د. عوض بن إبراهيم العقل
د. عوض بن إبراهيم العقل

@TheThousand_MAN

14 تغريدة 10 قراءة Dec 02, 2019
#نظرية_المعرفة
فضاء البلاغة بين الاستدلال والأناقة:
قال أبو يعقوب بأنّ علم المعاني والبيان معرفةُ خواص تراكيب الكلام ومعرفةُ صياغات المعاني.
وهذه المعرفة تتأتّى في علمي المعاني والبيان عبر: التجربة أو العقل أو الحدس أو النقل. وكل هذه الأربعِ رأيتهم يقولون بها.
فإذا ذكروا أصناف الصناعات والمطعومات والملبوسات والحلي والزينة ذهبوا بك نحو التجربة.
وإذا أمروك بالتفكّر والتعقّل والتفهم فقد أمورك بما قاعدته المعرفيّة العقل كأقسام المعاني والفروق بين التراكيب.
وعندما يدهشهم نظمٌ، ويعجبهم أسلوبٌ يقولون تفقّد ذلك في نفسك، ورُضها رياضةً مستمرّةً حتى تجد الذي وجدنا، وتفهم الذي فهمنا، وتتلذّذ كتلذذنا فهم هنا يدعونك للمعرفة القائمةِ على الحدس والذكاء؛
لأنّ في الحدس يقينًا جميلا لا يضاهي قوّته ألف دليل، كيف لا ؟!ودليله ذوقك، ونوره فهمك، وروحه ما استقرّ في بدنك من برد اليقين وسلام المطمئنين.
وإذا رأيتهم يصرفونك نحو الإعجاز، ويتحدثون معك عن وجه تفسير فإنهم يدلونك على معرفةِ التلقي والخبر، فيذكرون لك عندها مآثر الفكر، ومعادن العقول، وحكمة القرون ليدلوك على وجه المعنى، فيُشرِق فيك حُسنه، ويتلألأ لفكرك نجمه، فيكون طارق خير على قلبك، ورَوْحًا وريحانًا لروحك.
وكُلُّ كلامهم منطلق -في تقديري- من هذه المصادر المعرفيّة؛ ولعل السبب في ذلك أنهم انطلقوا من الإعجاز، والإعجاز آية، فقادتهم حصافتهم، وحدّةُ عقولهم إلى التفكير بشأن التوحّد، والبحث عن أصل التّكلُّم بين البشر؛ لأن القرآن هدايةٌ للعالمين، وما دام كذلك فإنّ في ألسنةِ
البشر قوانين متفقة، ووجوهًا متّحدة؛ ولأمرٍ ما أورد الجاحظ أسئلة البلاغة بين الأمم، وانفتحوا على الشعوبِ وألسنتها، ليس لأنهم عربٌ بل لأنهم من أهل التعدد اللساني فوجدوا مجال المقارنة مفتوحًا، وأنّ وراء الألسنة فكرًا مشتركًا
حببهم في هذه اللغة الشريفة وجرّدهم من اتباع الهوى في الكلام عن وجوه دهشتهم مع القرآن فكان وصفهم مثل وصف قريش لما سمعوا القرآن أول مرة: ذبول النفس، وانعقاد اللسان، وانفتاق الذهن عن لذّةٍ منسيّة في تاريخ البشرية قبل الإيجاد على هذه الأرض.
والمهم في أمر المعرفة البلاغية أن نعيَ أنها معرفةٌ ذاتُ مصادر متعددة وليست منطقًا ولا هذيَانًا بل إحكامًا وبيانًا، ولذلك أشار السكاكي (ت٦٢٦هـ) لتعدد مقامات الكلام وأنّ منها مقام (الاستدلال) الذي هو جزء من المعرفة البلاغية
وهذا الجزء المعرفيّ يتركز في المصدر الثاني من مصادر المعرفة ألا وهو العقل؛ لأنّ أحوال الإنسان متقلبةٌ بين ما يجرّبه بنفسه، وما يستنبطه بعقله، وما ينتجه بحدسه، وما يطمئنُّ له من ناحيةِ نقله فتحيطُ هذه الأربع بالنفس البشرية إحاطة الفضاء بنا، وتتسع آمادها اتساع
الفراغ بأجسادنا، وتنبسطُ زواياها انبساط المدى والأفق، ونحنُ مهما بلغنا من قوة واقتدار لا نمسك إلا بطرف، ولا نقتدر إلا بعد مكابدةِ ضعف وما ذاك إلا لأننا ننغمسُ في جزئية عقولنا، ونتغافل أو ننسى كليّة أرواحنا وألسنتنا، ونظنّ أنّ البيان
كلمات أنيقة في صوت موسيقي، أو كلمات صارمة في إطار قانوني، وليس الأمر كما بدا، ولا هو مثل الخبر والمبتدا، بل هو التماس والتباس، وهمس يغرينا بلمس، وليس غريبًا أن نندهش من بيان، أو نتقوى ببرهان
وسلفنا جبير بن مطعم لما سمع (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) كاد قلبه أن يكون في رمسه، ويطير لُبُّه وهو لمّا يدخل الإيمان في قلبه، فحكى حال بلاغته، وقال: (كاد قلبي أن يطير) والله لنا ولكم.
وشكرًا ?
@Rattibha رتبها

جاري تحميل الاقتراحات...