أما بلاغة كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) فهي محلّ اتفاق ، فهو (صلى الله عليه وسلم) من قريشٍ (أفصحِ العرب لسانًا) في واسطة العقد ، وهو من جَلَا الله تعالى قلبَه فكان كالـمِرْآة لكلامه القرآن الكريم ،
فكلامُه (صلى الله عليه وسلم) مِرآةٌ تحاكي حكمةَ القرآن الكريم، وتعكسُ نورَه ، وترسم حروفه ، وتنقل صورته ، فلما نزل الوحيُ بالقرآن الكريم عليه (صلى الله عليه وسلم) انطلق لسانه بوحي السنة بيانًا سماويَّ الأصل نورانيَّ الفرع ،
تفور ينابيعُ الحكمة في بيانه ، فتختار من الألفاظ والتراكيب سواقيَ تروي النفوس وتُطفئُ ظَمَأَها ، وتسطع أحرفُه نورًا فتضيء العقولَ وتهديها من حيرتها.
ولقد تَفَصَّحَتْ ألفاظُه (صلى الله عليه وسلم) وتَـبَلَّغَتْ معانيه بالوحي وحبله الموصول بمعاقد الربوبية ، وبتزكية الله تعالى لقلبه ونَفْسِه ، وبمحبة الله تعالى له التي أفاضت عليه فيوض الجلال والبهاء ، وبِمَحْتِدِه الأكرم وأصله الأشرف وإرثه الأصدق،
حتى إذا ما سمعتَ حديثًا من حديثِه (صلى الله عليه وسلم) فكأنما يلتقط سمعُك دُرَرَ اللؤلؤ وفصوصَ الياقوت ، ولن ترى أُذُنـًا تلتقط الجواهرَ إلا إذا سُمع كلامُه (صلى الله عليه وسلم) . فهو كلامٌ لا كالكلام ، يسمو حتى يُنزَّهَ عن كلام البشر ، ويَسْهُلُ حتى يلج قلوبهم بغير كُلفة .
يعلو حتى يعلم البلغاءُ أنه معجِز ، ويدنو حتى تطرب له نفوسُ عُمومِ الناس ، وهم لا يعلمُون سرَّ ذلك الطرب ، وإنما هي البلاغة النبويةُ التي أخذت تهزّ نفوسهم وتذيقها حلاوةَ الكلام الذي ما كانت تعرف له من قبله – ومن بعده - ذوقًا .. فضلا عن حلاوة .
فتالله ما عرفت البشريةُ – بعد كلام الله – كلامًا هو للبلاغة عنوانٌ غيرَ كلامه (صلى الله عليه وسلم) ، إليه تترسَّلُ كُتبُ البُلغاء ، ومنه يستمدُّ الشعراء ، وعنه تنشقُّ شقاشِقُ الفصحاء ، وبه تَفَـتَّـقَ البيانُ على ألسنة الـخُطباء ،
وتنصاع به الأفكارُ الدقيقة للبلاغة : فتُنسج عندها المعاني السامية من حرير الألفاظ ، وتُصطاد القلوبُ النافرةُ بحروفِ سهامها الحانية .
سبق (صلى الله عليه وسلم) ببعض تعابيره العربَ ، فصاروا بها يأتمون،
سبق (صلى الله عليه وسلم) ببعض تعابيره العربَ ، فصاروا بها يأتمون،
وأوجز المعاني الكثيرة في جوامع كلمه، فطاشت عندها العقول ، وبات لديها الفقهاء يَمْتَحُون من عميق معانيها ، منذ عصره (صلى الله عليه وسلم) والجيل الذي كان معه ، حتى عصرنا هذا ، وإلى قيام الساعة .
فهي المعين الذي لا ينضب، والكنز الذي لا ينفد ، والبحر الذي لا يُنزف ، والسماء التي لا تُحاط ، والزمن الذي لا يُدرك : صلى الله عليه وآله وسلم ، وبارك في كل حرف صدر منه ، وأعزَّ كل معانيه ، وأمّت أحاديثُه الحديثَ ، وملكت مفاتيحَ الكلام وخواتيمه ! فذلك هو خير البشر، وتلك هي سعادتهم!
جاري تحميل الاقتراحات...