المغرد الأخير
المغرد الأخير

@YAScire

22 تغريدة 130 قراءة Dec 06, 2019
كان التدريس في احدى المدارس الحكومية الموصى بها من مشرفي الأكاديمي هو المطلب الأخير في حياتي الجامعية، الذي يفصلني عن الوثيقة الحلم، الحرية المطلقة، الحياة الوردية التي كنت أتخيلها
ذهبت للمدرسة المنشودة بصفتي معلمًا لأول مرة في حياتي على سطح هذا الكوكب التعيس، ذهبت وأنا أعلم يقينًا أنني كدت أن أكون رسولًا يومًا ما، ذلك الشخص الذي يقومون له ليوفّوا له التبجيلا ولكن...
كانت أحلامي وتخيلاتي عن الموقف كمعلم في وادٍ والواقع الحقيقي في وادٍ آخر، اعتقدت أن منظري وأنا أسير في الممرات كفيل بايقاف كل حركة غير منضبطة في المدرسة، بل حتى في المدارس المجاورة لنا على محيط مائة كيلو متر
لم يكن هذا ما حصل، كان المنظر مخيفًا جدًا في بادئ الأمر، المراهقين في كل مكان، كانوا فوق الأرض وتحتها، داخل الطاولات، خارج النوافذ، يلتصقون بالسبورة ويتسلقون الجدران ويأكلون الأقلام ويمزقون الورق، كانوا مثالًا حيًا للهمجية، للفوضى، للثورة
إلا أنني بتوفيق الله استطعت أن أضبطهم، وعدتهم أنني سأكون صديقًا لهم، وأمًا حانية إن أرادوا ذلك، حدثتهم عن النصر والهلال، عن ألعاب مشهورة لا أعرفها جيدًا، كنت أقوم بدور يوتيوبر لمدة اسبوع كامل في مسيرتي التدريسية
ثم لما اطمأنوا لي وشعرت أنني تمكنت منهم، وأن الخير سيعم البلاد والعباد، نطق سلمان عايد، أنطقه الله الذي أنطق كل شيء، سلمان عايد لم يصمت منذ ذلك الحين، كان يتحدث كثيرًا، لا أحد يفهم ما يقول إلا أنه يتحدث باستمرار! كان يطمح إلى شيء، سيبقى سرًا حتى قيام الساعة
كان يبدو وكأنه اكتشف قدرته على الحديث اليوم، لا أدري ما الذي دعاه للحديث، وما الذي يريد أن يخبرنا به، لا أحد يعلم، هو بنفسه لا يعلم! هل كان يريد تحذيرنا من عدوٍ قادم؟ من وباء قريب سيقتلنا جيمعنا ويخلصنا من هذا العناء؟ لا أحد يدري
سلمان عايد كان يشتم كثيرًا، كان غاضبًا، ذلك الفتى كان يملك من الغضب ما يمكّنه من قيادة جيش هدفه الأساسي القضاء على السعادة المتبقية في قلوب البشر في العالم، هذا الذي فهمته على الأقل.
كان يشتم زملاءه، يشتم نفسه، يشتمني أنا شخصيًا
سلمان عايد.... لن أنسى هذا الاسم ما حييت، ولن أنسى تلك السحنة العربية الخالصة، إنك حينما تنظر إليه تشعر وكأنك تنظر إلى الصحراء، فتعيد النظر كرةً أُخرى فلا تجد إلا الصحراء، تتمعن في وجهه فلا تجد إلا الصحراء، الصحراء فقط
لقد كان يمثل البذاءة في أجلى صورها، شعرت أن والده يقول له في كل صباح : يا بُني، أنت قليل أدب، بل أنت مُعدم الأدب، أنت رجل لا يملك من الأخلاق شيئًا، انطلق واصبح رمزًا كما كان لك أن تكون، أرهم كيف يكون الرجل بلا خُلُق
علمت منذ اللحظة الأولى أن العنف لن يُجدي معه، هذا لا يُقهر بالعنف، لن يتزحزح عن موقفه قدر أُنمَله، وأن الدرجات هي آخر ما يمكن أن يفكر فيه، فبدأت بالتقرب منه، أمدحه أمام زملاءه، أدفعهم دفعًا إلى التصفيق له، أعده بالدرجات العُليا، لكن لا، لا وجود لأي بوادر سلام
كان متمنعًا بطريقة تشبه تلك الطريقة التي تتمنع فيها النساء، كانت أبواب قلبه موصدة، محكمة الإغلاق، كنت حين أرفع صوتي عليه أختنق، تتجمع العبرات في حلقي، أنهزم، أشعر بالضعف، بعدم الحيلة، قتلني نفسيًا
وهو فوق كل هذا يملك جندًا لا يعصونه، ميليشيات صغيرة، خلايا نائمة منتشرة في الفصل، كان ملهمًا لهم، يستطيع إقامة ثورة بتصفيرة واحدة، تصفيرة لا تكاد تُسمع يطلقها عليه اللعنة فتثيرهم أجمعين، كان بارعًا في صناعة الفوضى الخلّاقة
أتذكر أنه عزف أغنيةً كاملة بلسانه وأنا أشرح ولم أجد إلا أن أُخرجه من الفصل، كان هذا الحل الوحيد لايقافه، النفي، الابعاد، رميه بعيدًا هناك خلف الجدران والأبواب المغلقة.
اقترب مني ذات يوم، فدفعته عني، اعتقدت أنه سيقتلني
فغضب بشدة، شعرت بالغضب يفوح منه، تمالكت أعصابي... قلت له بما تبقى لدي من رباطة جأش : ولد!! ارجع مكانك الآن!
قال لي بنبرة حانقة : والله لاعلم ابوي
وغادر......
غادر؟ أظنه تبخّر، لم يترك أثرًا له!
في اليوم التالي أتى والده، يحمل ابنه كقنبلة صغيرة، كسلاح سيدمر العالم بدون أدنى ذرة تأنيب الضمير، كان والده كبيرًا في السن، ضاربًا في عمق التاريخ
كان عمره يكفي لثلاثة حيوات كاملة
قال لي : لماذا فقشت رأس ابني؟
فقشت؟ من الذي فقشته؟ أين رأس ابنك أصلًا؟ قال لي اعترف لماذا لا تحب ولدي؟
قلت له والله اني أحبه اسأل الطلاب!!!
سألهم، قالوا : لا ما يحبه!
يا عيال الكلب
قلت له أنني ما قمت إلا بدفع ابنك دفعة خفيفة لا تكاد تحرك طفلًا رضيعًا فكيف بهذا البعير الذي قرر في اللحظة الأخيرة أن يتحول إلى مراهق، ثم تذكرت مقامي، أنا معلم!
قلت له : يا سيدي ابنك هذا عبارة عن سلوك خاطئ ينتشر في أرجاء المدرسة، هذا الشيء الذي أنجبته ليس إلا دعاية سلبية لجميع المخلوقات البشرية!
قال لي حديثًا كثيرًا فهمت منه أنه قد يقوم بحشو ابنه في فمي إن حاولت المساس به مرةً أُخرى ثم قال لي أن ابنه طفل رائع وجميل لكنه يحتاج إلى القليل من النصائح والتوجيهات اللطيفة
أردت أن أقول له أنه يحتاج إلى مركز تأهيل، أو إلى السجن حتى، يجب أن تُعاد هيكلة هذا الشخص من البداية، لكنني لم أرد اطالة الحديث، لأنني أريد الهرب من التعليم في أقرب فرصة ممكنة.
أنا لست معلمًا، ولن أكون معلمًا
كنت مجبرًا على أن أكون معلمًا لمدة ٤ أشهر فقط، وانتهت قبل عدة أعوام

جاري تحميل الاقتراحات...