د. عوض بن إبراهيم العقل
د. عوض بن إبراهيم العقل

@TheThousand_MAN

13 تغريدة 94 قراءة Dec 26, 2019
الإلهام الفرزدقيّ بين الاعتذار والاحتقار:
تناول الشيخ محمد محمد أبو موسى قصيدة الفرزدق (عزفتَ بأعشاش...) وفسّر بناء الألفاظ والتراكيب فيها تفسيرًا بديعًا جعلني أتوقف عند كلامه عن صورةٍ قال فيها: (هي أعجبُ وأغربُ)، وهي قول الفرزدق:
فكيف بمحبوسٍ دعاني ودونه
دروب وأبواب وقصر مشرّف
وقد مال الشيخ إلى تفصيل الحديث عن التراكيب مما دعاه إلى التعجب من طلب أمر إلهي ليتمكّن من الوصول إلى المرأة المتزوجةِ المحبوسة، وهذا التدخّل الإلهي أمرٌ خارقٌ في الشعر وهو كما يرى الشيخ (قليل في العربيّة)
وكان أن التفت الشيخ إلى أمرٍ مهمٍ جدًّا في المقارنةِ الأدبية بين أشعارِ الأمم.
والذي لابد من التّنبّهِ إليه أنّ مقارنة
الشيخ ليست مقصودةً بل جاءت عرضًا بسبب (دعاء الفرزدق في القصيدة) وقد بنى تلك المقارنة على ما قرأه (هكذا يصوَّرُ لي) وقرأه غيره من دارسي الأدب في الكتب العربية
التي تحدثت عن أشعار الأمم الأخرى وخاصة أشعار اليونان.
ولذلك -في تقديري- أنّ الشيخ أشار إلى قضيّةٍ مهمّةٍ في الدراسة الأدبية تقوم على استدعاء المقروء ودمجه في طريق القراءة والتحليل، والاستفادةِ من خصائص القول في تمييز خصائص الأمم.
وهذا أمر على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، ولكني وأنا أتابع قراءة الشيخ للأبيات لم أجده يبيّن هذه المرأة المتزوجة، أو يتحدّث عن هذه اللحظة الغاوية التي تاقت فيها نفس الفرزدق للوصول إلى المحبوسة في قصر عالٍ ودونها رجال صهبُ اللحى.
وهذا الذي سماه الشيخ صورةً هو في تقديري مشهدٌ بناه الفرزدق على طريقةٍ عجائبيّة، وأركان هذا المشهد ما يلي:
١. المرأة المتزوجة المحبوسة.
٢. دعوة المرأة للفرزدق.
٣. استحضار موانع الطريق.
٤. صهب اللحى.
٥. الكلاب الضارية.
وكل هذه الأركان توقف عندها الشيخ مثيرًا لعبارة (أراد الأمر العجيب والصورة غير المألوفة).
وحقيقةً، إني تأملتُ هذا المشهد العجائبي فقفز في ذهني أنّ الفرزدق يتحدث عن لحظةٍ من أشد لحظاتِ معالجة القصيدة وهي لحظةُ الإلهام.
الإلهام يشبه تلك المرأة المتزوجة المحبوسة في قصر عالٍ مشرف ودون تلك اللحظة دروب كثيرة ومعالجات مستمرّة، يصيب منها ما يصيب ويخطئ فيها ما يخطئ.
وإدارة المشهد العجائبي بهذه الطريقة من أنسب ما يتبيّن فيه شدّة لحظة الإلهام عند الفرزدق؛ لأنه يريد الظفر بما يحجمُ عنه كثير من الشعراء،
وكأنّه يصف طريقته في استحضار القصيدة، ولحظته الإلهامية المخيفة التي بسببها تكون قصيدته (كأنه ينحت من صخر) وقصيدة غيره (غرف من بحر) وفرق عظيم في المتانة القولية بين الذي ينحت الصخر ليقدّم تمثالا خالدًا في الدهر، وذاك الذي يغرف من البحر كثيرًا لا يُشرب
وإن كان في الذهن أنه ماء يشبه الماء المنتفع به.
وأعودُ إلى لحظة الإلهام الفرزدقيّة التي تحفها رغبةٌ عظيمة في الوصول والاتصال ويحيط بها خوفٌ ورعبٌ غير مألوف فأقول: لعل هذا الوصف العجائبي عند الفرزدق إنما كان بسبب ما هو فيه من عراقةِ النسب وعلو المنزلة
وكرم المحتد
فتقدم بذلك في هذه القصيدة إن صحّت الرواية التي جعلتها في تحدي الفتى الأنصاري وبذلك يكون الوصف العجائبي اعتذارًا عن التأخّر في مناجزة الفتى الأنصاري، وإن كانت الرواية غير صحيحةٍ فالوصف العجائبي احتقارٌ لأولئك الذين يطاولون الفرزدق، ويسمون بأنفسهم لمناقضته ومناجزته في الشعر.
وعلى الظن الثاني فإننا نكون أمام نوع من النقائض التي كان الفرزدق يلحّ عليها كثيرًا وهي نقيضة الحال التي لها وجهان: وجه مهاري تكونُ قصيدته فيه تمثالا منحوتًا من صخر، ووجه اجتماعي تكون قصيدته فيه مثالًا على الطبقة الاجتماعية التي لم يصل لها الشعراء.
شكرًا لكم ?
رتبها @Rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...