حلاوة مصرنا
حلاوة مصرنا

@omdae75

18 تغريدة 108 قراءة Nov 29, 2019
#المماليك_المُفترى_عليهم
يُقسِّم المؤرخون التاريخ الاسلامي عصورًا متعددة ، و يجعلون لكل عصر منها إسما يُميِّزه ، و يصفونه بصفات تَدُل عليه ، بحسب أهوائهم ، و العصر المملوكي واحد من تلك العصور ( 648 ـ 922 هـ / 1250 ـ 1517م )، و الوسم الذي وسموه به هو عصر الانحطاط ، أو عصر الانحدار
وسمَّاه بعض نقَّاد الأدب "عصر الدول المتتابعة " ، و أيًّا كان الاسم الَّذي أطلقوه عليه يظلُّ هذا العصر يمثِّل نموذجًا فريدًا من عصور التاريخ الإسلامي ، إمتزجت فيه جميع الأعراق من كل البلاد الإسلامية في إفريقيَّة وآسيا ،
و تعاونت من أجل تحرير الأرض و المقدَّسات الإسلامية من رجس الصليبية الأوربية و الوثنية المغولية ، بحيث يصح أنْ نطلق عليه بجدارة و إكبار " عصر الحريَّة والكرامة ".
و يكاد يُجمع الباحثون و العلماء على أنَّهم لا يعرفون عصرًا في التاريخ الإسلامي ظُلِمَ كما ظُلِمَ هذا العصر ،
و الّذين يحلو لهم أن يصفوه بوَصْف الانحطاط هذا ولا يفسِّرون لنا ماذا يعنون بهذا الانحطاط ؟ وفي أيِّ مجال كان هذا الانحطاط ؟
إنْ أرادوا الانحطاط في مجال السيَّاسة ـ فهل تستطيع دولة منحطَّة سياسيًّا أنْ تحقق وحدة الأرض العربية من أرمينية شاملاََ إلى السودان جنوبًا ،
وأنْ تنشئ فيها أعظم دولة في تاريخ العصور الوسطى ؟
و الدليل على ذلك ما ذهب إليه ابن خلدون مِنْ أنَّ العِلْمَ و التعليم إنَّما هما بالقاهرة ، ويعلل لرأيه بقوله : " واختُصَّ العلم بالأمصار الموفورة الحضارة ، ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر ، فهي أُمُّ العالم ، وإيوان الإسلام ،
وينبوع العلم والصنائع" ، وأصبحت القاهرة "مجمع الوارد والصادر ، و محطّ رحل الضعيف و القادر" و بخاصة منذ أنْ أصبحت مقر الخلافة العباسية ، بعد استيلاء المغول على بغداد في سنة 656هـ / 1258م ، و بالرَّغم من أنَّ الخلافة العبّاسيّة في القاهرة لم تكن أكثر من رمز ديني ،
وليس للخليفة من سلطة إلا مباركة السلطان المملوكي و تنصيبه، فقد تنبه كثير من الباحثين إلى أهمية وجود الخلافة الإسلامية ، و ضرورتها لشرعية الحكم ، فمنها يستمدُّ الأمراء سلطتهم ، وتحت رايتها تُسْتَنْفُر الجنود للجهاد ، وبأمرها تجمع الأموال ، وتفرض الضرائب لتحصين البلاد والدفاع عنها.
وإنْ أرادوا الانحطاط في مجال العلوم والآداب فإليك الجواب :
تعرضت الثقافة العربية في العصور الوسطى إلى نكبتين داهمتين أولاهما في المشرق ، بعد سقوط بغداد في أيدي المغول، و أخراهما في المغرب ، بعد أن أخذ الإسبان يُخْرِجُون العرب من ديارهم ، وأرضهم ويفتنونهم في دينهم ،
حتى تم لهم الاستيلاء على غرناطة آخر معاقل المسلمين وحصونهم في الأندلس ـ في سنة 897 هـ / 1492م ، و أصبحـت الأندلس أرضًا بلا إسلام ، وأصاب كنوزها العلمية و الأدبية ما أصاب كنوز بغداد من تلف وضياع ، و ما تعرضت له من حرق و تدمير ، و تجمع العُلماء في دولة المماليك
في مصر و الشام ، سواء أكانوا قادمين من المشرق هربا من وثنية المغول أم كانوا قادمين من المغرب فرارًا من وحشية الصليبية ومحاكم التفتيش ، و جَدَّ العُلماء في جمع التراث وتدوينه ، وبذلوا جُهدا مشكوراََ في هذه السبيل ، و تركوا للإسلام و للعروبة من المؤلفات و الموسوعات و البحوث
ما يبوِّئهم أسمى مكان ، و يشهد لهم بالفضل والفخار، و ليس من المبالغة في شيء القول بأنَّ المؤلفات التي كُتِبَتْ في العصر المملوكي بَلغت عشرات الألوف ، في مُختلف الفنون و العلوم ، و ما زال العرب إلى اليوم أفرادا ، و جماعات ، حكومات ، مؤسسات وجامعات عاجزين عن جمعها و تحقيقها و نشرها
و تيسير سُبل الانتفاع بها ، ويلاحظ أنَّ العلماء الَّذين نَذَرُوا أنفسهم لهذا العمل الجليل الجبَّار الَّذي لا تكفيه الأعمار الإنسانية القصيرة لم يكن دافعهم لهذا العمل النفع المادي أو المصلحة الذاتية أو التقرُّب إلى ذوي السلطان ، و إنَّما كان الباعث لهم الحقيقة العلمية المُجردة ،
والرغبة في حفظ تراث الإسلام إرضاءً لله سبحانه و تعالى وإعلاء لكلمته .
و إنْ أرادوا الانحطاط في مجال القوَّة و الحرب ـ فهل تستطيع دولة منحطَّة أنْ تنقذ الإنسانية من أخطر أعدائها : المغول ، والصليبيين ؟
فالمماليك هم الَّذين صدُّوا الهجمة البربرية القادمة من الشرق ،
فانتصروا على المغول في موقعة عين جالوت الشهيرة في سنة (658 هـ / 1259م ) ، وردُّوها على أعقابها خاسرة ، و اقتصر وجودهم على العراق إلى أنْ تخلَّوا عن وثنيتهم ، و دخلوا في الإسلام ، و ذابوا في الشعب الاسلامي.
و المماليك هم الَّذين واصلوا الجهاد المقدس ضد الصليبيين
الَّذي بدأه الشهيد نور الدين محمود بن الشهيد عماد الدين زنكي ، ومن بعده صلاح الدين الأيوبي ، فطهَّروا الأرض الإسلامية من الحملات الصليبية ، وكانت الضربة القاتلة الَّتي قضت على جنود الصليب ـ كما يقول سير وليم موير Sir William Muir ـ على يد السلطان الأشرف خليل.
لكل هذه الأسباب يرى كثير من الباحثين أنَّ وصف "الانحطاط" الَّذي وسم به الغربيون عصر المماليك ، و سار على دربهم بعض مؤرخي العرب سببه هو الاعتقاد الجازم أنَّ هناك عمليَّة خفيَّة تهدف إلى صرف الباحثين عن دراسة هذه الحقبة ، والاكتفاء بحكم سريع ظالم عليها ’ ولسنا ندر لذلك سببا ،
اللهمَّ إلاَّ أنْ يكون هذا العصر هو الَّذي قاوم جحافل الغرب الَّتي استحكمت حينًا من الدهر في هذه البلاد ، ودَفَعَ الوثنيَّة الَّتي جاءت على سيوف التتار و رماحهم ، و مَلأَ المكتبة العربية الَّتي خوت بمصيبة بغداد و سواها بالتراث العربي و الإسلامي المشرقين ،
وأعاد إلى النفس الاسلامية عزَّتها وثقتها ، و يكفي سبب واحد من هذه ليشحن قلوب الشعوبيين ، والأعداء ، والمبغضين ، والمارقين ، والمنحَلِّين حقدًا ضدَّ العصر وأهله ، وكل ما كان فيه.

جاري تحميل الاقتراحات...