د. عوض بن إبراهيم العقل
د. عوض بن إبراهيم العقل

@TheThousand_MAN

23 تغريدة 39 قراءة Nov 29, 2019
مركزية المعرفة في ثنائية اللفظ والمعنى:
يرى شهرزاد بلعربي أنّ القياس التمثيلي عند الفقهاء هو الذي عُرِفَ عند البلاغيين باسم التشبيه.
وينقصُ هذا الكلام معرفةُ القاسم المشترك بين القياس التمثيلي الفقهي والتشبيه البلاغي وهو في تقديري (المشاركة)؛ لأنّ كل قياس تمثيلي مؤلفٌ من قضيتين.
وهاتان القضيتان في القياس التمثيلي بينهما (مشاركة) جزئي لآخر في علَّة الحكم، وهذه هي دقَّة الفقهاء في تحديد ماهيّة المصطلحات.
ولو ذهبنا إلى تسمية القياس التمثيلي تشبيهًا عند البلاغيين لوجدنا أنّ باب التشبيه ليس تشبيهًا في كل مسائله بل توجد فيه مسائل خارجةٌ عن التشبيه من جهة (وجه الشبه) وداخلةٌ فيه من جهة (الطرفين).
وهو المماثلة التي لا يكون الجامع فيها بين الطرفين مشهدًا ذهنيًا بل علّةٌ عقلية، كما أنّ الدلالة فيه ليست مثل الدلالة في التشبيه؛ لأن التشبيه عبارةٌ عن تعانق مدلولي الطرفين ومن ثم يخرج من هذا التعانق المعنى الجامع بين معنيي الطرفين لا بين لفظيهما.
ولابد من التّنبّه إلى أنّ الداخل في علم البلاغة المبني على نظريّة النظم ستكون قضية اللفظ لديه منطلقًا لملاحقة الدلالات لا مركزًا لبناء المعرفة.
وفي تقديري أنّ المعرفة في قضية اللفظ والمعنى لا تكون إلا بعد تحديد الاختيار بين أحدهما، فالذي يفضّل اللفظ ستكون المعرفة لديه في حدود الصوت اللفظي والمعنى المعجمي ومن ثمّ سينطلق إلى القضايا متسلّحًا بما استمدّه من دلالات المعجم، وأصوات الكلمات ولهذا شواهد في بيان
معنى الكلمة من خلال الاستماع لصوت حروفها، ومن ثمّ ربما يمكننا فهم جهودِ المعتزلة الذين لم يؤمنوا بالإعجاز إلا عن طريق (الصّرْفة) التي هي وقوفٌ عند حدود اللفظ والدلالات المعجمية.
أما إذا ما انتقلنا إلى جهة المعنى في ثنائية اللفظ والمعنى فسنجد تلك الجهود التي سبقت عبدالقاهر الجرجاني تحاولُ تفسير الإعجاز من خلال الأساليب غير أنها لم تقع عليه كما وقع عبدالقاهر الذي جمع بين فهم الوظائف النحوية للكلمات داخل الجملة
والمعاني المعجمية والمعاني الأسلوبيّة وأغراض المقامات فجمع ذلك في كله بالتوازي ثم انطلق يتحقق من هذا النظم في إحداث الدهشة، وتطوير المعرفة، وزيادة الإيمان والقناعة حتى إنّ المرء يمكنه أنّ يقول: إن انكشاف وجه الإعجاز للمرء إعجاز.
وإذا ظهر هذا فإنّ المعرفة عند أنصار المعنى لا تقف عند الحدود الظاهرة من الألفاظ وهي الأصوات والدلالات المعجمية بل تتعدى ذلك إلى ما يمكن أن يُسمى النظام المتواري للمعاني؛ لأننا عندما نقول: زيدٌ كالأسد. لا نفهم المعنى من لفظ (زيدٌ) ولا من معنى (زيدٌ) وهو اسم يطلق على
الرجل، ولا نفهم من لفظة (أسد) ولا من المعنى المعجمي للفظة (أسد) وهو الحيوان المهيب في الغابة أقول: لا نفهم منهما معنى التشبيه، بل نفهمه عندما نعلم أنّ المعنى تركّب من حال زيدٌ في الحياة، وحال الأسد في الغابة مع العلم أنّ زيدًا ليس رأسًا في عالمه مثل
الأسد الذي هو رأس عالمه، والذي يرى البلاغيون أنّ الجامع للتشبيه بينهما هم (الشجاعة) وتركوا دلالة المكانة في تراتبية العوالم بين العالم الإنساني والعالم الحيواني والذي في ظني أنه أمرٌ لا يقلُّ أهميّةً عن وجه الشبه الذي حكاه البلاغيون، فتشبيه زيد بالأسد
ليس المقصود فيه الشجاعة لأنّ النمر شجاع والذئب شجاع والفيل شجاع أيضًا لكنهم ربما شبهوا لأنّ الأسد مُهابٌ مخدومٌ تقوم لبؤته على الصيد له، وغيره من الحيوانات المفترسة يصطاد بنفسه أو يصطاد لغيره.
وبعد أن رأينا كيف يمكن للدلالات في مسائل التشبيه أو تتعانق لتوجهنا نحو المعنى الذي كان يبحث عنه عبدالقاهر الجرجاني ومن بعده من العلماء نجدُ المماثلة مختلفةً؛ إذ المعنى موجود في أحد الطرفين ثم يراد من ذلك تثبيت المعنى في الطرف المقصود من طرفي المماثلة
ولذلك إذا قلنا: زيدٌ مثل الأسد. لوجدنا أننا نريد نقل صفةٍ من الأسد إلى (زيدٌ) وهذه الصفة التي نريد نقلها لا يمكن أن يتفق عليها البشر عمومًا، وهنا نتذكّر الشاعر الذي قال: (أنت كالكلب في حفاظك للود) إذ شبّه الخليفة بالكلب والتشبيه يجعل الطرفين في الذهن شيئا متقاربًا
أثناء عرض المشهد التشبيهي في الذهن، أمّا المماثلة فإنها لا تحفّز الذهن على إنشاء مشهد ذهني بل تحفّز العقل على معرفة علّة الاستدلال البلاغي وبذلك يكون أحدٌ الطرفين جزئيًّا والطرف الآخرُ كليًّا ويراد تثبيتُ المعنى الموجود في الكُلّي على الجزئي ليثبت من خلال علّة
سمحت بعقد هذه المشاركة لا من خلال ملاحقةٍ للمعاني الثواني والتي أحيانا تكون معانيًا جديدةً قام بإنشائها المتكلم ولم يسبق إليها.
وهذا الأمر مختلفٌ في المماثلة التي تعتمد على المعنى المستقر في أحد الطرفين داخل سياق ثقافي معيّن ولا تمكّنُ صاحبها من بناء معانٍ تخييلية جديدة
ولعل المماثلة تندرج في القسم العقلي من أقسام المعاني عند عبدالقاهر الجرجاني، ولابد من نقل كلامه لنعرفَ ماهيّة العقل الذي لم يصرّح به فيقول: "ويجب أولًا أن نتكلم على المعاني، وهي تنقسم أولا قسمين: عقلي وتخييلي، وكل واحد منهما يتنوّع، فالذي هو العقلي على أنواع:
أولها عقلي صحيحٌ مجراهُ في الشعرِ والكتابةِ والبيانِ والخطابةِ مجرى الأدلّةِ التي يستنبطها العقلاء والفوائد التي يثيرها الحكماء.
ولذلك تجد الأكثر من هذا الجنس منتزعًا من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وكلام الصحابة -رضي الله عنهم-
ومنقولا من آثار السلف الذين شأنهم الصدق وقصدهم الحق أو ترى له أصلًا في الأمثال القديمة والحكم المأثورة عن القدماء".
ويُعلّق على ذلك د. الولي محمد بأنّ أمثلة عبدالقاهر في المعاني العقلية تتخذ مادتها من المجال الأخلاقي حتى إنها
"تمتاز بنوع من التعبير يكاد يتجرّد كليّةً من الوسائل التصويرية" ولذلك فالعقل الذي يقصده الجرجاني في تقدير د. الولي محمدٌ هو عقل المجتمع الذي تتمثل فيه منظومة قيمية أخلاقية تضمن استمرار الحياة.
وتقدير د. الولي محمد يعجبني كثيرًا وهو ذاتُ الشيء الذي
لاحظته في المماثلة التي ضمها البلاغيون إلى التشبيه وكأنها مسألة من مسائله، وهي منه ولا منه ولذلك فالمماثلة لا تُكسِبُ الكلام صفة الشعريّة التي يقول عنها الجرجاني: "ليست جوهر الشعر"،
بل فيها جوهر المنطق الذي يحاول التوضيح واستنباط النتائج من أجلِ الإقناع أو تسجيل الموقف الأخلاقي المتوافق مع منظومة القيم الحاكمة على المجتمع، والله ربي ورب الناس.
شكرًا لكم ?
@Rattibha رتبها

جاري تحميل الاقتراحات...