سعيد صالح | Saeed
سعيد صالح | Saeed

@s3eed_176

51 تغريدة 172 قراءة Dec 11, 2019
هل أتى على النساء حين من الدهر كنّ فيه زعيمات المجتمع؟ أم أن مقاليد الأمور كانت دائماً في أيدي الرجال؟!
سلسلة تغريدات عن تاريخ تطور المجتمعات، من زعامة الأنثى الى هيمنة النظام الأبوي:
لم تقتصر الحركات النسائية، في السنوات الأخيرة على تنبيهنا إلى تلك الأنماط الجنسية الثابتة، لشخصيتي الذكر والأنثى، والتي تُفرض على الصبية والفتيات، بل أبصرتنا أيضا بعدم التكافؤ في السلطة بين الرجال والنساء في مجتمع البالغين.
إن السلطة الاقتصادية في العمل، والسلطة السياسية في المناصب العامة، والسلطة الاجتماعية داخل الجماعة يتولى الرجال مقاليدها بنسبة تفوق ما يسمح به عددهم.
فمتى تكوّن "عالم الرجل" هذا ؟ وهل أتى على النساء حين من الدهر كن فيه زعيمات المجتمع؟ أم أن مقاليد الأمور كانت دائما بأيدي الرجال؟ ومن أين استمد الرجال سلطتهم؟ وإذا كنا نعيش في كنف النظام الأبوي، فمتى كانت نشأته؟ وما أسبابه التاريخية؟!
بالعودة للعصر الباليوليثي والذي يسمى بالعصر الحجري القديم، والذي ابتدأ قبل 12 ألف سنة من الميلاد"، وهو العصر الذي بدأ به التأريخ للحياة البشرية العاقلة التي ظهر فيها البشر الهومو والأسترالوبيثكس، وتبعهما الإنسان العاقل "هوموسابيان" الذي بدأت به الحياة الإنسانية.
نجد أن هذا العصر كان أبوياً نوعاً ما لأن الإعتماد كان على الصيد بصفة عامة ومواجهة الوحوش المفترسة كانت تتم عن طريق الرجل، لكن ولأنه كان عصراً بدائياً جداً فسيادة الرجل كانت مجرد وظيفة آنية تنتهي بمجرد الإنتهاء من الصيد والعودة للديار.
وهي غالباً كهوف ومغارات محمية، فيأتي محملاً بالصيد ليترك مهمة إعداد الغذاء الى النساء اللاتي كُنّ قد فرغن من جمع والتقاط الفواكه والحبوب البرية وهو النوع المشابه للصيد من وسائل العيش في ذلك العصر حيث يتولين إعداد وتقديم الطعام.
بعد ذلك جاء العصر النيوليثي "وهو العصر الحجري الحديث" والذي ابتدأ قبل 10 آلاف سنة من الميلاد.
كان ذلك عصر إكتشاف الزراعة عن طريق النساء، اللاتي وخلال أداء مهامهن في جمع والتقاط الفواكه والحبوب بينما الرجال مشغولون بالصيد تعرفن على ملامح إستئناس النباتات وطورنها ليبدأن الزراعة ويبرعن فيها ويؤمنّ الغذاء لعوائلهن.
مما إستدعى من الرجل التقليل من الصيد ذو المخاطر وخضع للمرأة التي عرفت أسرار الزراعة وكل ما هو متعلق بها من جني المحصول ونزع قشرته وطحنه وتحويله الي أغذية صالحة للأكل.
المرأة لم تكتفي بمعرفة أسرار الزراعة فقط بل وأسرار النباتات والمزروعات وإستخداماتها المختلفة من ناحية طبية وسمّية وخمرية (نسبة للخمور) وبذلك أخضعت الرجل إليها فأصبحت طبيبته ومسكرته، ومسمّمته إن حاول إستعمال قوته العضلية ضدها.
لقد خلقت الزراعة أول شكل من "اقتصاد الوفرة" : فهي أول اقتصاد يتوفر فيه للناس من الطعام ما يفيض عن حاجتهم. وما كان هذا ليحتقق لولا الإدخار وحسن التدبير الذي كانت تقوم به النساء.
هذه النقلة العظيمة التي أطلق عليها عصر الثورة "النيوليثية" والتي بلغت الذروة في سنة 4000 قبل الميلاد جعلت الرجل ينظر للمرأة بعين التقديس لأنها كانت تمنحه الحياة، فهي التي تؤمّن له الغذاء والكساء والدواء بل والترفيه "الخمور والليالي الحميمة".
وقد ظهر هذا التقديس جلياً في أساطير الإلهات والربات الزراعيات اللاتي يحيين الأرض بعد موتها فتزهر وتثمر، والخصبات اللاتي يمنحن الحياة عن طريق الولادة.
فإتخذت كثيراً من الشعوب القديمة آلهة من النساء مثل "إيزيس" في وادي النيل، و "تيامات وعشتار" في بلاد ما بين النهرين و "كالي" في الهند والسند، وعبدوا الإبنة الشابة العذراء، "العذراء كان لفظاً له معنى آخر حيث لم يكن يعني التي لم تلد أو لم يمسسها ذكر وإنما كان يعني "المستقلة".
كانت زعامة المرأة ماثلة في كل جانب من جوانب القرية في العصر الحجري الحديث، فلم يقتصر على أبنية القرية المادية بأسوجتها الواقية، فالأمان والتفهم والإحاطة والحضانة كلها من وظائف المرأة، وجرى التعبير عنها تعبيراً بنائياً في كل جانب من جوانب القرية.
في البيت والفرن، وفي الحظيرة وصندوق المؤن، في الصهريج وفي المخزن وصومعة الغلال، ثم انتقل منها إلى المدينة في السور والخندق وكل الساحات الداخلية للمباني - من الردهة إلى الرواق المنعزل. فالبيت والقرية، بل المدينة ذاتها، في نهاية المطاف، صورة مكبرة من المرأة.
وتتفق مع هذا الأبنية الأكثر بدائية - البيوت والحجرات والمقابر - وهي عادةً تكون مستديرة الشكل : أشبه بالكأس المستديرة الأصلية التي تصفها الأسطورة اليونانية بأنها صيغت على هيئة ثدي أفروديت".
إذاً، هل كان العصر الحجري الحديث عصر النظام الأمومي؟ وهل تُرجمت الأهمية الإقتصادية والدينية للنساء في العصر الحجري الحديث إلى سلطان سياسي على العشيرة أو القبيلة أو القرية؟ هذا ما لا نعلمه.
لكن تقول "جاكيتا هوكس" وهي من علماء العصر الحجري الحديث: إن المجتمعات في ذلك العصر، طوال امتدادها في الزمان والمكان قد بوأت المرأة أعلى مكانة أدركتها طوال التاريخ".
فالعصر الحجري الحديث، حتى لو لم يقم على النظام الأمومي بشكل كامل، لكن كانت مكانة وسلطة وأهمية المرأة فيه أقوى وأكبر.
فكيف انتهت زعامة المرأة ليبدأ النظام الأبوي؟
في حين كانت النساء يرتقين بفن الزراعة بعد عام 8000 قبل الميلاد، في أودية أنهار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي أنحاء من الهند والصين بعد هذا بقليل، كان الرجال يزدادون دراية بالحيوان الوحشي.
فقد بدأ الرجال يتعلمون تدريجياً أن يحتفظوا بالحيوانات في قطعان يسيطرون عليها، ومن ثم يمكنها أن تتكاثر وهي أسيرة المرعى. وهكذا نجحوا في ترويض الأغنام والماعز والأبقار والخيل والثيران.
ومع عام 3000 قبل الميلاد كانت هذه القطعان تقدم ما يكفي من الطعام لسد حاجة جماعات سكانية أكثر كثافة مما كان في القرى القديمة بالعصر الحجري الحديث.
واهتدى الرجال أيضاً إلى تسخير بعض هذه الدواب "ولا سيما الثيران" في حرث حقول شاسعة، في حين كانت النساء من قبل يزرعن بقعاً صغيرة باليد.
وما أن اخترع الرجال المحراث الثقيل، وربطوا عالمهم الحيواني بعالم الفلاحة النسائي حتى أصبح في إمكان البشر لأول مرة إنشاء المدن وتزويدها بما تحتاج إليه، وقد كانت هذه المدن أشد اصطباغاً بالنظام الأبوي، من اصطباغ قرى العصر الحجري الحديث بالنظام الأمومي.
-يتبع.
المحراث الثقيل والمدن - أصول نظامنا الأبوي:
اشتملت أولى قرى العصر الحجري الحديث على نسب متساوية من الرجال والنساء. ونظراً لاضطلاع النساء بالأعمال الرئيسية في هذه التجمعات، فقد كان دور الرجال ثانوياً في الغالب.
ومن جهة أخرى كان الرعاة في المراعي المحيطة بهذه القرى الأولى بعيشون بطريقة مختلفة. فهم أكثر ترحالاً من أهل القرى، ولم تكن لهم ممتلكات ثابتة إلا فيما ندر، كما كانت حياتهم أشق وأقسى. كانت النساء بطبيعة الحال يعشن مع الرعاة، ولكن في هذه الجماعات البدوية كانت النساء تابعات للرجال.
والمدن كانت ثمرة لإقتران هاتين الثقافتين المتباينتين في العصر الحجري الحديث؛ الجماعات الزراعية المتأثرة بالروح الأنثوية، وجحافل الرعاة التي هيمن عليها الذكور.
وكانت ثقافة المزرعة أكثر ابتكارا وأشد تعقيدا من ثقافة المرعى. بل إن حياة الرعاة لم تتقدم كثيراً عن ثقافة الصيادين في العصر الحجري القديم.
فلما اضطرت هاتان الثقافتان إلى التعايش في سلام واتحدتا إلى درجة أصبح من الممكن معها نقل الرعاة ومواشيهم إلى الفلاحة - وهي المصدر الحقيقي لمكانة النساء - أصبح الرجال حينها هم الذين يتولون في العادة مقاليد الأمور.
حين توسع الرجال في القيام بالأعمال الهامة، فرضوا أنفسهم في المجتمع، وهيمنوا على المدن المتنامية، وعدّلوا الثقافة على صورتهم، فقام الأرباب مقام الربات.
بل إن الآلهة المقترنة بالزراعة صارت مذكرة، كأوزيريس في مصر وباخوس Bachus في اليونان على سبيل المثال. بل لقد حلت الآلهة محل ربات الأرض الأم Gias كمصدر للحياة والتكاثر.
وأصبح أب السماء زيوس في أهمية الأم للأرض. وغالباً ما أصبح الناس يتصورون المطر في الغالب على أنه المني الخصب لأب السماء. وتنكر إحدى الأساطير المصرية دور الأنثى في الحمل تماماً، إذ كانوا يعتقدون أن الإله المصري آتوم خلق الكون من جسمه بالاستمناء.
وكما أشار ممفورد : "لم يكن في استطاعة الذكر المتباهي استخدام كلمات أكثر وضوحاً كي يدلل على أن النساء لم تعد لهن أهمية في النظام الجديد للحياة".
اكتشف "ممفورد" أن المدينة نفسها هي النتاج المميز للخصائص الجنسية الذكورية، كما كانت القرية في العصر الحجري الحديث تعكس الخصائص الجنسية الأنثوية.
كثير من الرموز والتجريدات الذكرية قد أصبحت الآن جلية، إنها تتبدى في تكرار الخط المستقيم والمستطيل، والتصميم الهندسي المحدد بوضوح، والبرج المنتصب، وربما كان مما له دلالته ان المدن الأولى تبدو دائرية الشكل إلى حد كبير، في حين أن قصر الحاكم والحرم المقدس كانا محصورين في مستطيل.
كان ظهور الرموز الذكورية انعكاساً لسلطان الرجال. ومما له دلالة أن المدن قد أعطتنا ملوكنا الأوائل. لقد كان رجال هذه المدن في الحقيقة هم الذين خلقوا النظام الملكي. أما القرى في العصر الحجري الحديث فلم يكن لها قادة ثابتين ودائمين.
يبدو أن تأثير المحراث لم يقتصر على تمكين الملوك من التحكم في المدن، بل امتد تأثيره إلى نطاق الأسرة، حيث فرض الأباء هيمنتهم.
والسبب في هذه التغيرات يرجع إلى أن الرجال قد اقتلعوا الأساس الإقتصادي لمكانة المرأة.
فلم يقتصر الأمر على جعل الفلاحة عمل الرجال، بل حرموا النساء من دورهن في الحرف الأخرى، فقد كان النساء رواد صناعة الأواني والخزف، قبل أن يبتكر رجال المدن عجلة كانت وسيلة أكثر فاعلية لصناعة القدور، ليصبحوا هم "في جميع الحالات تقريباً" صناع أدوات الحرف.
وفي الوقت الذي زاد فيه الرجال من سلطانهم على النساء بدأوا يسنون القوانين لتأكيد هذا السلطان ولإضفاء الشرعية عليه.
ومن أقدم المدونات القانونية التي وصلت الينا من هذه المدن الأولى قوانين الملك حمورابي ملك بابل في بلاد ما بين النهرين.
فقانون حمورابي - الذي دوّن حوالي 1750 قبل الميلاد والذي هو عبارة عن مركب من العادات القديمة والأفكار الجديدة - يظهر لنا كيف كانت أقدم المدن تعامل النساء.
فالنساء، حسب تلك القوانين، كن ملكاً لأزواجهن أو آبائهن. إذ إن الزوج يملك أن يطلق زوجته بملء حريته، أو - إذا شاء - يعدُّها أمة له. والقانون يرغمها - بحكم كونها أمة - على طاعة زوجها. ولا يقتصر الأمر على هذا، بل يرغمها أيضا على طاعة أي من الخدم الأحرار في المنزل!
كما يملك الزوج أن يقدم زوجته لدائنيه ضماناً لديونه. ولم يكن القانون ليقتضيه أن يسدد ديونه، طالما كانت زوجته ضماناً لهذه الديون لمدة حددت بثلاث سنوات في بداية الأمر، ثم امتدت إلى أجل غير مسمى.
وقد أصبح نظام الاستدانة بضمان الزوجة نظاماً مربحاً للغاية في تجارة الرقيق. وكانت الحرائر يواجهن الموت عقاباً على خيانتهن لبعولتهن، بينما كان في وسع الأزواج ممارسة الزنا دون التعرض لأي عقاب.
-يتبع.
إن هذا الإنقلاب الذكوري الهائل على المرأة وتحجيم مكانتها كان بسبب سيطرة الرجل على الإقتصاد، من زراعة وصناعة، بعد أن كان الإقتصاد في بادئ الأمر بين أيدي النساء، ومثلما خضع الرجل في العصر الحجري الحديث للمرأة، خضعت له بعد ذلك لذات السبب.
ومع مرور الزمن واستمرار هيمنة الرجال على الإقتصاد جرى بناء مجموعة من العادات والتقاليد، والقوانين والأدوار الاجتماعية التي صارت جزءاً من البناء الثّقافي والنسق التفسيري.
إذ أن الرجل استغل صلاحية النّساء للحمل، ولإدامة الحياة من خلال الرضاعة والرعاية بالأطفال من أجل تحديد أدوار جندرية محدّدة للمرأة تجعلها تعيش ضمن إطار خاص بدلاً من العام، في الحياة العامّة، وهذا قلّل من مكانتها في الحياة مع مرور الوقت، حتى اقتنعت هي بذلك.
إن زعامة المرأة في العصر الحجري الحديث وقدرتها على اكتشاف الزراعة واستخدام النباتات طبياً يدل على أنها ليست كائناً أقل حكمة من الرجل، بل هي الأساس الذي مكّن البشرية من الإستمرار.
وفي كل الأحوال فإن السيطرة في العالم دائماً تأتي لمن يسيطر على الغذاء، فكما قال ماركس: "إن تاريخ الجنس البشري هو تاريخ البحث عن الطعام".
أما الآن، وبعد هيمنة النساء وتفوقهن في زمن، وسيطرة الرجال وتفوقهن في زمن آخر، وجب علينا أن نتطلع لبناء مستقبل لا تمييز فيه بينهما، حيث الرجل والمرأة يُكملان بعضهما، من غير هيمنة لأحدهما على الآخر.
-انتهى.
المصادر:
1- الفصل الثاني من كتاب الغرب والعالم لـ "كافين رايلي"، ترجمة عبدالوهاب المسيري.
2- كتاب نشأة النظام الأبوي لـ "غيردا ليرنر" .

جاري تحميل الاقتراحات...