د. عوض بن إبراهيم العقل
د. عوض بن إبراهيم العقل

@TheThousand_MAN

15 تغريدة 41 قراءة Nov 27, 2019
#بلاغة
ظاهراتية عبد القاهر الجرجاني (نور الوعي ومرونة المعنى):
سمى عبدالقاهر الجرجاني التعلّق بالصفات المتأصلة في الأشياء ونقلها إلى معانٍ أخرى يجري فيها القول سماها: ظواهر الأمور.
وهذه الظاهراتية الجرجانية تقوم على الاستعانة فيما يزيّف حقيقة الأمر، أو لنقل يصرفُ القصد عن حقيقة الأمر.
وكأنّ الأشياء في ذهن عبدالقاهر تقوم على ظواهر وحقائق، وأنّ الظواهر تكتسب صفة العمومية ولا تختص بحقيقة الأمر، والظاهراتية في الفلسفةُ تقوم على تناول الظواهر (العموميات) من خلال صلتها بالوعي أو الشعور طلبًا لبلوغ ماهيات الأشياء.
ولنأخذ على ذلك مثالًا ضربه عبدالقاهر الجرجاني هو قول البحتري:
وبياض البازي أصدقُ حسنا
إن تأمّلت من سواد الغرابِ
يرى عبد القاهر أنّ بعض الشعراء يقع في ظواهر أمور لا تصحح ما قصده من التهجين والتزيين؛ لأنّ ظاهر الأمر ليس مرتبطًا بحقيقة الأمر ارتباطًا وجوديًا.
ويقول إن هذا يجري من الشعراء في باب الشيب والشباب، وهذا الباب يحكي في سياق كلام عبدالقاهر عن مراحل العمر التي هي الحقائق الممتدة على خط الزمن وأنّ ما يصاحبها من تغيرات إنما هي ظواهرها.
ولكن البحتري عندما استفاد من بياض البازي قصد بذلك مدح بياض الشيب على سواد الشباب وليس هذا المدح متصلا بحقيقة الباب التي هي مراحل العمر بل ترك البحتري مركز باب الشيب والشباب وهو العمر إلى ظاهراتيةً تتصل بالباب اتصالا بصريًا.
ولذلك قال عبدالقاهر بعد ذلك: "فنحن لا نذم في الشيب مجرّد اللون". مما يجعلنا ننتبه لموقع الأشياء من فكر عبدالقاهر الجرجاني وهو يرصد الفروق بين المعاني العقلية والمعاني التخييلية.
فالمعاني التخييلية تعتمد على الفصل بين ظاهر الشيء وحقيقته، ومن ثَمّ تنطلق نحو العمل على الظواهر والتي سميناها (العموميات) في نزعٍ لها من سياقها الحقيقي وتفعيل لها في سياق تخييلي يُرادُ منه بثُّ الرأي دون إلزام أو التزام وإنّما الأمر كما قال: "لا يمكن أن يقال إنه صدق=
وإنّ ما أثبته ثابت وما نفاه منفي"وقد ذكر في سياق المعاني التخييلية قول أبي تمام:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى
فالسيل حرب للمكان العالي
فجاء المعنى التخييلي من فصله العلو عن حقائق الأشياءوالتعامل معه على أنه من الظواهر التي تكون في كل شيء بشكل واحد ونظام واحد وحقيقة واحدة.
ولذلك وحّد العلو بين الكريم والمكان العالي ثم التفت إلى استقرار الماء على الجبل واستقرار المال في يد الكريم وفصلهما عن شيئيهما ليكون لدينا ظاهرة (الزوال السريع) والتي تمكن الشاعر بعد فصلها عن عالم الأشياء وإطلاقها في عالم الخيال الذهن لتكون سلعةً يستفيدُ منها كل ممارس
للقول الأدبي ولذلك نزّل هذه الظاهرة المنتزعة من أشيائها على أشيائها بنسبة واحدة وشكل واحد ومشهد واحد فجعل زوال الماء عن المكان العالي أمرًا متساويًا مع زوال المال عن يد الكريم.
والذي تحدث عنه عبد القاهر يذكرنا بالظاهراتية أو الفينومينولوجيا التي تدرس ظواهر موضوعات وأشياء العالم الخارجي في الوعي.
بمعنى أننا نجد عبدالقاهر في تقسيم المعاني يقسم المعاني إلى قسمين: عقلي وتخييلي، وهذه القسمة تقول: إنّ العالم من حولنا في اتصاله بنا يقوم على
معانٍ ملتصقة بالأشياء تمثلها تمثيلا وجوديًا، وإذا ما أردنا الاستفادة من هذه المعاني في إبراز ما ننوي قوله على طريق القبول دون التصحيح والتخطئة
فإنه لابد لنا من فصل صفات الأشياء عن أشيائها حتى نتمكن من توحيد المعاني توحيدًا ظاهراتيًا يسمح لنا بإعادة تشكيلها وفق وعينا البلاغي.
شكرًا لكم ?
@Rattibha رتبها

جاري تحميل الاقتراحات...