سعد محمد العصفور
سعد محمد العصفور

@SaadAlasfoor

12 تغريدة 40 قراءة Nov 28, 2019
حكم التمييز الذي ألغى قرار تعيين الخبراء ليس مدعاة للاحتفاء والترحيب، بل للنقد والفحص.
الحكم منتقد، سواء من الناحية القانونية الفنية، أو من ناحية تحقيق العدالة كمبدأ؛ فالحكم خالف قواعد قانونية راسخة، وزعزع مراكز قانونية مستقرة ومكتسبة بحق، ما كان ينبغي لها أن تزعزع.
فأولاً: من القواعد الراسخة أن المحكمة تلتزم بالنظر والفصل في حدود الطلبات التي يطرحها عليها الخصوم، وليس لها من تلقاء نفسها أن تضيف طلبات جديدة -مهما رأتها عادلة- ثم تصدر حكماً بشأنها.
فالقاضي ليس مفتياً أو محاضراً، بل له وظيفة محدودة، محكومة بقواعد دقيقة، لا يجوز له الخروج عنها.
وهو ما خالفه الحكم صراحة، فهو بعد أن ذكر طلبات المحكوم لها، وما طعنت عليه من قرارات، تجاوز هذه الطلبات:
١- فالطلبات تعلقت بقرارات معينة بأرقامها، في حين أن الحكم تناول فترة زمنية وألغى ما صدر خلالها.
٢- المطعون ضدها طلبت الإلغاء النسبي، ولكن الحكم تجاوز ذلك، وقضى بالإلغاء المجرد.
وكان لهذا الخطأ أثر مزدوج:
١- أن فيه خروجاً عن وظيفة القاضي، وتعرضاً لقرارات غير محددة، لم يطلب منه أحد إبطالها.
٢- أضر هذا المسلك حتى بالمحكوم لها، لأن الإلغاء النسبي الذي طلبته كان سيلزم الإدارة بتعيينها، أما الإلغاء المجرد الذي قضت به المحكمة، فلا يلزم سوى بإعادة الإجراءات.
ثانياً: من القواعد الراسخة أيضاً أنه "لا يضار طاعن بطعنه".
ومعنى هذا المبدأ: أن المحكمة التي تنظر الطعن: إما أن تعدل الحكم لصالح الطاعن، أو أن تبقي على الحكم كما هو، ولكن لا يجوز لها أن تسوئ مركز الطاعن، بأن تقضي ضده بأشد مما قضى به الحكم المطعون فيه.
وهو ما خالفه مرة أخرى حكم التمييز: فحكم الاستئناف كان قد قضى بإلغاء الحكم إلغاء نسبياً "جزئياً"، في حدود ما تضمنه من عدم تعيين المحكوم لها، ولم يطعن على الحكم سوى الحكومة.
ومن ثم فإنه كان على المحكمة إما تعديل الحكم لصالح الطاعن "الحكومة" أو رفض الطعن، ولكن ما حدث أن المحكمة قضت
على الطاعن بحكم أشد، هو الإلغاء المجرد، الذي يعدم القرار كلياً وليس جزئياً، بل وزادت عدد القرارات المقضي ببطلانها، ثم قررت أنها قرارات منعدمة وليست باطلة، والانعدام أشد.
وفي هذا كله سوأت المحكمة مركز الطاعن، مما يعد مضارة له بطعنه، وهو ما لا يجوز - قطعاً - من الناحية القانونية.
وأخيراً: من ناحية العدالة المجردة، فإن الحكم حين ألغى كافة القرارات إلغاء مجرداً، وألزم الإدارة بإعادة كافة الإجراءات، أضر بكل مستحق، تعين بموجب هذه القرارات، إضراراً بليغاً، رغم أن له مصلحة كان ينبغي - لإحقاق العدالة - أن تؤخذ بالاعتبار.
خاصة وأن الأسباب التي ساقها الحكم
لقضائه، وهي الخطأ في المفاضلة بين المتقدمين، وتعيين متقدمين آخرين دون اتباع الإجراءات، ليس فيها ما يوجب الحكم بانعدام كافة القرارات الصادرة في فترة معينة.
فكان يكفي إلغاء القرارات التي لم تتبع الإجراءات -سيما وأنها قرارات منفصلة- وإلغاء البقية في حدود المفاضلات غير العادلة.
وليس إلغاء القرارات كلياً وتحميل المئات - بعضهم مستحقون بالفعل، بل ربما أكثر استحقاقاً من المحكوم لها - جريرة مخالفة جهة الإدارة للقانون.
فهل من العدالة، أن نمنح الحق لصاحبه، على حساب العشرات من المستحقين، في حين أنه كان يمكننا منح ذات الحق، على حساب شخص واحد غير مستحق؟
خلاصة القول: أن الحكم وضع نفسه موضع جهة الإدارة، وخالف مبدأ الفصل بين السلطات، وخالف طلبات الخصوم، وأساء لمركز الطاعن، وأضر بمصالح قانونية معتبرة، وزعزع مراكز قانونية مستقرة.
ليس فينا من يحب الظلم، وندرك أن الواسطة آفة ينبغي قمعها، ولكن ذلك يكون من خلال ترسيخ مبدأ المشروعية، والذي يقضي بأن كافة سلطات الدولة -ومنها، بل أولها، القضاء- ليس لها أن تخالف القواعد والاختصاصات القانونية الموضوعة مسبقاً، وإلا أضر ذلك بالعدالة إضرارا بليغا، ولو حسنت النوايا.

جاري تحميل الاقتراحات...