كنت باشتغل فى مكان ، ماسك فيه إدارة كبيرة فيها حوالى 80 موظف ... شغلهم كان صعب ، يتطلب لغة و كومبيوتر و قدرة عالية فى التواصل مع العملاء ... ما كناش بناخد أى حد ، كله كان على الفرازة ... كان فيه كذا أوفيس بوى فى الشركة ، لكن كان فيه واحد فيهم إسمه سليمان ، ولد غلبان و فى حاله
كان بيجى بنفس القميص كل يوم .. الياقة متاكلة و فيه كام بقعة ، و كل حتة فيه دايبة ، فيه تقريبا تلت زراير ناقصين... و بنطلون قصير شوية و مش مظبوط عليه ، و فيه كام فتلة من تحت من كتر البهدلة ، لونه كان إسود بس باهت من كتر الغسيل ... جزمة مقطوعة من قدام و نعلها مفكوك
و فى الشتا كان بيلبس بلوفر مقطع تحت القميص ... أسف إنى أقول إن ريحته كان وحشة ، و كان الموظفين بيشتكوا منه ... بس كان بيعمل أحلى مشاريب ، و حاجته نضيفة جدا أكتر من أى حد تانى ... أخدت بالى منه من أول مرة جالى فيها المكتب ... لقيت وشه باين عليه الخوف و الصينية بتتهز فى إيديه
عملت نفسى مش واخد بالى و بصيت فى الشاشة و كملت شغل عشان ما أربكوش زيادة ... بعد ما حط النسكافيه ، قلتله صباح الخير ... صوته طلع بالعافية و فيه رعشة ... كان رفيع أوى و عضم وشه باين من كتر الرفع .. لما لقيت ناس كتير بتشتكى من موضوع الريحة ده قلت هاتكلم معاه
ندهته فى المكتب و خليته يجيب إتنين شاى .. فى الأول كان محرج يقعد لغاية لما قلتله هاتفضل واقف ، أنا كمان هاقف ... سألته عن حياته و كانت كل إجاباته مقتضبه جدا و معظمها "الحمد لله" و يسكت ... سألته عن مرتبه ، طلعت الشركة اللى جايباه بتديله 400 جنيه
و طبعا عارفين إن النوعية دى بتاخد بقشيش من الموظفين ، لكن هو كان خجول و مش بيطلب ، و لما كان حد يحاول معاه كان بيرفض ... طب يابنى مرتبك مكفيك ؟ أيوا يا فندم و بيفيض كمان ...طب إنت متجوز ؟ أيوا ... عندك أطفال ؟ المدام حامل
طبعا كل الإجابات دى كانت بتطلع منه بالعافية و بعد ما أكرر السؤال كذا مرة ... ماكنتش عارف أجيبهاله إزاى ، بس كنت قلقان لا حد من الموظفين يجرحه فى مرة ... قلتهاله بطريقة ودية بقدر الإمكان ... طبعا كان محرج جدا و أنا لحقته و قلتله إن الشركة عندنا هاتصرفله كام قميص جديد
و مبلغ إضافى عشان يعرف يعيش زى الناس .. رفض بشدة و قالى إن مرتبه مكفيه و مشى من المكتب ، بس بعد كده أخد باله من نظافته و ماحدش كان بيشتكى من الريحة ، و جاب قميص تانى ... حاولت كتير أديله فلوس لكن فى كل مرة كان بيرفض
لغاية لما فى مرة لقيته غايب و سألت واحد من زمايله و عرفت إن مراته عندها تسمم فى الحمل ... كلمت شركة النظافة اللى جايباه و طلبت منهم يزودوا مرتبه و يحملوه على الشركة من غير ما يبلغوه إن الزيادة دى منى ... رجع تانى يوم و كان باين عليه إنه مبسوط
لكن بعد شهرين الشركة عندنا قررت تقلل التكلفة و تستغنى عن الأوفيس بويز و تجيب ماكينة مشاريب...و طبعا سليمان كده هايمشى و الله أعلم هايروح فين...كان فاضلهم كام يوم و يمشوا من الشركة ...ندهته و سألته لو يحب يشتغل معنا..كنت محتاج حد يصور ورق و يبقى مسئول عن الأرشفة و الأعمال البسيطة
فى الأول ما صدقش ، و قعد يكرر السؤال :: أنا؟ أنا؟ أنا؟ ... بعد ما أكدت عليه و حسيته طاير من الفرحة ، قلتله مش عايز تعرف مرتبك هايبقى كام ؟ قالى 400 ، ده كفاية أوى ! كنت هاعرض عليه 1500 ، بس بعد ما قالى 400 ، عرضت عليه 2000
حافظ على مكانه و ما جبناش حد مكان الموظف اللى مشى .. ربنا رزقه ببنت و ولد ... و أنا ماشى من الشركة كان مرتبه وصل تقريبا 5000 ... كان فى كل زيادة يدخل يعمل مناحة و يقولى أنا ما أستاهلش
لغاية أخر الأيام فى الشركة كنت باقفشه يقوم و يعمل مشاريب لزمايله ، كنت باخده فى المكتب و أهزئه ... و زمايله كانوا بيرفضوا الموضوع ده ... التواضع بتاعه أذهل الشركة كلها ، لدرجة إن المدير العام سمع عنه و كرمه فى حفل من حفلات الشركة ...
بعد ما مشيت من الشركة ، مافيش حد بيسأل عليا غير سليمان ، و يبعتلى رسالة فى عيد ميلادى ... و دلوقتى سامع إنه إحتمال يترقى و يبقى مشرف فى القسم ... سليمان ده شخص حقيقى موجود و ربنا كرمه عشان قلبه الطيب و التواضع اللى ما شوفتوش فى حد، و كان راضى بحاله فعلا رغم إنه محتاج !
جاري تحميل الاقتراحات...