بين الشك واليقين
من غرائب الأمور أن تمشي على مدن ومواقع قديمة ولا تعرف إلى من تنسب، وتقرأ عن مدن وحضارات ولا تعرف أين تقع. ومع أن هذا قد يوفي هذا إلا ان العقل البشري يبدو مولعاً باختلاق الصعاب حتى وإن لم يكن لها وجود، فيتمسك بصعوبة الشيء ويتجاهل سهولته بحثاً على ما يظهر
من غرائب الأمور أن تمشي على مدن ومواقع قديمة ولا تعرف إلى من تنسب، وتقرأ عن مدن وحضارات ولا تعرف أين تقع. ومع أن هذا قد يوفي هذا إلا ان العقل البشري يبدو مولعاً باختلاق الصعاب حتى وإن لم يكن لها وجود، فيتمسك بصعوبة الشيء ويتجاهل سهولته بحثاً على ما يظهر
عن العناء، وهذه هي الحال مع المدن المذكورة في الكتب التاريخية والمواقع الأثرية الموجودة على الأرض آثارها ناطقة عن حالها. عندما يتساءل المرء عن وجود تلك الصعوبات لا يجد جواباً، وقد يكون الجواب في أنه هو الذي صنعها بنفسه، لأن الأمر الغيبي الكامل لا يمكن أن يعرفه الإنسان مطلقاً،
وما يحاول الإنسان دائماً معرفته هو ما كان معروف أصلاً ولكنه لسبب من الأسباب ضاع فأصبح مادة بحث. وهذه الحال هي حال البحث في الكثير من القضايا الأثرية لأن الآثار تتعامل مع عالم قديم لم يترك من التراث المكتوب إلا القليل، ولكنه ترك بقايا حضارته شاخصة متمثلة بالمستوطنات وما تحتويه
من منشآت معمارية، والمقابر وما تحتويه من أنماط قبور عديدة. وعندما نبحث عن شيء مفقود لنجده في الحاضر الموجود لا نستطيع أن نحدده، وهذا جلي في الكثير من القضايا الأثرية، فعلى سبيل المثال ميناء أكراكومي الذي كان يستخدمه الأنباط في تفريغ بضائعهم الواردة عبر البحر وفي تصدير ما ينتجون.
كثر الحديث حول موقع هذا الميناء ولكن لم يتقلص الاختلاف بين الباحثين حول مكانه فبقي كلٌ يرى أنه في موضع على ساحل البحر الأحمر يختلف عن الموضع الذي يراه الآخر. ولا يجهل أحد قصة ملكة سبأ "بلقيس" التي تمتلأ الكتب بالأخبار عنها وترتبط بأمم عديدة إلا ان الاختلاف لا زال يدور حول
مكانها، فنُشرت عشرات الأبحاث وعقدت الندوات العلمية ولايزال الغموض هو الغموض. وهناك حديث طويل عن الجرهاء التي أفادت الكتب التاريخية أنها تقع في مكان ما في شرقي الجزيرة العربية. ومع ان المستوطنات القديمة في ذلك الجزء قد جرى مسحها وتحديدها إلا أنه لم يتم اتفاق بين الباحثين حول
تحديد موقع الجرهاء بالرغم من أن هناك مواقع رئيسة تستحق أن تكون عواصم دول؛ وبالتأكيد انها كانت مثل موقع ثاج الذي يشغل مساحة ضخمة، وله سور ضخم مزود بأبراج، وحول المدينة تقوم آلاف المدافن، ومع ذلك لا نعرف إلى أي كيان سياسي تعود. ومثل موقع ثاج وموقع الدفي في الجبيل الذي يتحلى
بمكونات الموقع الرئيس، وعُثر فيه على منشآت معمارية ومواد أثرية منقولة ولكن أيضاً لا يُعرف إلى أي كيان سياسي يمكن أن ينسب. والأدهى والأمر أننا نتحدث عن كيانات سياسية على أنها وجدت وكانت قوية مثل مملكة طسم وجديس وأمة عاد وغيرها ولكننا لا نستطيع أن ننسب إليها أي من الآثار الشاخصة
لدينا مثل آلاف المقابر الموجودة حول يبرين وتلك المحيطة بعيون الأفلاج والآلاف المؤلفة من المنشآت الحجرية التي تتناثر في محافظات منطقة الرياض وفي بقية مناطق المملكة العربية السعودية، وكذلك دول الجزيرة العربية الأخرى. إنه من المدهش حقاً ان نقف عاجزين عن إجراء التماثل
بين الآثار الثابتة والأمم المذكورة في المصادر التاريخية، وأنا أظن ان العجز ناتجاً عن قلة الأبحاث الآثارية المتخصصة في جزئيات البحث وبخاصة إذ قسنا ما يتوفر بالنسبة لنا بما يتوفر بالنسبة للبلدان المجاورة التي في أبحاثها الأثرية يسيطر اليقين، على عكس أبحاثنا الأثرية حيث
يسيطر الشك أكثر. ولا أشك بأن السبب لا يتجاوز موضعين، إما أن نكون غير قادرين على حسم الأمور العلمية وهذا عامل سلبي يحتاج إلى معالجة، أو أن يكون البحث الأثرية لدينا قليل في كمه ونوعه وهذا هو ما أظن. ولنقترب في الزمن إلى ما قبيل ظهور الإسلام، فنذكر ان هناك أمماً استوطنت الجزيرة
العربية بشكل كثيف، ففي وسط الجزيرة العربية كانت حنيفة أمة زراعية غنية وقوية ومحاربة، فإن أردت أن تتحدث عن حنيفة من المصادر التاريخية ربما وجدت بعض المادة، ولكن لن تجد ما تتحدث عنه أن استندت إلى الآثار، لماذا؟ لأن الآثار لم تقدم بصورة واضحة ليس لأنها غير موجودة بل هي موجودة،
ومن يسير في وادي حنيفة يسير على مواقع أثرية وشواهد معمارية، ولكنها لم توصف نوعاً ولم تنسب زمناً ولم تحدد مكاناً. فحتى إن كنت تعرف أنها موجودة، لا تستطيع أن تتحدث عنها لعدم إبرازها وتقديمها بأعمال متكاملة تناسب القراءة العامة. وعليه نجد أننا بحاجة إلى تنشيط البحث
في الموضوعات التي نحن بحاجة إليها، وبخاصة تلك التي تضيف شيئاً أو تطور شيئاً أو تحل أشكالاً. ولا يعني هذا عدم الاهتمام بالمواضيع الأخرى، ولكن يجب في الوقت نفسه أن لا نغفل النقاط المذكورة لكي تتراكم المعرفة عن مواضيع معينة نحن بحاجة إلى حل العديد من الإشكالات ذات الصلة بها.
جاري تحميل الاقتراحات...