاستشاري أحد الأطباء سريعي الكلام في تقديم الحالة أمام المريضة ..
بدأ يقدم حالتها للاستشاري في تمثيل ركيك أمامها ، وكل الذي أراه هو محاولاتها في التقاط الكلام من فم هذا الطبيب عاجزةً في فهم كل حديثه ..
لكنها أدركت بوجود أمرٍ لن يسرها ..
كنت مستعدًا أشد الاستعداد لأتمالك نفسي عندما أسمعها تجهش بالبكاء لأعلن ثباتي ولو على الأقل ظاهريًا أمام هذه المواقف ..
وكل الذي فعلته هو أنها استدارت برأسها فقط تجاه الجدار ولم تكلف نفسها عناء استدارة جسدها حتى
واختارت أن تسقط دمعة واحدة فقط
علم الاستشاري أن الأمر خرج عن سيطرته ..
وأكون بذلك قد فزت بحدسي وكلي أسف بفوزي البائس هذا
بدأ يخبرها بشكل مباشر عما أصابها ، ويحاول طمأنتها وإخبارها أن الحل موجود بإذن الله ..
لكنها لم تنبس ببنت شفة
اكتفت بالتحديق في الجدار شاخصة بصرها ، وتومئ إيماءً لوالدتها ليوجه لها الحديث
حاول الاستشاري مرارًا مخاطبتها ، ناداها باسمها مرارًا ..
لم تجب ، بقيت تحدث في السقف في صمت مطبق مهيب ..
حتى أمرنا الاستشاري بالمغادرة وكان هو أول المغادرين ..
خرجت أبحث عن متنفس ، كلما خرجت بابًا للطوارئ وجدت فيه طبيبين يدخنان بالخارج ..
لا مهرب ..
أكملت أعمالي الورقية البائسة كطبيب امتياز اعتقد أنه باستطاعته الإمساك بالمشرط في أول يوم له ليكتشف أنه لا يجيد سوى كتابة هذه الاوراق السخيفة ..
وبمجرد أن انتهيت هممت بالخروج ، وقفت أمام المصعد وضغطت الزر وأنا انظر لأي رقم يقف المصعد فيه حاليًا ..
وجدت أن المصعد يبعد ٤ طوابق عني
فقلت في نفسي هذا مضيعة للوقت والجهد أن انتظر المصعد يصعد إلي وأنا محمل بكل هذا الحزن في صدري ..
سأذهب للمريضة وأحدثها حديثًا خاصًا ، لربما هذا يخفف عني هذا العبء ويخفف عنها ..
وبكل خطًا متسارعة اتجهت للغرفة رقم ١٠
ودخلتها واستأذنت من خلف الستار بالدخول فأذنت لي أمها
ولما دخلت تذكرت أني لم أستأذن من أي ممرضة بالدخول معي للمريضة كتطبيق للنظام ..
غير أني لم أبالِ كثيرًا بهذا الأمر ..
ابتدأتها بالسلام ثم قلت لها بأني لست هنا للمواساة ..
أنا هنا فقط للشكوى ، سأشكو إليك ولوالدتك ثم أتركك ، اتفقنا ؟
فلما أذنت لي ، أخبرتها بمرضي الذي عانيت منه مذ كنت في أول سنة في كلية الطب (وهو مرض لا أحب الافصاح عنه حتى الان) ..
وقلت لها بأن والدتي حتى هذه اللحظة لا تعرف بما أصابني ، وأنه لم يكن بالأمر السهل ..
لكن في نهاية الامر ، انتهى بي الحال إلى مباشرة حالتك وكتابة المخططات لها
ولم ينته بي الحال في مقبرة باردة كما كنت اتخيل ، أو في مصحة نفسية أو حبيس المستشفى ..
صحيح اني حبيس المستشفى الان ، ولكني السجان ولست السجين هذه المرة ..
فلما رأيت على محياها معالم الرضى بما قضى الله وقدر ، خرجت كالفراشة تمامًا من خفتي ..
وعلمت أن الذي مررت أنا به كان محملًا بالخير حتى بعد انقضائه ..
فأمر الله كله خير ..
ومن هذا الخير أن يطمئن به مريض ..
وأنا في طريقي للمصعد وأنا اشعر ببعض الارتياح وجدت أن المصعد لا زال يبعد عني ٤ طوابق ..!
مما يعني أنه علي الانتظار ..
لكنه كان انتظارًا أخف بكل تأكيد ..
ولقيت بعدها زميلتي طبيبة الامتياز ، تحدثتا عن حالاتنا التي رأينا وتمعضنا من مرحلة الامتياز التي أشبهها بسن المراهقة :
لست بالصغير فتُرحم ، ولا بالكبير فتُقدر ..
فاخبرتها بمريضتي هذه وطلبت منها لو كان بامكانها الجلوس معها ..
وبطبيعة الحال الإنسانية تفرض نفسها لتومئ زميلتي بالموافقة رحبًا وسرورًا ..
فأخذتها إلى مريضتي ودخلت عليها وعرفتها بزميلتي المتميزة جدًا في علمها وعملها ..
وتركتهما لوحدهما
لألتقي بزميلتي في اليوم الذي يليه وتخبرني بما حصل بينهما وسرني كثيرًا ، فقد أصبحتا صديقتين ..
ومنذ ذلك اليوم لم استطع ابدًا الدخول لغرفة رقم ١٠ ..
كان الامر اصعب من أن ادخلها مرة أخرى ..
فقط دخلت في غرفة العمليات والدكتور يجري عمليته وما أن دخلت بعشرة دقائق إلا ويأمرني الاستشاري بإنزال العقدة الليمفاوية المستأصلة لمعمل الانسجة ليتم فحصها والتأكد من خلوها من خلايا سرطانية
وهل تعرفون ما معنى هذا ؟
هذا معناه أن الاستشاري سيبقى ينتظرني وهو في وسط عمليته يرقب النتيجة ..
فبمجرد أن تصبح نتيجة العقدة الليمفاوية مصابة بالسرطان فهذا يعني أن العملية ستتحول من استئصال معدة كامل عن طريق النظار إلى عملية مفتوحة بالكامل لاستئصال أجزاء من الأمعاء
وربما أيضًا يكون قراره بإنهاء العملية لأن السرطان اصبح لا يمكن معالجته بالجراحة وفقط ..
وهذا يعني أننا لم ننته بعد ..
انتظرت في معمل الانسجة ربع ساعة ارقب النتيجة ، كل الذي كنت اشعر به هو أصبع قدمي الصغيرة التي تنبض كما يمبض قلبي تمامًا ، وألم شديد في أعلى معدتي من الخوف
لتعلنها استشارية علم الأمراض مدوية في أذني لا أنساها مهما حييت ..
" هذه العقد الليمفاوية طبيعية ولا يوجد بها أي انتشار للسرطان " ..
خرجت من المعمل امشي بهوادة لكيلا أحدث فوضى وقلبي داخلي يركض ..
ونسيت أنني كنت مقبلًا على غرفة العمليات ، لم أتعقم ، لم اغير ملابسي ودخلت بفوضوية
العجيب أن الاستشاري لم ينهرني
فقط قال لي : "بشر وأنا أبوك"
لألفظ بشارتي وكأنني لفظت آخر خبث من جسدي
ليعلن الاستشاري أن العملية تمت بنجاح ويبدأ في الإغلاق والبشر يظهر على وجوه الجميع ، وبدأ الجميع بإلقاء النكات وتحديد مواعيد الغداء وتوقع نتيجة مباراة تلك الليلة بعد أن ساد الهدوء
خرجت بعدها مريضتي إلى العناية المركزة لأن عمليتها كانت طويلة كفاية لوضعها تحت الملاحظة في العناية المركزة ومن ثم نقلها لطابق التنويم ..
كان هذا آخر عهدي بها ..
قبل ثلاثة أشهر تقريبًا ، حيث انتهت ملازمتي لتخصص الجراحة العامة وغادرت القسم ..
وكل الذي عرفته بعدها هو خروجها والذي أخبرتني به زميلتي التي صادقتها
حيث أرسلت المريضة رسالة شكر لها ولي لكوننا حاولنا جاهدين أن نكون لها كإخوتها الكبار ..
وهذا الذي كان يسعني ولم يسعني غيره ..
هذا الموقف غيرني كثيرًا
ولم أعد بعده كما كنت قبله
والقصص في أروقة المستشفى لا تنتهي
وقفة من وقفات حياتي تحت أسقف المستشفيات والتي ابتدأت حديثًا تذكرتها الليلة وأحببت مشاركتها ..
سامحوني على الإطالة وأرجو لكم ليلة سعيدة ..?

جاري تحميل الاقتراحات...