علي زين|Ali Zain
علي زين|Ali Zain

@Ali90Zain

50 تغريدة 15 قراءة Dec 05, 2019
لكل من يرغب بجرعات مكثفة، ولا متناهية، من الغموض الروائي الإنساني البديع.
هذه رواية يكتنفها الغموض! أو هكذا يقول معظم القراء العارفين بأعمال "بلانشوت" الروائية. والغموض هنا يعد من أهم العوامل التي تحرك هذه الرواية وتكشف أسرارها، فهو –أي الغموض-عبارة عن تأثير لا متناهي، ممزوجاً بحالة من الحذر والغموض.
تُعد "عميناداب Aminadab" الرواية الثانية للروائي الفرنسي " بلانشوت"، والتي نُشرت في العام 1942م. وقد كُتب لها الظهور بعد عام واحد فقط من صدور النسخة الأولى من روايته الأولى " توماس الغامض ".
الميزة الرائعة التي يمتاز بها هذا العمل الأدبي هو التحول من سياق الرواية إلى ما اسماه بلانشوت لاحقاً " الأسلوب القصصي" وهو مصطلح يصعب ترجمته، لكن غموضه يفي بالغرض في حالة "القص". في حين لا تخلو الرواية من العناصر التي تشبه الشخصيات والأحداث، إلا أن الرواية تستغني تدريجيًا عن -
-عن جميع الأساليب السردية المعروفة، وتميل باستمرار نحو الاختفاء الغريب للصوت الذي يبوح بدواخل من يتحرك في فضاءها.
يحدث أن يصل "توماس" إلى قرية مجهولة، وعندما يرى امرأة تلوّح له -على ما يبدو-من إحدى النوافذ العلوية لأحد المنازل، يقرر أن يدلف للمنزل باحثاً عن تلك المرأة.
وتتبع الرواية مسارها خلال منعطفات غامضة لرحلة بحثه وجهوده للوصول إلى الجزء العلوي من المنزل، ليظل البطل – دون جدوى- في حالة بحث واستقصاء دائمة.
إنها روايات البحث عن المجهول، الذي لا يمكن الوصول إليه. وهذا البحث هو مبرر بلانشوت الأبدي للانسحاب من العالم، وحتى "رفضه" عندما يتعلق الأمر بالإبداع الفني والتجربة الفنية.
وفي إطار بحثه عن المجهول، يقيم عالما خاصا به، حيث وجوده.
ونظرًا لأن قاعدة المحاكاة ليس لها قيمة، فإن الرواية حرة في تغيير الواقع؛ ليس فقط بتلوينه بشكل مختلف ولكن بتغيير هيكله باستمرار، وإلغاء قوانينه، وإطفاء ضوء أي فرصة للوضوح فيه.
سردية تفرز عالمها الخاص، وهي تسود مظاهرها الخاصة. إنها ترتب شخصياتها وحوادثها في مجموعة جديدة، حول وحدة من اختيارها الخاص ودون الحاجة لتبرير الإطار المرجعي الخاص بها. يمكن أن تبدو هذه الحرية مطلقة، ولكنها رغم ذلك ملزمة بضرورة أساسية للتناسق، و دون آثار خادعة، من داخل الرواية.
تترك لغة الرواية العالم وراءها من أجل البحث عن واقعها وقوانينها الخاصة، وهي ليست قوانين العالم المألوف الذي يحيط بنا. لكن وبالرغم من هذا الانفصال عن العالم، إلا أنها تحتفظ بعلاقة صارمة مع "العالم الخارجي" للرواية -وليس ذلك علاقة تمثيل فحسب ولكن علاقة لغوية.
علاقة لغوية تفترض، بشكل غامض، أن طبيعة العالم الروائي، لكن "غير الواقعي"، وطبيعة العالم "الواقعي" لديهما مصدرهما المشترك في أهم العمليات اللغوية.
إن رفض العالم، كما يزعم بلانشوت، يعني محاولة أن نجد في اللغة ليس تصويرًا للعالم بل "جوهر العالم"، ومبدأه.
يرسم بلانشوت مهمة ملحة للروائي "يتجه فيها نحو تلك المناطق الغريبة، التي يبدو فيها كما لو أنه يستيقظ من سبات عميق-
- نحو ذلك الوجود النقي حيث تظهر الأشياء عارية جدًا، ومصغرة، بحيث لا يمكن تخيل أي صورة ذهنية. ونحو ذلك المشهد البدائي حيث لا يمل أبدًا من التفكير فيما يمكن رؤيته، إلا بعد التحول الذاتي الكامل.
تلخص الرواية حضورها العام عبر هذا التصوّر والتعجب:
كيف لنا ألا نعتبر أن صعود الشخصية إلى المنزل ليس إلا محاولة لتحديد "تلك المناطق الغريبة اللافتة للنظر" التي يجب على الروائي أن يخطو إليها ولو غلبه النعاس.
إن بلانشوت، في هذه الرواية المبكرة، كأنه يساير التقنيات التي تركتها آخر أعمال كافكا العظيمة.
تجسّد رواية عميناداب نزعة الطريق نحو الخارج، إلى المكان الذي لا يقطنه أحداً، وفيه يمكن أن تُرى الأشياء عبر مسافة غير قابلة للاختزال. كما أكد ميشيل فوكو في مقالته الجميلة عن بلانشوت "الفكرة من الداخل" والتي تشير إلى حد كبير إلى "عميناداب"، قائلاً:إنها مسافة لا تُفتح إلا باللغة-
-وتقع في كلمة بسيطة "أنا أتكلم" كلمة حرمت من جميع الاحتمالات، وتستمر في مصادفة مثالية من خلال التجرد الواقعي.
تبدأ الرواية وتنتهي وكأنها سرابًا من الرموز والألغاز المُضمنة، من الإشارة في النافذة إلى الأمثال الغامضة على المصابيح المتوهجة في الشفق اللامتناهي من المشهد النهائي.
يوضح بلانشوت في الصفحات الافتتاحية أن عالم الغرباء في عميناداب يتكون من رموز وعلامات يُتلاعب بها. فعندما دخل توماس للمنزل لأول مرة، بحث في ممر طويل لأعلى ولأسفل عن درج، لكن دون جدوى؛ حتى لاحظ فجأة ستارة تعتليها يافطة كُتب عليها بأحرف متقنة: "المدخل من هنا".
ولا تتمثل روعة عميناداب في الإدراك الفوري للأفكار أو لعالم بديل يشبه الحلم، ولكن في التأثيرات الفارغة للمسميات. وبهذا المعنى، فالفضاء الأدبي هو المكان الذي لا يخلق فيه الاسم شيئًا بأي حال من الأحوال.
إنها تجسد غياب الشيء، وفراغه المتلألئ (الغياب والفراغ الذي يسبق ويؤسس لأي وجود وتشبع). وهنا يبطل مفعول السحر بقوة الخيال نفسه، حيث الاعتراف بأن تكوين رمز لتسمية شيء ما لا يُبقي إلا بقايا الاسم رغم فراغه.
هنا كل شيء ممكن، لكن لا شيء يحدث في الواقع سوى حديث خيالي يسعى وراء قانونه وأصله.
أحد أهم آثار هذه الرواية هو تأثير المحاكاة. تمامًا مثل "الفراغ الوهمي" لـكافكا، فالفضاء الذي تتجول فيه الشخصية مليء بالأوهام وهو بحد ذاته وهم. إنه عالم مكون من تصاوير بسيطة ولكنها رائعة بحيث تخدع العالم المصطنع الذي يحتويها.
ويجدر بالذكر أن عناق توماس الودي لرفيقه الموشوم في الرواية، يمثل محاكاة لمغامرات أدبية سابقة، محاكاة ساخرة لمقابلة إسماعيل الودية مع "كويكويج" في الفصول الأولى من "موبي ديك" مثلًا (رواية لها مكانة مهمة في نقد بلانشوت).
وهكذا، في كل مرحلة وعلى مستويات متعددة، يتم دمج الطبيعة الوهمية للرواية في العالم الروائي نفسه، ليس بسبب أفكار الراوي الساخر، ولكن بسبب طبيعة الحياة ذاتها التي يوشك أن يتم الكشف عنها.
يفكر توماس عند نقطة معينة: "ألم يكن يجري تمثيل كل شيء هنا؟" تم تكرار هذا السؤال في جميع أعمال بلانشوت الخيالية، وبشكل أكثر وضوحًا في العمل المعنون "الشخص الذي كان يقف بعيدًا عني" حيث يسأل الراوي الأول عدة مرات: "هنا أين نحن، كل شيء مشوش، أليس كذلك؟"
يقدم الفضاء الأدبي لفظة المكان "هنا" على أنها مجرد تصنع بحت، وخيال نقي وخادع.
وفي هذا الصدد، فإن عدم تصديق الخيال الرائع لا صلة له ب "هنا"، لأن إثباته غير مطلوب أبدًا. توماس نفسه لا يصدق ذلك، ولا يصدق أيضًا الشخص "المشكوك فيه".
في الواقع، إنه لا يؤمن حتى بمعنى الأوهام، حيث يقول: "لقد فهمت بالفعل، أن هناك ميلًا واضحًا للغاية هنا، لشرح كل شيء وفقاً للأوهام". ومع ذلك، فهو محاصر بشكل كبير داخل حركة تقودها جاذبية هذا العالم الزائف.
إذ يمر "بحثه" عبر أوهام بحثًا عن وهم، وعن طريق مساحة للحديث تبحث عن قانونها في الكلام كمحاكاة للكلام.
ولتنفيذ بحثه، يجب على توماس معرفة قوانين المنزل. و كل من سيقابله سيكون منشغلًا للغاية بهذه القوانين، ولكن لا أحد يعرف حقيقةً ماهية هذه القوانين. فتظل غامضة وتعسفية، موجودة في كتب لا يقرأها أحد، وقد لا تكون موجودة.
في نقاشاته الطويلة مع تلك الشخصيات، يُفعّل القانون فورًا ويعرقل طريقه. وتتبعه العوائق ليتغلب عليها.
وهكذا، فإن القانون يحضّ على تجاوزه، وتجاوز ذلك يقود إلى أصل القانون الذي تتلاقى فيه كل هذه التصادمات. ولكن بالرغم من ذلك-
-فإن مسار توماس التصاعدي ، من ناحية أخرى، ليس إلا تحرك هبوطي.
إذا كان هناك شيء واحد تتقنه شخصيات "عميناداب"، فهو الكلام. تعليقاتهم التي لا تنتهي، وتوضيحاتهم غير الموثوقة والمتضاربة، وقصصهم الأسطورية والأساطير وخاصة المناجاة الطويلة والمميزة التي تم وضعها قريباً من قلب الرواية، مفتوحة داخل المجموعة السردية من الأصوات العاطفية الهادئة.
إن هذه الأصوات، التي تنقلها قوى تتجاوز بكثير الوضع الخيالي الذي يتحدثون عنه، تدخل هذه الرواية في مكانتها الأكثر تفردًا وملائمة.
ومن خلال تلك الشخصيات، يأخذ نثر بلانشوت مزيجًا من الدقة والقصيدة الغنائية التي تميز كتاباته الأكثر جمالاً وغموضاً وتحدياً.
نثر عصيّ على التحديد، يستحضر ارتباطات مجازية لا يمكن اختزالها إلى مجموعة بديلة من المعاني أو إلى مرجع معين يمكن تمييزه. فليس هناك سوى حكاية رمزية تتخطى المعايير الخيالية، وتتجاوز كل إشارة، وتهدّد بحل عقدة الرواية، حرفيًا، إلى لا شيء.
إذا كانت رواية "عميناداب" عبارة عن رواية رمزية، فتلك الرمزية لا معنى لها. لقد أُخبر توماس أنه إذا كان سيصل إلى الطوابق العليا، فلن يجد شيئًا، لأنه لا يوجد شيء.
وفي علاقة توماس الغامضة بالقانون، نجد أنه يسعى جاهداً في صعوده إلى الأعلى نحو اللاشيء. إن الأصوات التي تضع مساراتها التفصيلية في طريقه تتحرك أيضًا نحو ذلك اللاشيء الذي يسيطر عليهم بإكراه غامض. ورغم تخطي مرحلة ما بعد المجاز، فإنهم يظلون يتحدثون باللغز بوضوح وخاصة عند كل ملتقى-
-للسؤالين اللذين يتكرران كثيرًا في أجزاء الرواية: من أنت؟ ماذا تريد؟
وإذا لم يكن بالإمكان اختزال العلاقات المجازية للرواية في مرجع واحد، فإن العنوان نفسه يستحضر مجموعة معينة من العلاقات الهامة. إذ يخبرنا كاتب سيرة "بلانشوت"، كريستوف بايدنت، أن "عميناداب" كان هو اسم الأخ الأصغر لـ"إيمانويل ليفيناس"، الذي قتله النازيون في ليتوانيا قبل ظهور الرواية.
في العبرية، يقصد بهذا الاسم"عميناداب" (" شعبي كريم " أو الشعب التائه"). ولكن هذه المقاصد ليست واضحة في أي موضع في رواية بلانشوت، حيث "عميناداب" ليس سوى شخصية ولكنها شخصية خفية أسطورية ومذكورة فقط في النهاية.
ضمن معايير الخيال الروائي، تحاول الرواية الاقتراب واستكشاف هذا المكان الذي ليس مكانًا. في تشابه مع قلعة كافكا -التي ربما يكون لمؤلفها أفكار مشابهة.
إنها رواية شاردة، والكلام والخطأ لا ينتهيان فيها، وكذلك الأحداث العاطفية.
إن توماس (بطل الرواية) ليس سوى شخصية المنفي بلا مأوى، الذي يجد نفسه في أرض الكلام الموعودة. وبهذا المعنى، ما تزال "عميناداب" صادقةً ومؤثرة مع الضرورة الخارجية والغرابة التي ينسبها بلانشوت إلى الفضاء الأدبي-
-حيث تحوم كل الحركة وحيث يتحمل الكلام ثقل القانون -ليس كأساس قانوني ولكن كمبدأ وجودي -المستحيل ولكن المسكون بحقيقة سراب المصير والغاية.
إن مهمة الأدب، التي يشير إليها بلانشوت، وتمثلها الرواية، وتحددها في رموزها الكثيرة، هي الحفاظ على هذه الصيرورة العاطفية لتمضي نحو غرابة حميمة تفتحها اللغة في قلب العوام، لكي يواصلوا التحدث بتلك اللغة، اللغة الوحيدة التي من شأنها أن تُبقي على ذلك الشعور.

جاري تحميل الاقتراحات...