سائح
سائح

@sai7_s7

153 تغريدة 200 قراءة Dec 14, 2019
مرحبًا أصحاب الهمم..
سأضعُ في هذهِ السلسلة أهم "الفوائد والفرائد" من هذا الكتاب البديع، والقيم في مذهبه وبابه الفلسفي والنفسي على الرُّوح..
"والنفس متمكنة في الإنسان أكثر من العقل؛ فقد يعيش الإنسان بنفس بلا عقل كما يعيش الحيوان، ولكنه لا يعيش بعقل بلا نفس، ولكن في العقل من الدراية والسياسة وتقبُّل العلم، ما ليس في النفس من التحايُل والمكر وتقبُّل التمرير..
ولأجل هذا جرى التكليف على العقلاء مهما كانت طبائع نفوسهم؛ حادة أو رقيقة، عجلة أو متأنية، شديدة أو ضعيفة، ومهما كانت شهوات نفوسهم، ونهمها وشراهتها إليها، وتتَّحدُ عقولُهم في التكليف، ولكن يختلفون في مقدار المؤاخذة عليه بحسب ما في نفوسهم."
"وإذا لم يعرف الإنسان رغبةَ نفسه ومعرفةَ عقله، ولم يُميّز بين حقيقتِهما، ومقدارِ كلِّ واحد منهما أمام الآخر، (اختلطتْ عليه الآراء بالأهواء)، وأصبح يسيرُ ويمشي في هذه الحياة لمجرد وجود دافع داخليٍّ فيه، ولو لم يعرف حقيقةَ هذا الدافع."
"وفعل الناسِ للشر لا يعني غلبةً للباطل على الحق حتى يفعلوه عن قناعةٍ بأنهم يفعلون خيراً.
وقد قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله :"ظهر الباطلُ على الحق"، فقال: (إن ظهور الباطلِ على الحق أن تنتقل القلوبُ من الهُدى إلى الضلالة؛ وقلوبنا بعد لازمةٌ للحق)."
"ليس كل محرّمٍ يُجرَّمُ بحيث تكونُ عليه عقوبةٌ، فقد جعل اللهُ في النفوسِ مساحةً من العمل بلا عقوبةٍ دنيويةٍ، لأن إنزال العقوبة على كل خطأ ومحرَّم من الأفعال والأقوال يُفسدُ النفوسَ على الذي عاقبَها، وعلى التشريع الذي عوقبتْ لأجله، وهو معارضٌ لأصل نقص البشر".
"والنفسُ إذا تم عقابُها على كل خطأ، كان فسادُها أكثرَ من صلاحها، ولو توهّم من عاقبَها الإصلاحَ، والأخطاءُ والمحرماتُ التي لم يأتِ عليها عقوباتٌ في الشريعة، أكثرُ من الأخطاء والمحرمات التي جاءت عليها عقوبات، بل هي أكثر منها بأضعافٍ مضاعفةٍ."
من أعظمِ الفوائد والدرُر:
"من الطبائع النفسية ما يُخلق عليها الإنسان ويصبغ عليها، ولا تتصل بما هو عليه من دين؛ فقد يكون مطبوعاً بنفسٍ معتدلة ويكون ملحداً، وقد يكون مطبوعاً على نفسٍ غليظةٍ غضوبٍ عجول وهو مؤمن؛ ولهذا توجد كل الطبائع النفسية في كل المِلل".
"ولا يوجد شهوةٌ تقود الإنسان وتأسِرُ عقله كشهوة الجاه إذا تمكنت منه، وهي شهوةٌ تتشكل في النفس بأشكال تستعصي معرفتها في كثير من الأحيان على الإنسان، فربما تكون ظاهرة، وربما تكون خفية..
وربما تكون مستترة تحت شهوة أخرى متخفية في النفس، فتريد أن ترتفع على غيرها فتتخذُ غيرها عتبة، وإذا عرف العقل مداخل النفس وطرُقها، استطاع إغلاق منافذ ذلك عليها؛ حتى لا تؤثر فيه وهو لا يشعر".
العلاقةُ بين الشهوةِ والرأيِ:
"لا يختلف العقلاءُ في أن الشهوة مؤثرةٌ في العقل، وهكذا خلق الله الشهوة والعقل ليكون بينهما تجاذبٌ وتأثيرٌ، والأصل أن الشهوات تدفعُ الإنسان إلى العمل بتحقيق ما يعتقدُ، ولكن الشهوة لا تصنعُ الفكرة، فهي دافعةٌ لا صانعةُ..
ولأجل هذا كانت كل الغايات النبيلة يُجازى عليها بتحقيق الشهوة والغريزة للإنسان؛ كالجنة وما فيها من نعيم للشهوات من مأكل ومشرب، وملبس ومسكن، ومنكح وغير ذلك، ولكن يظهر كمال العقول في الناس في تحقيق الأنفع والأكمل والأبقى لهم من شهواتهم، وليس كل شهوة يُسار إليها..
ولهذا تتناول النفوس الضعيفة أقرب الشهوات إليها على أي وجه كان، وأما النفوسُ السويةُ والعقولُ الراجحةُ، فهي تعلمُ أن مجرد قُرب الشهوة واللذة لا يعني صحة الفكرة الموصلة إليها".
"ومن الحكمة ألا ينظُر العالِمُ عند إلقائه العلمَ إلى العلمِ من حيث كونه علماً صحيحاً؛ وإنما ينظُرُ إلى صحة تلقِّيهِ ومن ثم فهمِه والعملِ به؛ قال الشافعي:
" لو أن محمد بن الحسن كان يُكلمنا على قدْرِ عقله، ما فَهِمنا عنه؛ لكنه كان يُُكلمنا على قدْرِ عُقُولِنا فنفهمُهُ".
"وإذا تطبعت النفس على الكِبر، كان أضر عليها من طبع الحدة؛ لأن ضرر الحدة على العقل يكون إذا اعتراها الغضب، وهو عارض، وأما الكِبر، فإذا كان في النفس، لازمها، وكان أثره في العقل ملازماً كملازمته للنفس".
"وإذا اجتمع في الإنسان كِبرٌ وقدرةٌ وإقدامٌ، سُمي طاغية، وغالب نهايات هؤلاء بمصارع سيئة، وليس ذلك لعدم وجود أسباب للنجاة يمرون بها في حياتهم؛ وإنما لأنهم لا يرونها ولو كانت أمام أعينهم، فالكبر يحجُب عقولهم عن الانتفاع بها، وإقدامُهم مع قدرتهم تمنعهم من الوقوف على حد، حتى يهلكوا".
"تنتقل الطبائع النفسية؛ كحِلْم الإنسان وأناتِه وحميتِه مع الإنسان عند تحوله من دين إلى دين، وقد شبهت تلك الطبائع التي يُخلق عليها الإنسان بمعادن الأرض التي خُلقت عليها؛ فقد جاء في الحديث: "الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
"لا يمكن أن يُطبَع الإنسان المكلف على شيء ثم يقوده طبعه المجرد بلا مؤثرات طارئة إلى الخطأ والضلال، والانحراف والشذوذ، وكل التجربيين الذين يقولون بخلاف ذلك إنما نظروا إلى الطبيعة التي اكتسبت الخطأ، ثم أوجدوا لها مسوغات طبيعية".
والطبائع النفسية على اختلافها مؤثرة في العقل في اختياره، فكل نفس تحب ما يناسب طبعها من الآراءوالأفكار والأعمال، وإذا كان ذلك الطبع شديداً فيها، فإن النفس قد تستبد على العقل في أن يختار ما تريد، وتنشط في سعيه في تتبع الأدلة والحجج والبراهين على صدق ما يؤيد طبيعتها من رأي أو عمل.
"الطبائع النفسية كما تؤثر فإنها تتأثر، فقد يؤثر في طبيعة الإنسان أشياء خارجة عنه؛ من بيئة وخِلطة، ونوع علم ومعرفة، وما يعامل به في الحياة من عدل أو ظلم، فهذه أشياء تؤثر في الطبع".
مرضُ الشُهرة وحُب الرياء!
"بعض النفوس تكون محبة للذكر؛ فتحب أن تذكر ولا يهمها أن تذكر بخير أو شر، ما دامت الألسن تطرقها لتكونَ شاغلة الناس ومالئةً لمجالسها بالحديث عنها".
"قد يوافق الحق هوى النفس، فيحتاج الإنسانُ إلى تصحيح نيته لا إلى ترك فعله"
"شهوة الجاه هي أم الشهوات ؛ لأن الجاه إذا تحقق حقّق بقية الشهوات وجلبها جميعاً ، وأما غير شهوة الجاه فلا يلزم إذا تحققت أن يحقق الجاه معها".
"والذين يكلفون النفوس من العلم ما لاتميل إليه بطبعها، حتى وإن أتقنت العلم وضبطته، فإنَّ تأثير النفس إذا لم يظهر في العلم، فإنَّه يظهر في العمل".
"عقول الأصحاء تتفق في خلق الله لها، ولكنَّه جعل الاختلاف في نفوسهم وميولها ورغباتها، والعقل لم يُخلق ليشتهي؛ ولكنه خُلق ليدل ويهديَ ويتَّفكر ويُري صاحبه الطريق، والنفس خُلقت لتشتهي وترغب، وتحب وتكره، وتفرح وتحزن، والعقل يريها الصحيح والخطأ".
الانتكاسة لوجه آخر:
"وبعض من تغيّر مذهبُه ليس لقوة عقله، وإنما لسطوة نفسه عليه، فالعقل يطلب الأدلة والنفس تطلب الشهوة".
"والعقلُ ليس عدواً للنفس ولو حرَمها؛ ولكنها هي عدوةٌ له ولو أمَتعَتْه بل هي عدوة لنفسها ولو استمتعت بأفعالها !".
"كمال الإنسان هو بكمالِ سياسةِ عقلهِ لنفسه"
في التربية:
فإن من أعظم ما يُظهر النفاق:
"العقوبة على كل خطأ، والثواب على كل صواب".
فائدة قيّمة:
"والصحيح أن الأوامر والتكاليف المختلفة جاءت بعد الطبائع حتى تتوافق معها؛ لأن تغيير طبائع النفوس ثقيلٌ جداً، ومنها ما هو محال، ولو كابَرَ الإنسان".
"العلمُ سلاحٌ لا يَصلُح إعطاؤه كل أحد إلا الأمين"
"الطبائع تختلف فيها النفوس، وعدم تطابقها من السنن الإلهية للكون، حتى يكون هناك سنة توازن وتدافع بين البشر، ولو كانت طبائعهم متطابقة؛ لاتفقوا في الاختيار والرغبات، ولم يكن ثمة دافع قوي للعمل".
"العقل وعاء للعلم، وكلما كثر علمه ومعرفته وخبرته؛ أثّر فيه.
وإذا اجتمع مع كثرة العلم كثرة تفكير، ازداد تأثير ذلك فيه، وإذا صاحب ذلك إيمان وذكاء قلّما يُغلَب، لا من نفسه الأمّارة، ولا من نفس غيره، ولا من الشياطين ووساوسهم".
المؤثرات من نفس الإنسان في عقله على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: طبائعُ النفس.
النوع الثاني: شهواتُ النفس.
النوع الثالث: أعراض النفس.
كان النبي ﷺ يقرأ: {فألهمها فجورها وتقواها}، ويقول: "اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكّها أنت خيرُ من زكاها"، وتقواها: كل ما يقيها من شرها، وشر النفوس أمثالها.
امتدح الله مَن قوي عقلُه على نفسه فساسها حتى زكَتْ وانقادتْ له {قد أفلح من زكاها}، وإذا حُمِيَت النفسُ ووُقيت من شرور ما فيها، سَلِم الإنسان من مؤثراتها في عقله.
إذا لم يفرق الإنسان بين نفسه وعقله، ويفصل هذا عن هذا، ويعرف طبع نفسِه وشهوتَها وميلَها والأعراض عليها، ويتحكم في ضبطها، فإنه لن يستعمل عقله استعمالاً صحيحاً.
لم يأت أن نبياً استعاذ من عقله، ولكن الاستعاذة تكون من شر النفس؛ لأن النفس قد تُعطى الخير وترفضه؛ لأنها لا تشتهيه أو ينافي طبعها الذي تميل إليه، وأما العقل؛ فإنه میزان يعطي الإنسان النتيجة بحسب ما تعطيه النفس المعادلة.
من أجملِ الاستنباطات:
النفس يتوجه الذم إليها بذاتها؛ لأنها المؤثرة في العقل، وهي التي تأمره بالخطأ والسوء {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} فدخل الاستثناء عليها؛ لأن الأصل فيها كذلك؛ ولأجل هذا جاء التحذير من النفس كثيراً، ولم يأت التحذير من العقل ولو مرة! .
طغيان الهوى:
تشتهي النفسُ، فتستبد، فتكلف العقلَ بحمايتها بدروعٍ وتروس في صورة أدلة وبراهين، وحجج وبينات!
العقل وميزانهُ العظيم:
كلما زاد عمر الإنسان، ازداد مؤكدات وعِظات، وتساقطت منه الأعذار مع كل شبر علم وخطوة خبرة، وفي هذا يُروى في الخبر: (إنما يُجازى العباد على قدر عقولهم)، ورُوي من قول غير واحد من السلف؛ كالحسن البصري وغيره.
مُهم جدًا لطلبةِ العلم:
العلم في أصله أفضلُ من الخبرة، ولكن قلةَ العلم مع كثرة الخبرة أنفعُ للإنسان من كثرة العلم بلا خبرة؛ لأن العلم إذا وُضع في غير موضعه ضار، وربما يكون أضرَّ من الجهل؛ لأن العلم دواء، وترك المريض بلا دواء أفضلُ له من إعطائه علاجاً ليس لمرضه.
الله الله:
من النفوس من تتكلم وتكتب وهي تستحضر شخصاً أو شخصين، وبعضها حزباً أو قبيلة، أو مصلحة خاصة به، فاختزل جميع السامعين والقرَّاء والأجيال المتعاقبة في حيِّز ضيق، وهكذا تقيد النفوسُ العقولَ وتسوقها، وإذا قويت النفس ضيقت واسعة.
حرب العقل والنْفس:
العقل يميِّز للنفس بين الشر والخير، والنافع والضارِّ من طبائِعها وشهواتها وأعراضها، وذلك بحسب ما في العقل من علم ومعرفة، وخبرةٍ وتجربة في هذه الحياة، وإذا اهتمت النفسُ بشيء طوعتِ العقلَ ليُسيِّرَه إليها.
تحدي للملحدين:
جاءت الأحكام والتكاليف الربانيَّة ضابطةً للنفسِ وموازنةً لها؛ حتى تسلَمَ وتستقرَّ؛ فيستقرَّ العقلُ؛ فتصحَّ نتائجُه.
(ولو أحكَم الناسُ نظَرهم في التكاليفِ الإلٰهيَّةِ لوجدَتْ مطابقةً للنفوسِ الإنسانيَّة؛ فلا أعلَم بالخلْقِ مِن الذي خلَق).
هل العُمر يحدد شخصية الإنسان، وميزانهُ في الحياة؟
-حقيقة قوة العقل لستْ في مجردِ مرور الزمن؛ وإنَّما لِما يمرُّ على الإنسانِ فيه عادةً مِن علمٍ وتجارِب.
"أكثر الناس فشلا من يستخدم عقله وهو لا يعرف نفسه".
النفس إذا اهتمت بشيء التقطته وإذا تكلمت أطلقته حتى يسبق على اللسان ما تهتم به من حيث لا تشعر.
{وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين}
والإيمان أكثر ما يضبط فلتات طبائع النفوس، وهو ما ثبّت الله به قلب أم موسى.
"العلم إذا وضع في غير موضعه ضار، وربما يكون أضرَّ من الجهل؛ لأن العلم دواء، وترك المريض بلا دواء أفضل من إعطائه علاجا ليس لمرضه، فقد يهلك المريض بالدواء وهو داء، ويهلك الجاهل بالعلم وهو علم"
"جميع المؤثرات في العقل التي تجعله يخطئ في المدركات الممكنة = تدخل إليه من النفس؛ فهي البوابة لكل تأثير فيه، والمؤثرات تغطي بصيرة العقل كما أن غطاء العين يحجب عنه بصيرة النظر"
"الذكاء قوة عقلية، كالشدة قوة بدنية، وكلاهما تزيد بالتمرس"
"قد يكون غيرُ الذكي أفهمَ لعلم معين من الذكي؛ باعتبار كمال أدوات الاستيعاب في الأول، ونقصها في الثاني"
الله الله👌🏻:
“النفس تُسوِّل وتُزيِّن وتُجمِّل عند العقل ما تهوى وتشتهي، ويكون ذلك باستدعاء محاسن ذلك من بين المساوئ. لما كانت نفوس المشركين مبتلاة بالهوى، أنكرت نبوة النبي ﷺ؛ لأنه بشر، ولكن نفوسهم لم تتفطن عند هذا الاحتجاج أنهم يعبدون ربا من حجر!”
مُهم لكلُ فتاة:
المرأة حينما يشترط لها الولي في النكاح، ليس نقصافي عقلها عن استيعاب الصورة الظاهرة في الإيجاب والقبول؛ وإنما لأن في نفسها طبائع باطنة مؤثرة في التصرف الظاهر، وهي كالحياء والرقة واللين عند التفاوض مع زوج مقبل عليها وهي مقبلة عليه، فتضعف نفسها لتلك الطبائع.
نصيحة من ذهب، والمقصود (الركادة والتأمل):
"أكثر اختيارات العقول التي تكون وقت عدم استقرار النفس وتوازنها = تكون عاقبتها ندامة وملامة"
"يصح رواية المرأة لأحاديث النبي ﷺ
بالأسانيد ولا يشترط فيها أن تعتضد رواية المرأة الثقة بامرأة أخرى -عكس الشهادة- لأن الرواية لا يكون فيها مشاحة ومنازعة، وخصومة على حقوق، فاختلفت معلومة الرواية عن معلومة الشهادة؛ لاحتمال اختلاف الحال عند الأداء"
قاعدة:
"أصل العلوم معرفة الإنسان بجهله، وكلما كان به أعرف، كان على رفعه أحرص، وكلما كان الضعيف أبصر بضعفه، كان في طبعه ما يدفعه لتقوية نفسه؛ ولهذا يكون حرص الإنسان على تحصيل العلم بناء على إدراكه لفوارقه عن محيطه؛ لأنهم يبصرونه بنفسه فيريد الترقي معهم"
"في أزمنة الاضراب، وكثرة الحوادث والنوازل، والفتن المتسارعة: تضرب النفوس وتنجذب إلى تلك النوازل؛ حتى يشق على العقل العلم والعمل، واستيعاب مهمات الأمور وأولوياتها، وتحتاج العقول إلى مجاهدة النفس مجاهدة شديدة قوية تدفعها إلى العلم والعمل"
"إذا كان طبع النفس ميالا إلى الراحة واللهو واللعب، قل صبرها على العلم، لأن العلم ثقيل يحتاج إلى مجاهدة وحرمان للنفس من كثير من شهواتها ورغباتها؛ ولهذا قلما تبلغ النفس الميالة بطبعها إلى الراحة والخمول وحب اللهو العلم والإتقان فيه، إلا بمجاهدة ذلك الطبع "
“قد تكون بعض النفوس المتزنة ساميةً بعقول أصحابها ولو كانت جاهلة بلا علم، فتسمو بها عن الجنوح والشطط، وقد تكون بعض النفوس مضربة منزلةً لعقول أصحابها إلى دركات السفه ولو كانت عقولهم على علم وذكاء، ولن يُستفاد من إناء في يدٍ مضطربة"
والعقل الذي يحتاج إليه في معرفة التكاليف والعمل بها هو حد يشترك فيه جميع العقلاء؛ لأن التكاليف الإلهية على الإنسان لا تحتاج إلى ما زاد عمّا يشترك فيه العقلاء.
أمّا حدة الذكاء والحِذْق، فهذا قدر زائد عن التكليف؛ ولأجل هذا ابتدأ التكليف على البالغ في سن الخامسة عشرة كما هو على ابن الستين، والذكاء قوة عقلية، كالشدة قوة بدنية، وكلاهما تزيد بالتمرّس، ولكل قوة أسباب زيادتها في الإنسان، تزيد في أشخاص، وتنقص في آخرين.
وكلام الفلاسفة القدماء كهرقليطس وميليسوس وأنكساغوراس وأنبادوقليس وديموقريطوس وأفلاطون وديوجانسيس وأرسطو، ومن الإسلاميين الفارابيّ ومسكوَيْه وابن سينا والغزالي وابن باجه وابن رشد، ومن النصارى إسحاق بن حنين، ومن المتأخرين رينيه ديكارت وفرويد وغاستون بشلار..
وغيرهم ممن تكلم في النفس والعقل كلام كثير مختلف ومتشابه، وكثير منه مختلف في اللفظ متفق في المعنى؛ لأن كل واحد منهم يتكلم بما انتهى إليه من تجربة، ويفسر النفس والعقل من وجه يواجهه ويراه، وربما فسر بعضهم العقل بالنفس، وفسّر بعضهم النفس بالعقل، واختلفوا في المحرّك لإرادة الإنسان.
وجميع النفوس تشترك في الشراهة والنهم، وطلب المزيد، والرغبة في عدم التوقف عند حد؛ ولهذا خُلقت العقول، وأنزلت الشرائع حتى تضبطها، فالشرائع فيها ضبط عام يستوي فيه الجميع، لا تختلف فيه نفس عن نفس، وأمّا العقول ففيها الضبط الخاص والسياسة الخاصة.
وأما العقل، فإنه ميزان يعطي الإنسان النتيجة بحسب ما تعطيه النفسُ المعادلةَ، فإذا أرادت النفس نتيجة معينة، نقَصت فيما تكره، وزادت فيما تحب، ثم أعطت العقل معادلتها وطالبته بالنتيجة، ثم أمرته بالعمل عليها، والتدليل على صحتها، ولكن العقل يدرك كثيرًا عبث النفس وميلها..
ولهذا يحاسب الإنسان على أفعاله؛ لتقصير عقله بقبول تدليس نفسه عليه.
فحساب النفس قد يختلف عن الواقع، فالنفس لها ساعة زمنية خاصة بها، قد تتطابق مع ساعة الشمس، وربما لا تتطابق بزيادة أو نقص بحسب طبيعة النفس وأعراضها؛ فالنفس المطبوعة على العجلة والحِدّة إذا انتظرت شيئًا، فساعتها كاليوم بالنسبة للنفس المعتدلة، والنفس الباردة البليدة إذا انتظرت شيئًا..
فاليوم عندها كالساعة بالنسبة للنفوس المعتدلة، ولو كانت النفوس تنتظر شيئًا واحدًا لاختلفت في حساب الزمن.
وطبائع الإنسان تتأثّر بما تنشأ عليه، كالبيئات؛ فبيئة البادية والصحراء والبيئة التي يكثر فيها الظلم من القوي للضعيف تؤثر في طبيعة أهلها بالقسوة والشدّة والإقدام؛ لأنها نشأت على التنازع والمغالبة، فتميل طبائعهم إلى ما يوافقها..
ولهذا فأكثر ظهورٍ للخوارج يكون في تلك الطبائع المتأثّرة بما نشأت عليه، وتعتري من نشأ في ذلك الحِدّة في الأمر والنهي..
وتعتري من نشأ في ذلك الحِدّة في الأمر والنهي والعقاب والغيرة، ويقابل ذلك البيئة المترفة المنعَّمة كثيرة الملذات ووفيرة الشهوات، فإنه يكثر فيها الإرجاء وضعف الأمر والنهي والغيرة، وقد ذكر النظر بن شُميل أن الإرجاء دين يوافق المترفين.
وبعض النفوس فيها من الطبائع ما يجعلها تتقدّم على غيرها في جوانب، ولو كان غيرها أرجح منها في مجموع الطبائع، وقد تكون أولى منها في باب العلم والإيمان، فحذيفة بن اليمان كان أمين سر النبي ﷺ لطبع في نفسه، استحق هذا الفضل، مع أن هناك من الصحابة من هو أفضل منه وأكمل.
والتفاضل يكون بين الناس في الأمور المكتسبة والاختيارية؛ كالأدب والعلم، فتلك أشياء مكتسبة يحصِّلها الناس باختيارهم، وهي أصل التفاضل، وأولى الفضائل بالمدح والثناء، وأما غير المكتسبة، فينتفع منها؛ كما ينتفع من بسطة جسم الإنسان وقوة بنائه وطوله في أعمال يصلح لها، ولا يصلح غيره.
ولأجل هذا جاءت الموازنة في الحث على الزينة والتجمّل في الرجال أكثر من النساء؛ لأن المرأة فيها طبع كافٍ تحتاج فقط إلى المحافظة عليه، وأمّا هذا الطبع في الرّجل فهو أقل من المرأة، فاحتاج إلى مخاطبته بالتزيّن والتجمّل؛ لأن الطبع غلّاب.
ويجب أن تكون التكاليف متكافئة مع الطبائع ومكملة لها، فلمّا كانت المرأة البِكْر مطبوعة النفس على الحياء، تستحي من طلب الزواج أو الموافقة عليه، كان من الحكمة الإلهية أن يجعل سكوتها عند عرض الزواج عليها مثل نطقها، فجاء في الحديث: ((البكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتُها).
واشتراط الولي للمرأة في عقود النكاح هو إزالةٌ لما طبعت عليه نفس الجنسين من الضعف بينهما عند تلاقيهما، وهذا نظير كسر ضعف النفس عند خلوة الرجل بالمرأة، فوجود محرم معهما يكسر حِدّة ذلك الضعف، ويقلل أو يُزيل لوازمه.
(المرأة ناقصة عقل ودين):
وأمّا حديث وصف النساء بـ(ناقصات عقل)، فليس المراد بذلك نقصًا حسيًا في تركيبة العقل وتكوينه عن مجرد استيعاب المسموع والمشاهد، ولكن لمّا كانت نفس المرأة ليّنة رقيقة حييَّة، كانت ممسكة للعقل أن يفصح عمّا يريد ويعلم،منسية له عند الخصومات.
وكذلك نقصان عقلها، ليس لعلة في العقل؛ وإنما لأمر خارج عنه مؤثر فيه، وهي رقة نفسها ولينها الطبعي المتأثّر بمواقف الخصومات، فليست المرأة ذات نفس مطبوعة على الجسارة والإقدام في الخصومات والصراعات كالرجل.
فلا يوجد في الطبائع النفسية أشد ضررًا على العقل من الكبر، وقد عدّه الحكيم الترمذي من أضداد العقل، وهو من الطبائع التي يكون الجهل لها خيرًا من العلم فيها، فالكبر يوجد في النفس نشوة تمنع العقل من تحصيل العلم أو النتفاع منه، وكل شعور يعتري النفس يجعلها فوق حقيقتها فذلك هو الكبر.
الله الله:
ومن الوهم ما لا تشعر به النفوس، ولا تؤمن به، فيتأثّر تبعًا لذلك العقل؛ كوهم ابن العالم غِناه عن العلم، فيضعف أخذه للعلم، ولهذا قلّما يوجد في أبناء حذّاق العلماء من هو مثلهم، وهذا الوهم كامن، حتى إنه قد يمنع بعض تلك النفوس من السؤال عمّا لا تعلم فتستفيد علمًا.
ولا بد للمعلم أن يعرف نفوس المتعلمين، فليس كل نفس يصلح لها كل علم، والغالب أن النفوس يصلح لها العلم الذي تحتاج إليه لنفسها ولا يتعدى استعماله إلى غيرها.
ولا خلاف أن كل النفوس تولد مطبوعة بانفراج يكفي لدخول الإيمان بالله، ولكن بعضها أوسع من بعض، وقد يعتري بعض النفوس من التطبّع المكتسب ما يزيدها قبولًا مثل أهل اليمن، أو رفضًا مما يضيق عن حدّ الكفاية لدخول الإيمان، وذلك مثل الطبع المكتسب في اليهود، فقد اكتسبوا عنادًا وعداوةً وحقدًا.
حتى وُجِد في نفوسهم طبع يصدّهم عن الإيمان، لم يولد مولودهم عليه، وفي هذا قال النبي ﷺ: ((ولو آمن بي عشرة من اليهود، لآمن بي اليهود)).
الله الله😍:
والطفل سريع اكتساب التعلم؛ لأنّه نشأ وكل من حوله أعلم منه وأقوى، فكان في نفسه دافع للنهوض، ويسارع في اكتساب أسباب ما يحتاج إليه، فبمقدار ظهور الحاجة يكون الترقّي، وإذا كان الإنسان يعيش وهْم العلم، كان أضعف الناس طلبًا له؛ لأنّه لا يطلب ما هو محصّله!.
ومن النفوس من ضعُف تحصيلها للعلم رحمة بها وبالناس؛ لأنّها تستعمل العلم في غير مواضعه وتستغلّه للهوى، ومن هنا قال ابن المبارك: (لقد منّ الله على المسلمين بسوء حفظ إسماعيل بن خليفة). وسبب ذلك: أنّه لو كان حافظًا لاستعمل محفوظاته في غير الحقّ، وفَتَن نفسه وفتن الناس معه.
وكما تؤثر الطبائع في العلم ونوعه ومقداره، فإن الشهوات كذلك، وهي أقوى تأثيرًا فيه، حتّى إنّ بعض النفوس تجعل العلم وما تختاره منه وسيلة توصلها إلى تحقيق شهوتها، ولا تخرج من أدلته إلا ما تهوى، فتنتقي به ما تشتهي، كما ينتقي الآكل ما يشتهي من الطعام.
الإنسان الغني إذا سرق المال الحقير، فإن هذا دليل على شدة ضعف النفس ودناءتها، وأن قناعة العقل فيه مختلّة في تقدير الخير من الشر ، ومثله يستحق العقوبة التعزيرية أشد من غيره من الفقراء وأصحاب الحاجات، وأمّا سرقة الفقير فلا يرفع فقره عنه عقوبة السرقة، ولكن يخففها إن كانت تعزيرًا.
فالثواب والعقاب كلبس الثياب؛ يختلف التاس في طولهم، وعرضهم، ونوع حاجتهم في حرٍّ أو برد أو ستر عورة، وحقهم في التساوي هو في استيعاب حاجة كلّ واحد منهم وسدّها، فإن سُدّ الجميع كانوا متساوين.
وقد تختلف تلك المحرّمات بحسب الأزمنة والبلدان والأشخاص؛ فالزمن الذي تشيع فيه الكبائر وتُعلَن، ينبغي أن تخفف فيه شدة الخطاب على الصغائر، أو يسكت عنها إلى أجل، من غير تشريعها؛ لأن نفوس أهل هذا الزمن أو البلد تتأثّر بخطاب الصغائر فتَنفِر..
لأنها متوطنة على ما هو أشد منها، وهذا قد يكون في الأشخاص؛ فنفسُ الغارق في الكبائر ليست كنفْسِ من يستوحش من الصغائر.
ولو أنّ الأنبياء عاقبوا كل مخطئ بأي حال، لكثرت خصومهم، ونفَرَ الناس منهم، فإن من أعظم ما يظهر النّفاق: العقوبة على كلّ خطأ، والثواب على كل صواب.
وقد نَظَر عمر بن الخطّاب في ترك النّفي والتغريب - وهو عقوبة في ذاتها مشروعة - لمّا كانت سببًا في دفع الإنسان إلى شرٍّ أعظم من شرّه الذي عوقب عليه، وقد نفى عمر بن الخطاب رجلًا في الخمْرِ، فلحِق بالروم وتنصّر، فقال عمر: ((لا أُغرّب بعده مسلمً)).
والعقول تتوافق وتتآلف ولو تباينت في مقدار العلم، إذا كانت النفوس متوافقة، فقد يصاحب العالم جاهلًا، ولكن قلّ أن تتآلف النفوس إذا تنافرت، فالنفوس كأسنان التُّرس الذي يسير بمثله، إن امتد طرف انكمش الآخر، وإن امتد الآخر انكمش الأول حتّى تسير التروس.
ويوجد نفوس غالبة الكمال، فتتوافق مع أكثر النّفوس، لكنّها لا تتوافق مع صنف أو صنفين أو ثلاثة، ويوجد منها ما تتوافق مع نصف النفوس أو ربعها، ومنهم من نفسه لا تتوافق من أحد، وتُنازع كلّ نفس تُقاربها؛ حتّى لا تأْنس بأحد، ولا يأنس بها أحد.
كفنا الله شر الآخير!
كان بعض العلماء يأخذ من المجالس أولها، ويفارقها قبل أن تطول؛ لأنّ النفوس في أوّل المجالس تُخرج أحسن ما في عقولها، كما قال الزهري: (إذا طال المجلس، كان للشيطان فيه نصيب).
وكم من نفس ناقصة كمّلها عقلٌ راجح بسياسته لها، وحكمته في وضعها في مواضع تصلح لها، وحمايتها عن ضد ذلك.
وقد تتجاوز حدود تأثّر الإنسان بطبائع من حوله من الناس إلى تأثره بطبائع الحيوانات التي يختلط بها، فالإنسان يؤثر فيها ويتأثّر بها، فالمعروف أن أصحاب الإبل فيهم غلظة وشدة طبع اكتسبوه منها، وأصحاب الغنم فيهم سكينة وهدوء طبع اكتسبوه مِنْها..
وفي هذا جاء الحديث: ((الفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل، والفدّادين أهل الوبر، والسّكينة في أهل الغنم)).
وللنفس حق على العقل في إعطائها شهوتها الصحيحة بالطريقة الصحيحة، وتقييدها عمّا عدا ذلك.
فالنفس إذا اشتهت أسرَت العقل، وساقته في تحقيق رغباتها، وتسمى النفس المأسورة بالشهوات بالنفس الفقيرة، وقد استعاذ النبي ﷺ من الفقر، وفسّره أحمد بن حنبل بأنّه فقر النفس.
فقهُ النْفس:
ومنع النفس من حقها في المتعة والشهوة أذيّة فها، وربّما يدفعها ذلك إلى التمرّد عليه، والخروج عن قيده، وقد قال ابن مسعود: (استبق نفسك ولا تكرهها، فإنّك إن أكرهت القلب على شيء عمي).
فإن الحيوان المريض بالجَرَب يحكّ جلده حتى ينتهي ولو أدمىٰ؛ لأنه ليس لديه عقل يوقفه عن بلوغ غايته، وقضاء لذّته ونهمه؛ فهي منتهاه، وأمّا الإنسان فليس قضاء نهمه هو المنتهى لديه، ما لم يحكُمْه العقل!
التدرج في التطبيع:
كما حدث مع قوم لوط، فإن الشذوذ عنده لم ينشأ من الرجل إلى الرجل بلا تدرج، بل وقع الرجال في أدبار أزواجهم، ثم في أقبال وأدبار غيرهن من النساء، ولم يكونوا حينها يجدون أدنى ميل في نفوس الرجال إلى الرجال، ثم بدؤوا بالميل إلى استحسان الرجال للرجال..
حتى استحسنوا منهم ما يستحسنونه من النساء، فحاجز وطء أدبار الزوجات حدث في جيل، وحاجز الوقوع في غير الزوجات من النساء كُسِر في جيل، والجيل الثالث وما بعده هو الذي وقع في الشذوذ التام من جميع الوجوه.
والعقل الذي يطلق للنفس تحقيق رغباتها متى ما أرادت في كل زمان يدل على غلبة النفس عليه، وهي إمّا غلبته لقوتها، أو أنها غلبته لضعفه ولو لم تكن قويّة في ذاتها، وهذا في كل حال يسمّى السّفه، وأصحابه يسمّون بالسّفهاء.
وشهوات الإنسان تختلف؛ منها ما ينتهي إلى حد، كالأكل فإنه ينتهي إلى حد الشبع، وكالشرب فإنه ينتهي إلى حد الريّ، ومنها ما لا ينتهي نهمه؛ كالمال والجاه وغير ذلك!
وكلما كان العقل بصيرًا بالعواقب خبيرًا بها، كان ضبطه لنهم النفس أقوى، وكانت هي في مواجهتها له أضعف.
ولا توجد شبهة إلا وهي نابتة على الأرض شهوة، حتى تتحول إلى كونها مذهبًا متبوعًا، وربّما دينًا أو عادةً في الناس، وهذه قاعدة في كل الأمم والشعوب، تصنع شهواتهم مذاهبهم الباطلة.
والنفس إذا اشتهت هويت، فالشهوة قبل الهوى، وكلاهما نسبهما الله إلى النفس، سواءً كانت خيرًا، أو شرًا، قال تعالى: ﴿تَشتَهي أَنفُسُكُم﴾. وقال: ﴿اشتَهَت أَنفُسُهُم﴾. وقال: ﴿تَهوَى الأَنفُسُ﴾.
وكثير من المصلحين يرى الناس مستمرين على الأخطاء بأفعالهم، غير مقلعين عنها، ولا مستمعين لقوله، ثم يدركه الملل واليأس ويتركهم، مع كونهم يفعلون الأخطاء بشهوة وانقياد للنفس على الجسد فحسب، من فير قناعة العقل، ويقين القلب، والواجب عليه أن يستمر..
لأن ثمة فرق بين فعلهم للشهوة وهي شهوة، وبين فعلهم للشهوة وهي شبهة، وفرق بين تزاوج أنفسهم مع أفعالهم، وبين تزاوج أنفسهم مع عقولهم، واستمرار المصلح في إصلاحه يحافظ على انفكاك الباطن ولو كان الظاهر متصلًا بالأخطاء، مستمرًا عليها.
وأقوى الشهوات تأثيرًا في العقول شهوة الجاه، وأضعفها تأثيرًا في العقول شهوة الطعام.
ومحبة الجاه والذكر الحسن، وكراهية الذكر السيئ: طبْع الناس الأسوياء، ولكن الكلام هنا عن شهوة الجاه، وهي قدر زائد عن الطبع الذي يشترك فيه كل الناس، وهي التي تؤدي إلى جعل الجاه غاية ومنتهى المطالب، فيأخذ الإنسان الوسائل لأجل تحقيق تلك الغاية.
خفايا الجاه والنفاق:
حتّى يستميت بعضهم في البعد عن الناس؛ حتّى لا يُذكر ولا يُرفع، وهو في باطنه يحب أن يذكر بحب البعد عنهم لأجل ذلك، وإذا سئل عن شيء يقول: (لا أدري) وهو يريد أن يوصف بالحذر من القول بلا علم؛ حتى يقول: (لا أدري) فيما يدري!
وهذا في نفسه شرٌّ ممّن يقول: (أعلم) فيما لا يعلم، وإن كان الثاني شرًا منه في ضرره على النّاس.
والطرُقُ إليه وحده - أي: الجاه- أكثر من جميع الطرق الموصلة إلى جميع الشهوات؛ ولأجل هذا جاء في الحديث أن أوّل من تسعّر بهم النارُ يوم القيامة ثلاثة، وجميعهم من طلّاب الجاه، الأوّل بذل حياته، والثاني بذل وقته فتعلّم، والثالث بذل ماله، وكلّهم غايته الجاه.
ولما كان أبو بكر وعمر مقدَّمين في العلم والإيمان، وجاءت نازلة الردّة بارتداد قبائل العرب ثمّ تمرّدت، وأبو بكر مطبوع على اللين، وعمر مطبوع على الشدّة، جاهد أبو بكر طبع اللين الذي هو عليه إلى الأخذ بالشدّة، مع أن الشدّة من طبع عمر وهي الأولى بالإقدام
وكان في عمر من قوة العلم والإيمان ما خالف باجتهاده أول الأمر طبعه، فلم تؤثر فيه شدة طبعه وهو يرى خلافه، حتى استبانت له حجة أبي بكر الموافقة لطبعه، فأخذ بها لدليلها، لا لطبعه، وكل واحد منهما لم يؤثر طبعه عليه في فعله، وإنّما كان الفارق بما زاده أبو بكر من علم وإيمان في إصابة الحق
واكتساب العقل للعلم أنفع له من اكتساب البدن للقوّة، فالعلم يبصّر الإنسان بمواضع الانتفاع بالجهد القليل، والوصول إلى الغاية بأسهل طريق.
من ذلك أن نبي الله سليمان-عليه السلام -لمّا أراد عرش ملكة سبأ، بادَرَ إلى إجابته بتحقيق مراده اثنان من الجنّ، الأوّل قال: ﴿أَنا آتيكَ بِهِ قَبلَ أَن تَقومَ مِن مَقامِكَ﴾.
وأمّا الثاني، وهو الذي لديه علم ليس لدى الأوّل، فقال الله فيه: ﴿قالَ الَّذي عِندَهُ عِلمٌ مِنَ الكِتابِ أَنا آتيكَ بِهِ قَبلَ أَن يَرتَدَّ إِلَيكَ طَرفُكَ﴾. لأنّه يتحصّل بالعلم ما لا يتحصّل بالقوّة.
لله هذه العقلية:
فالقوة البدنيّة لا تنفع كثيرًا بلا عقل عالِم يقودها، ولكنّها قد تضر، والضرر عندها أسهل من النّفع، فالفيل لا يمكّن أن يبني عُشًا، ولكنّه قد يهدم قصرًا؛ لأنّ البناء يحتاج إلى عقل، وأمّا الهدم فلا يحتاج إلى كبير عقل.
حتى الشورى لا تُشاور إلا من يعطيها مرادها، فتُسكِّن العقل بأنّها شاورت، وهي انتقت من يوافقها في الهوى ويطابقها في الصورة، ومن اختار في الشورى من يوافقه فكأنّما أشار إلى ظلّه شاهدًا معه! .
وهذا الاختلاف هو ما يجعل بعض النّفوس تتباين، فمنها ما هي شديدة الأنَفَة والعزّة، فترى الموت جوعًا وسكنى العراء: خيرًا من سؤال النّاس، ومن النفوس من هي عكس ذلك؛ فلو كانت غنيّة فإنّها لا ترى حرجًا من سؤال الناس تمرةً إذا اشتهتها النفس.
وأمّا إذا جعل الإنسان إحدى شهواته غالبة، كانت هي قائدته، وعليها تُبنى أولوياته، ويكسو تركه لغيرها بكساء الفضيلة والدين والنّبْل، وهذا ما تفعله بعض النفوس التي تولع بحب الوجاهة والصدارة والشهرة والذكر الحسن..
ربما تركت شهوات تخدش جاهها وشهرتها عند النّاس، ودليل ذلك أنّها لو تيسّرت لها تلك الشهوات من غير تأثير على وجاهتها، لكانت أشد إقبالًا عليها، ونهمًا في الاستمتاع بها.
للنفس طاقة كما أن للبدن طاقة، إذا أجهده بالركض مسرعًا فإنّه ينقطع، ولو مشى واستراح لوصل إلى الغاية ببدن صحيح، وهكذا في إقبال النفس على ما ترغب ولو كان خيرًا أو حقًّا، فإن إطلاق العقل للنفس في كل إقبال يستفرغ وسعها وهمّتها، ثمّ يدركها العجز والضعف والملل، حتّى تترك الخير وهي تحبّ!
الله الله:
فإذا كان الإنسان يتكلّم أو يعمل، وفي أثناء ذلك عَلِم أن هناك من يلاحظه ممن يحبّه أو يكرهه أو يعظّمه أو يهابه، اضطربت نفسه، فتغيَّر في كلامه أو فعله، ولن يستقر حتّى يتدارك نفسه بتجاهل ذلك ليتوازن، فإذا استقرّت النّفس استقرّ العقل معها.
فالنفس تحب أن تكون مطمئنّة؛ فترجّح غالبًا تصديق الأخبار المطمئنة ؛ تريد السكون والاستقرار، فتترك الحذر حتى تتفاجأ بخلاف ما تحب، فينزل بها ما تكره، فيكون ضرره عليها أطول زمانًا وأشد من ضرر عرض القلق الذي هربت منه بتصديق الأوهام، وهنا يظهر كمال العقل في موازنة الحقائق بحسب أدلتها.
والنفس تحبّ استدعاء محبوباتها بصورة عاجلة؛ من متعة وفرح وراحة، وهذه علامة الإنسان الفاشل؛ لأنّ المجد والكمال لا يتحقق إلّا بآلام البدايات، والنفس التي لم تحرَق لا تُشرِق.
فالفرح يعطي النفس نشوة تَأطِرُ العقل على عدم رؤية الحقائق البعيدة، وإذا لم تجد النّفس مقاومة من العقل لهذا العرض، فإنّها تستبدّ وتسير به إلى ما تريد وتهوى؛ ولهذا تجد عند خوف النفس من تأثير قوّة حجج المخالفين لها وبراهينهم التي لا تجد ردًّا عليها ..
أنّها تقوم باستجلاب السخرية والاستهزاء؛ حتّى تُشغل عقلها ونفوس الآخرين، بنشوة فرح وضحك تعمي عقولهم عن استيعاب حُجة الخصوم، وفي هذا يقول الله: ﴿فَاتَّخَذتُموهُم سِخرِيًّا حَتّى أَنسَوكُم ذِكري﴾.
إذا هيأ الإنسان أسباب السعادة ولم تسعد؛ فلأن النفس فيها من أسباب الشقاوة أكثر من ذلك، فلا تتحقق سعادتها حتى تنقص من هذا وتزيد من هذا؛ حتى تشعر بما تريد، وهذا كذلك في الأمن مع الخوف، والفرح مع الحزن..
ولأجل هذا يوجد من أصحاب الإيمان واليقين من السعادة مع كثرة المصائب عليه ما تفقده الألم والحزن، ويوجد من أصحاب ضعف الإيمان واليقين من الشّقاء مع كثرة النِّعم المسْبَغَة عليه ما تفقده المتعة واللذة.
وإذا لم يكن العقل موجودًا، فالإنسان حينها كالحيوان؛ يعيش بنفس فقط تأمره وتنهاه، وهو ينقاد لها، فالعش الذي يبنيه الطير في زمن آدم هو نفس العُش الذي يبنيه الطير اليوم، ويأكل ويشرب ويمرض ويموت بنفس الأسباب وبنفس الطريقة، مع كثرة أعراض الخوف والمخاطر عليه، فإنّه لا ينتفع منها.
والعقل مع النّفس يُخرجها من هذا السياق، بحسب ما في العقل من علم ومعرفة وخبرة.
وكلمّا كان العقل قويًا بالعلم والخبرة، كان بصيرًا بطبع النفس وهواها وميلها، فيتعامل معها كما يتعامل ربّان السفينة مع قاعدتها - وهي البحر - بأمواجها وهدوئها، ويتعامل كذلك مع الهواء بحسب جهته، وكذلك قوّته وضعفه.
وبعض الأفكار تركها خير من تطبيقها الخاطئ، فلو تُرِك الجسم بلا زينة خيرٌ من وضع الخاتم في أصابع القدم.
يازينك يابوعمر 😂❤️
الهوى في التدين:
ولهذا يوجد في بعض النفوس المقبلة على التديّن من تُشْبِع إقبالها بمستحبات وتترك الواجبات، وتتورّع عن مكروهات وترتكب محرّمات، والسبب في ذلك أنها اشتهت المستحب ففعلته، ولم يتعارض المكروه مع شهوتها فتركته.
وإذا لم تكن الأعمال والأفكار في النفوس منتظمة ومتّسقة، فإنّها تكون سريعة السّقوط والانهيار، وتكون النفوس أقرب إلى الانتكاسة منها إلى الثبات.
إذا اجتمع في الإنسان سلامة طبعه وكثرة تجاربه، اجتمع فيه كمال العقل، كما قال معاوية: (العقل عقلان: عقل تجارب، وعقل نَحِيزة، فإذا اجتمعا في رجل، فذاك الذي لا يقام له، وإذا تفرّدا كانت النحيزة أَوْلاهما.
وقراءة كتب التاريخ هي عمر الإنسان الذي يحياه بتجارب لم يجرّبها، وحوادث لم يعشها، وأكثر الناس معرفةً لتجارب لم يرها هو أكثرهم قراءةً في كتب التاريخ الصحيح، والسنة في الأفراد والأمم ماضية متشابهة، ليست مختلفة ولا متباينة، وكل أحوال اتحدت أسبابها فلا بدّ أن تتّحد نتائجها.
وصاحب العلم الذي لا يطيل التفكّر في الأمور والتأمل فيها قليلُ الانتفاع من علمه لنفسه ولغيره، ويكون صاحب العلم القليل الذي يفكّر في علمه أنفع من كثير العلم الذي لا يفكّر، ولهذا يرتفع صاحب الحفظ القليل فقهٍ كثير على صاحب الحفظ الكثير بفقهٍ قليل.
العقل المفكّر لا بد له من معلومات يخوضها ويديرها بفكره، ليُخْرج من هذا الخليط مزيجًا نافعًا، وإذا كان التفكير بلا علم، أو تفكير كثير جدًا بعلم قليل جدًا، كانت الزيادة في ذلك مضرّة، وذلك أن التفكير يتحول من التأمل في المعلومات إلى التأمل في النفس وخطراتها، ورغباتها وطبعها وميلها.
ودعوة الجهّال إلى التفكير بلا علم هي دعوة لهم إلى أن يبدعوا في الجهل وتنظيمه، والهوى وتحسينه، وإتقان الوصول إليه، وهذا يظهر كثيرًا في الذين يولعون في التفكير وتعظيمه، ويدعون إليه وهم مهملون للعلم والمعرفة.
وأخطر أنواع التفكير تفكير الحاذق بالمعرفة الخاطئة أو المخلوطة حقًا بباطل وخطأً بصواب، والواجب قبل التفكير بما يخدم المعارف والعلوم التفكّر في صحتها في ذاتها.
ولا يلزم من صحة كل علم صحة إطلاق التفكير فيه؛ وذلك أن التفكير جهد وتنقيب يجهد العقل، كما يجهد الحفر والتنقيب البدن، فالإنسان لا يحفر بئرًا ليستخرج قطرة، ولا يفتت حصاة ليستخرج منها معدنًا لا ينفعه، ولكن يستسهل تفتيت الجبال لاستخراج الذهب.
وكثيرًا ما تختار النفس التفكر في علم لا لذاته وآثار نفعه؛ وإنّما لأنّ ذات العلم يكسب صاحبه جاهًا أو مالًا، فالنفس اتخذت ذلك العلم وسيلة لتحقيق شهوة مجردة، وليس لتحقيق نفع، وهذا يحدث كثيرًا إذا أطلق للنفس اختيار العلوم، فهي لا تنظر إلى آثارها، وإنما تنظر إلى آثارها على رغباتها.
"والنفس إذا مُكّنت من التفكير في شيئين تشتهي بقوةٍ أحدهما، فإن طول التفكير لا يزيدها إلا ميلًا إلى ترجيح ما تشتهي، والوليد بن المغيرة كانت نفسه ميّالة إلى شهوة الجاه والأنفة وعدم التبعية، ولما سمع القرآن تفكّر فيه وأطال، ولم يكن ذلك بعقل متجرد منه بلا سطوة النفس..
فما زاده طول تأمله وفكره إلا عنادًا، وخرج بنتيجة ظالمةً لا تمحّص رأيه؛ وإنّما تحقق شهوته؛ ولذا قال الله عنه واصفًا تفكيره الطويل: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ • فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ • ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ • ثُمَّ نَظَرَ • ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴾ ..
وكانت نتيجة طول تفكيره ﴿ ثُمَّ أَدبَرَ وَاستَكبَرَ • فَقالَ إِن هذا إِلّا سِحرٌ يُؤثَرُ﴾.
وحقيقة الأمر لا يحتاج لطول تفكير لوضوحه، ولو استسلم وانقاد لإعجاز الوحي من أوّل الأمر، ولم يمكّن للنفس بطول التفكير أن تؤصل فيه ما تهوى حتى غلبته، لوصل إلى الصواب".
"كثير من أصحاب العقول الراجحة يُحبسون في حجرة سنين طويلة وأنفسهم مستقرة؛ لأن استقرار النفس بحسب سياسة العقول لها، وليس بمقدار ما تُحرم، فإن كمال الإنسان بكمال سياسة عقلِه لنفسه.
وقد أفلح من زكّاها، وقد خاب من دسّاها، والله أعلم، وبه التوفيق".
انتهى، بحمدالله ومنّهِ وحده.

جاري تحميل الاقتراحات...