أكثر ما يُرعِب الإنسان هي الوحدة وأن يكون وحيدًا والوحدة لها أشكال ومركبات متعددة ومنها أن تكون وحيدًا بأفكارك وانتماءك، وهذا الشيءُ أكثر بشاعةً بكثير من الوحدة الجسدية بين هذا المحيط الغابر، أو إن صحَّ القول، فهوَ "مستنقع آلام الوحدة"
من هذا المنطلق تستطيع أن تلاحظ أو تفسِّر ظاهرة التعبير عن الذات بالتوجه السياسي أو الميول الجنسي وغيره وكل هذه الظواهر ليست من دوافعها «الفكرة» بقدر ما هو هوس الشعور بالإنتماء
هنالك تشبيه بليغ لـ«حِنَّة آرندت» في أصول التوتاليتارية: "إن عيب التهوُّد وعيب الشذوذ الجنسي، رذیلتان أصبحتا متشابهتين جدًا في التفكير الفردي وفي التأثير الإجتماعي".
ولعل الرذائِل أصبحت منبعًا متأطرًا يُبنَى بداخله الإنتماء الإجتماعي بداء التفشي.
ولعل الرذائِل أصبحت منبعًا متأطرًا يُبنَى بداخله الإنتماء الإجتماعي بداء التفشي.
بطرح هذه المسألة، تعتبر حِنَّة أن اليهود يبالغون في إبراز تفردهم وخصوصيتهم، وكأن هذا الانتماء أهم ما يمثل شخصيتهم، وكأنهم مختلفون عن الجميع ولابد أن يبدوا للناس أنهم مختلفين عن الجميع فحسب لأنهم يهود. فقط هكذا.
تضع حنة المقارنة بين الشذوذ الجنسي والتهود تحت عنوان: "الرذيلة والجريمة"، إذ تعتبر أنه بالنسبة إلى "الحس العام"، الاستعداد النفسي للشذوذ يدفع إلى الاستعداد النفسي لارتكاب الجريمة
وهي تستشهد في نصها بما قد قاله بروست: "إن البعض يسامح بسهولة أكبر. القتل لدى الشواذ والخيانة لدى اليهود لأسباب تتعلق بالخطيئة الأولى وبقدر العرق" كما لو أن الشخص عندما يكون يهوديًا ينتظر منه الجميع الخيانة وعدم الوفاء.
هل هو فقط حكم مسبق لا يحمل أية حقيقة بداخله؟
هل هو فقط حكم مسبق لا يحمل أية حقيقة بداخله؟
تبحث «آرندت» في حقيقة هذا الحكم، وتری أن اليهود شاركوا في تكوين هذا الحكم، بل تقبلوه وحاولوا أن يبدعوا في إظهاره من خلال تواجدهم داخل المجتمعات الأوروبية وغير الأوروبية.
إنه جزء من سماتهم النفسية، فهنا «آرندت» ترى أن الشعور بالانتماء اليهودي لدى اليهود أضحى يكبر ويزداد كلما وقع إقصاء على اليهود سياسيًا و كلما تقلص التهود الديني.
هذا هو "هوس الشعور بالانتماء": كلما شعرت فئة بإقصاء سیاسي أو اجتماعي، زاد لديها هوس الانتماء حدة، ومن هنا يُفهم تكتل اليهود حول هويتهم، بما في ذلك المثقفون.
"كلما فقد الأصل اليهودي أهميته الدينية والوطنية والاجتماعية-الاقتصادية أصبح التهوُّد أكثر هوسًا. كان اليهود مهووسين، كما يمكن أن يكون الإنسان مهووس بعيب أو خاصية جسدية، وانغمسوا فيه كما يمكن أن ننغمس في الحياة".
من ذلك نستطيع أيضًا فهم الأرضية التي تنطلق منها كثير من الحركات كالنسوية التي تنظر للمرأة ككائن خارج عن الإطار الاجتماعي، أو بتعبير المسيري: "الشعب المختار في مواجهة الأغيار". ليس من حيثية أنها منشأ للفكرة بل من حيثية أنثروبولوجية تساهم في الانغماس بالحركة والتشدق بها.
جاري تحميل الاقتراحات...