عُوبَـــد ????
عُوبَـــد ????

@OBad730

21 تغريدة 4 قراءة Dec 10, 2019
تأثرت ثقافات الشرق الأوسط بعقلية الحداثة، وهذا أمر لا ينكره أحد، ولكن اسمحوا لي بتوضيح أحد آليات العقلية الحداثية وأثرها في واقعنا اليوم.
هذه الآليات متعلقة بقدرة العقل الحداثي على تجريد الزمان والمكان، وركز عليها آنثوني غيدنز في كتابه "عواقب الحداثة".
ناقش غيدنز قدرة الحداثة على تجريد الزمان والمكان. فالحداثة تقوم على تقسيم الزمان إلى وحدات صغيرة يمكن تحديدها وتنظيمها.
من هنا نجد تقسيم الوقت بدقة إلى أيام وساعات ودقائق وثواني، ويؤثر التفصيل الدقيق للوقت على الإدراك، فينتظم يوم الفرد.
فيستيقظ في ساعة محددة، ويستعد للذهاب لعمله عند ساعة محددة، وفترة الغذاء بين كذا وكذا، وينتهي دوامه عند تلك الساعة، ويكون في بيته في وقت كذا. وهكذا. لكل شيء توقيت محدد ينجز من خلاله.
ففي ٧ أو ٨ ساعات للعمل، على الفرد أن يبذل جهد محدد وينجز مهام معينة. وهذا يعني أن إدراك الوقت وتفاصيله يمَكّن الإنسان من تقسيم جهده ومسؤولياته بدقة وانضباط طوال اليوم.
هذه القدرة على تقسيم الوقت ليست محددة بجغرافيا معينة. يستطيع كل البشر الانضباط بتقسيم الوقت لوحدات صغيرة.
لذلك من الشيق جداً البحث في الرابط بين اختراع الساعة والثورة الصناعية في الغرب، بل قبل ذلك أيضاً حينما سقط النظام الاقطاعي.
أما اليوم، فالأمر بديهي جداً بالنسبة لنا، وبات من المستحيل تصور الحياة بدون اختراع الساعة. بل أن الساعة أصبحت جزء مهم في علاقات البشر ببعضهم.
أما في ما يخص المكان، فالحداثة استطاعت تجريد المكان عن جغرافيته، ونستطيع أن نرى ذلك في المصانع التي لم تعد حكراً على الدول المنتجة.
فتجريد المكان يسهل على الإنسان أن ينقل مصنعه من الولايات المتحدة الأمريكا إلى الفلبين واندونيسيا. ويمكن أن نراها في ناطحات السحاب في جزيرة العرب.
فالمباني التي تصعد حتى ٩٠ طابق لم تنشأ في جغرافيا الجزيرة العربية، بل هي منقولة عن الحضارة الغربية التي استطاعت تطوير الهندسة المعمارية بإتقان يتجاوز جغرافيتهم.
فليس من المستحيل اليوم أن تقيم ناطحة سحاب أو مصنع في أي بقعة من الأرض. هذا بفضل قدرة العقل على تجريد المكان.
ما ناقشه غيدنز في كتابه أكثر تعقيداً من الفكرة التي قدمتها، ولكنها كانت من النقاط الأساسية التي بنى عليها طرحه كله.
ولا بأس من التفكر في آليات الحداثة التي جردت مفاهيم الزمان والمكان وجعلتها تتجاوز الواقع الجغرافي.
لذلك، كبداية لإدراك مدى تأثير التجريد على واقعنا، حاول أن تتخيل واقعك بلا ساعة يد. مالذي سيضبط نشاطك اليومي؟
كيف كان سيكون نظامك اليومي؟ متى ستصحو وتنام؟ ماذا ستفعل في النهار؟ ماذا ستفعل في الليل؟
وأيضاً، تدبر حالك لو لم يكن "مكان العمل" منفصل عن "منزلك".
مازال هناك بعض المهن التي يمكن القيام بها في منزلك. ففي السابق مثلاً كان العلماء يدرسون في مجالسهم والمسجد وساحاته، أما اليوم فهناك الجامعات والمدارس.
مفهوم المكان يؤثر على عقلية المجتمع كله.
فمثلاً، في السابق كانت الأسواق محددة بمكان ما في أي مدينة. أما اليوم، فعلى الشارع العام بجانب منزلك هناك محلات تقدم بضائع مختلفة من تموينات استهلاكية ومحلات سباكة وكهرباء وميكانيكا سيارات ومحطات بنزين. كل ذلك التغيير نتج عن الفكر الحداثي المعاصر.
الآن، تخيل وجود هذه القدرة التجريدية للعقل على تصورات الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية.
عملية التجريد لا تتطلب ذكاء عالي جداً. الكل قادر على التجريد بوعي، حين يفهم بواطن بعض الأمور، أو بلا وعي، حين يدرك أمراً بديهياً بالنسبة له وغامض بالنسبة لغيره.
ضخمت الحداثة من قيمة التجريد هذه إلى حد يتجاوز المعقول. فكما قلت، قدرة التجريد ليست بذلك التعقيد والكل يقدر عليها. ولكن بالنسبة للفكر الحداثي، فهي عامل أساسي جداً في التكوين الحضاري.
لذلك نرى مثلاً المنبهرين بالإنجاز الغربي يتبجحون بالكلام في السياق المجرد.
هؤلاء المنبهرون يظنون أنهم ملكوا المكون الحضاري، فيظنون لمجرد قدرتهم على الحديث بأسلوب التجريد أنهم أحق من غيرهم من أهل بلادهم في أن يتقدموا المجالس ويحتفى بهم في المحافل الاجتماعية.
ولو تأملت بعمق حقيقة طرحهم لوجدتهم لا ينطقون إلا بالبديهيات!
يسهل تجييش هؤلاء المنبهرون لتمرير أجندات الغرب الإمبريالي، فنجدهم يتشدقون بأنهم "حقوقيون" و"نشطاء اجتماعيون"، ولا يتدعى طرحهم سطح كلامهم.
لذلك يسهل إسقاطهم من أبراجهم العاجية بالخوض في الحديث معهم في تفاصيل أطروحاتهم وبيان تناقضاتها.
الجدال معهم ليس إلا اثبات لفقدانهم القدرة التجريدية، والسبب واضح: وهو أن ألسنتهم لا تتعدى حناجرهم.
مستوى التجريد لديهم ليس بذلك العمق، فهو من البدهيات مثل ١ + ١ = ٢. في عقولهم فكرة + فكرة = أطروحه. تم تلقينهم المعطيات والنتيجة، فلم يدركوا أعماقها.
إن استطاع منهم رجل أن يتجاوز سطحية التجريد الذي تلقاه، لأصبح عرضة لأن يتحول إلى شخصية خطيرة على الغرب أنفسهم.
وأفضل صورة قدمها أدب ما بعد الاستعمار لهذه الشخصية يجسدها مصطفى سعيد في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للروائي الطيب صالح.
مصطفى سعيد يشبه في تركيبه النفسي شخصية عُطيل لشكسبير. فكلاهما شخصان دخيلان على ثقافة الغرب، وكلاهما يظهر عليهما الانبهار بها.
كلاهما ينجحان في الصعود على السلم الاجتماعي، فأصبحت لهما مكانة عالية بالمجتمع، ولكن سرعان ما أسقطوا منها.
لذلك أنت في مجتمع يسابق العالم في مشروع الحداثة تواجه نفس التحدي. من السهل أن تنبهر بثقافة الغرب، فهم يريدون ذلك منك، لأن للانبهار وقع كالسحر يجعلهم في مكان السيطرة عليك.
ولكن بمجرد أن تتفوق في ميادينهم، حتى إن دعمك القليل، فهناك من لا يرغب بتفوقك بينهم.
ليس ذلك إلا حسداً من عند أنفسهم، فمن تظن نفسك حين تتفوق عليهم في مجالاتهم التي وضعها أسلافهم فكانت أسس القوة التي هيمنوا بها على العالم اليوم؟
حل المعضلة في نظري هو أن تخرج من منظومة الحداثة، فلا تنافس فيها ولا تطمح لأن تكون الأفضل فيها.
بل اخرج عنها، وطور في مجتمعك وعلومك. لا تنتظر منهم الثناء والاعجاب، ولا تكن مندفعاً بالانبهار بهم، فلديك مقومات النجاح كلها، إلا أن انتظار موافقتهم ورضاهم سيعيق مسيرتك.

جاري تحميل الاقتراحات...