لم تقتصر الحركات النسائية، في السنوات الأخيرة على تنبيهنا إلى تلك الأنماط الجنسية الثابتة، لشخصيتي الذكر والأنثى، والتي تُفرض على الصبية والفتيات، بل أبصرتنا أيضا بعدم التكافؤ في السلطة بين الرجال والنساء في مجتمع البالغين.
إن السلطة الاقتصادية في العمل، والسلطة السياسية في المناصب العامة، والسلطة الاجتماعية داخل الجماعة يتولى الرجال مقاليدها بنسبة تفوق ما يسمح به عددهم.
فمتى تكوّن "عالم الرجل" هذا ؟ وهل أتى على النساء حين من الدهر كن فيه زعيمات المجتمع؟ أم أن مقاليد الأمور كانت دائما بأيدي الرجال؟ ومن أين استمد الرجال سلطتهم؟ وإذا كنا نعيش في كنف النظام الأبوي، فمتى كانت نشأته؟ وما أسبابه التاريخية؟!
وهي غالباً كهوف ومغارات محمية، فيأتي محملاً بالصيد ليترك مهمة إعداد الغذاء الى النساء اللاتي كُنّ قد فرغن من جمع والتقاط الفواكه والحبوب البرية وهو النوع المشابه للصيد من وسائل العيش في ذلك العصر حيث يتولين إعداد وتقديم الطعام.
كان ذلك عصر إكتشاف الزراعة عن طريق النساء، اللاتي وخلال أداء مهامهن في جمع والتقاط الفواكه والحبوب بينما الرجال مشغولون بالصيد تعرفن على ملامح إستئناس النباتات وطورنها ليبدأن الزراعة ويبرعن فيها ويؤمنّ الغذاء لعوائلهن.
مما إستدعى من الرجل التقليل من الصيد ذو المخاطر وخضع للمرأة التي عرفت أسرار الزراعة وكل ما هو متعلق بها من جني المحصول ونزع قشرته وطحنه وتحويله الي أغذية صالحة للأكل.
المرأة لم تكتفي بمعرفة أسرار الزراعة فقط بل وأسرار النباتات والمزروعات وإستخداماتها المختلفة من ناحية طبية وسمّية وخمرية (نسبة للخمور) وبذلك أخضعت الرجل إليها فأصبحت طبيبته ومسكرته، ومسمّمته إن حاول إستعمال قوته العضلية ضدها.
لقد خلقت الزراعة أول شكل من "اقتصاد الوفرة" : فهي أول اقتصاد يتوفر فيه للناس من الطعام ما يفيض عن حاجتهم. وما كان هذا ليحتقق لولا الإدخار وحسن التدبير الذي كانت تقوم به النساء.
هذه النقلة العظيمة التي أطلق عليها عصر الثورة "النيوليثية" والتي بلغت الذروة في سنة 4000 قبل الميلاد جعلت الرجل ينظر للمرأة بعين التقديس لأنها كانت تمنحه الحياة، فهي التي تؤمّن له الغذاء والكساء والدواء بل والترفيه "الخمور والليالي الحميمة".
كانت زعامة المرأة ماثلة في كل جانب من جوانب القرية في العصر الحجري الحديث، فلم يقتصر على أبنية القرية المادية بأسوجتها الواقية، فالأمان والتفهم والإحاطة والحضانة كلها من وظائف المرأة، وجرى التعبير عنها تعبيراً بنائياً في كل جانب من جوانب القرية.
في البيت والفرن، وفي الحظيرة وصندوق المؤن، في الصهريج وفي المخزن وصومعة الغلال، ثم انتقل منها إلى المدينة في السور والخندق وكل الساحات الداخلية للمباني - من الردهة إلى الرواق المنعزل. فالبيت والقرية، بل المدينة ذاتها، في نهاية المطاف، صورة مكبرة من المرأة.
وتتفق مع هذا الأبنية الأكثر بدائية - البيوت والحجرات والمقابر - وهي عادةً تكون مستديرة الشكل : أشبه بالكأس المستديرة الأصلية التي تصفها الأسطورة اليونانية بأنها صيغت على هيئة ثدي أفروديت".
إذاً، هل كان العصر الحجري الحديث عصر النظام الأمومي؟ وهل تُرجمت الأهمية الإقتصادية والدينية للنساء في العصر الحجري الحديث إلى سلطان سياسي على العشيرة أو القبيلة أو القرية؟ هذا ما لا نعلمه.
لكن تقول "جاكيتا هوكس" وهي من علماء العصر الحجري الحديث: إن المجتمعات في ذلك العصر، طوال امتدادها في الزمان والمكان قد بوأت المرأة أعلى مكانة أدركتها طوال التاريخ".
فالعصر الحجري الحديث، حتى لو لم يقم على النظام الأمومي بشكل كامل، لكن كانت مكانة وسلطة وأهمية المرأة فيه أقوى وأكبر.
فكيف انتهت زعامة المرأة ليبدأ النظام الأبوي؟
فكيف انتهت زعامة المرأة ليبدأ النظام الأبوي؟
وما أن اخترع الرجال المحراث الثقيل، وربطوا عالمهم الحيواني بعالم الفلاحة النسائي حتى أصبح في إمكان البشر لأول مرة إنشاء المدن وتزويدها بما تحتاج إليه، وقد كانت هذه المدن أشد اصطباغاً بالنظام الأبوي، من اصطباغ قرى العصر الحجري الحديث بالنظام الأمومي.
-يتبع.
-يتبع.
المحراث الثقيل والمدن - أصول نظامنا الأبوي:
اشتملت أولى قرى العصر الحجري الحديث على نسب متساوية من الرجال والنساء. ونظراً لاضطلاع النساء بالأعمال الرئيسية في هذه التجمعات، فقد كان دور الرجال ثانوياً في الغالب.
اشتملت أولى قرى العصر الحجري الحديث على نسب متساوية من الرجال والنساء. ونظراً لاضطلاع النساء بالأعمال الرئيسية في هذه التجمعات، فقد كان دور الرجال ثانوياً في الغالب.
ومن جهة أخرى كان الرعاة في المراعي المحيطة بهذه القرى الأولى بعيشون بطريقة مختلفة. فهم أكثر ترحالاً من أهل القرى، ولم تكن لهم ممتلكات ثابتة إلا فيما ندر، كما كانت حياتهم أشق وأقسى. كانت النساء بطبيعة الحال يعشن مع الرعاة، ولكن في هذه الجماعات البدوية كانت النساء تابعات للرجال.
والمدن كانت ثمرة لإقتران هاتين الثقافتين المتباينتين في العصر الحجري الحديث؛ الجماعات الزراعية المتأثرة بالروح الأنثوية، وجحافل الرعاة التي هيمن عليها الذكور.
وكانت ثقافة المزرعة أكثر ابتكارا وأشد تعقيدا من ثقافة المرعى. بل إن حياة الرعاة لم تتقدم كثيراً عن ثقافة الصيادين في العصر الحجري القديم.
فلما اضطرت هاتان الثقافتان إلى التعايش في سلام واتحدتا إلى درجة أصبح من الممكن معها نقل الرعاة ومواشيهم إلى الفلاحة - وهي المصدر الحقيقي لمكانة النساء - أصبح الرجال حينها هم الذين يتولون في العادة مقاليد الأمور.
حين توسع الرجال في القيام بالأعمال الهامة، فرضوا أنفسهم في المجتمع، وهيمنوا على المدن المتنامية، وعدّلوا الثقافة على صورتهم، فقام الأرباب مقام الربات.
وأصبح أب السماء زيوس في أهمية الأم للأرض. وغالباً ما أصبح الناس يتصورون المطر في الغالب على أنه المني الخصب لأب السماء. وتنكر إحدى الأساطير المصرية دور الأنثى في الحمل تماماً، إذ كانوا يعتقدون أن الإله المصري آتوم خلق الكون من جسمه بالاستمناء.
وكما أشار ممفورد : "لم يكن في استطاعة الذكر المتباهي استخدام كلمات أكثر وضوحاً كي يدلل على أن النساء لم تعد لهن أهمية في النظام الجديد للحياة".
اكتشف "ممفورد" أن المدينة نفسها هي النتاج المميز للخصائص الجنسية الذكورية، كما كانت القرية في العصر الحجري الحديث تعكس الخصائص الجنسية الأنثوية.
كثير من الرموز والتجريدات الذكرية قد أصبحت الآن جلية، إنها تتبدى في تكرار الخط المستقيم والمستطيل، والتصميم الهندسي المحدد بوضوح، والبرج المنتصب، وربما كان مما له دلالته ان المدن الأولى تبدو دائرية الشكل إلى حد كبير، في حين أن قصر الحاكم والحرم المقدس كانا محصورين في مستطيل.
كان ظهور الرموز الذكورية انعكاساً لسلطان الرجال. ومما له دلالة أن المدن قد أعطتنا ملوكنا الأوائل. لقد كان رجال هذه المدن في الحقيقة هم الذين خلقوا النظام الملكي. أما القرى في العصر الحجري الحديث فلم يكن لها قادة ثابتين ودائمين.
يبدو أن تأثير المحراث لم يقتصر على تمكين الملوك من التحكم في المدن، بل امتد تأثيره إلى نطاق الأسرة، حيث فرض الأباء هيمنتهم.
والسبب في هذه التغيرات يرجع إلى أن الرجال قد اقتلعوا الأساس الإقتصادي لمكانة المرأة.
والسبب في هذه التغيرات يرجع إلى أن الرجال قد اقتلعوا الأساس الإقتصادي لمكانة المرأة.
فلم يقتصر الأمر على جعل الفلاحة عمل الرجال، بل حرموا النساء من دورهن في الحرف الأخرى، فقد كان النساء رواد صناعة الأواني والخزف، قبل أن يبتكر رجال المدن عجلة كانت وسيلة أكثر فاعلية لصناعة القدور، ليصبحوا هم "في جميع الحالات تقريباً" صناع أدوات الحرف.
فالنساء، حسب تلك القوانين، كن ملكاً لأزواجهن أو آبائهن. إذ إن الزوج يملك أن يطلق زوجته بملء حريته، أو - إذا شاء - يعدُّها أمة له. والقانون يرغمها - بحكم كونها أمة - على طاعة زوجها. ولا يقتصر الأمر على هذا، بل يرغمها أيضا على طاعة أي من الخدم الأحرار في المنزل!
كما يملك الزوج أن يقدم زوجته لدائنيه ضماناً لديونه. ولم يكن القانون ليقتضيه أن يسدد ديونه، طالما كانت زوجته ضماناً لهذه الديون لمدة حددت بثلاث سنوات في بداية الأمر، ثم امتدت إلى أجل غير مسمى.
وقد أصبح نظام الاستدانة بضمان الزوجة نظاماً مربحاً للغاية في تجارة الرقيق. وكانت الحرائر يواجهن الموت عقاباً على خيانتهن لبعولتهن، بينما كان في وسع الأزواج ممارسة الزنا دون التعرض لأي عقاب.
-يتبع.
-يتبع.
إن هذا الإنقلاب الذكوري الهائل على المرأة وتحجيم مكانتها كان بسبب سيطرة الرجل على الإقتصاد، من زراعة وصناعة، بعد أن كان الإقتصاد في بادئ الأمر بين أيدي النساء، ومثلما خضع الرجل في العصر الحجري الحديث للمرأة، خضعت له بعد ذلك لذات السبب.
ومع مرور الزمن واستمرار هيمنة الرجال على الإقتصاد جرى بناء مجموعة من العادات والتقاليد، والقوانين والأدوار الاجتماعية التي صارت جزءاً من البناء الثّقافي والنسق التفسيري.
إذ أن الرجل استغل صلاحية النّساء للحمل، ولإدامة الحياة من خلال الرضاعة والرعاية بالأطفال من أجل تحديد أدوار جندرية محدّدة للمرأة تجعلها تعيش ضمن إطار خاص بدلاً من العام، في الحياة العامّة، وهذا قلّل من مكانتها في الحياة مع مرور الوقت، حتى اقتنعت هي بذلك.
إن زعامة المرأة في العصر الحجري الحديث وقدرتها على اكتشاف الزراعة واستخدام النباتات طبياً يدل على أنها ليست كائناً أقل حكمة من الرجل، بل هي الأساس الذي مكّن البشرية من الإستمرار.
وفي كل الأحوال فإن السيطرة في العالم دائماً تأتي لمن يسيطر على الغذاء، فكما قال ماركس: "إن تاريخ الجنس البشري هو تاريخ البحث عن الطعام".
جاري تحميل الاقتراحات...