تكرر الحديث عن تكليف المالك للمهندس المصمم مهام الاشراف على المشروع واختلف العلماء حول ايجابية هذا القرار وسلبياته. سأنقل لكم في هذا الثريد تجربتي من واقع خبرتي طوال العشرين سنة الماضية. وسأحاول أن أتحدث بالعموم ولن أخصص الحديث عن الإشراف على الفلل السكنية بل عن المشاريع بشكل عام
يغفل كثير من الملاك أو من يمثلهم، أياً كانوا سواء أفراد، أو قطاع عام أو خاص، عن أهمية مرحلة التصميم في المشروع، فلا يتم العناية بها، والإهتمام بأدق تفاصيلها، إما لجهل، أو عدم خبرة، أو استعجال في البدء في تنفيذ المشروع، ظناً منهم أن أهم مرحلة في التصميم هي اعتماد المخطط المعماري.
والصحيح، خلاف ذلك. فلا تقل المخططات الانشائية والكهربائية والميكانيكية والمواصفات وجداول الكميات والحسابات الفنية أهمية عن المخطط المعماري، بل تفوقها أهمية. ويقع الخلل هنا نظير ضعف الجانب الفني إما لدى المكتب الهندسي، أو المالك أو من يمثله.
فما يقدمه المكتب الهندسي من مخططات تفصيلية ومواصفات، لا يتم بالعادة مراجعتها من قبل المالك أو من يمثله، بل يتم إرسالها فوراً للمقاول للتسعير، أو طرحها للمنافسة، وهذا خطأ فادح وجرم كبير. وهنا تقع اشكالية أن المالك وثق ثقة عمياء بالمكتب الهندسي، (يتبع)
وتحمّل المالك مخاطرة قيام المقاول بتسعير المشروع بأعلى من سعره العادل، نظير الأخطاء في المخططات والحسابات، وجعل المقاول يتحكم به يمنة ويسرة، ويفتي بما لا يعلم أو ينفذ وفق رؤيته هو، نظير عدم وضوح العديد من التفاصيل الفنية، وسأتكلم عن هذه الجزئية في ثريد آخر لكي لا يتشعب الموضوع.
أعود لصلب الموضوع، فأقول أن المالك يجد نفسه أحياناً راغباً في تكليف المهندس المصمم لمهام الاشراف على مشروعه، بناءاً على كونه مصمم المشروع، وهو الشخص او الجهة الأكثر فهماً للمشروع من وجهة نظر المالك، والجهة القادرة على تدارك أي خلل كان في مرحلة التصميم، فهنا أقول ما يلي ....
أولاً: لا شك أن المهندس المصمم هو الشخص الأكثر فهماً للمشروع ولكن هذه الجملة لا تقال على إطلاقها فأي مهندس مشرف ذو خبرة يستطيع أن يقرأ المشروع ويفهمه من مخططاته وتفاصيله وليس هذا الفهم محصوراً على المهندس المصمم ما لم يُخفي المهندس المصمم أو يُبقي بعض التفاصيل في مخيلته هو (يتبع)
وهذا ليس له أي مقياس في عرف الهندسة، ولا يتم القبول به بتاتاً.
ثانياً: يظن المالك بأن تكليف المهندس المصمم لمهام الاشراف على مشروعه، سينقذه من تحمل تكاليف إضافية لتعديل التصميم مستقبلاً، أو قيام المهندس المصمم بإضافة بعض التفاصيل الناقصة وقت التنفيذ، وهذا مفهوم خاطئ.
ثانياً: يظن المالك بأن تكليف المهندس المصمم لمهام الاشراف على مشروعه، سينقذه من تحمل تكاليف إضافية لتعديل التصميم مستقبلاً، أو قيام المهندس المصمم بإضافة بعض التفاصيل الناقصة وقت التنفيذ، وهذا مفهوم خاطئ.
ثالثاً: إن تكليف المهندس المصمم مهام الاشراف على المشروع، سيجعله يخفي كافة عيوب تصميمه، ونقص مخططاته ومواصفاته، بل والأدهى والأمر، سيقوم بنكران أن هناك خللاً في التصميم، ولست هنا أقصد التصميم المعماري فقط، بل التصميم الانشائي، والكهربائي، والميكانيكي (السباكة والتكييف، الخ). يتبع
وسيقع المالك ضحية سجال مستمر بين المهندس المشرف (المصمم)، وبين المقاول، وكل فريق يحاول يثبت صحة رأيه. ولن يستطيع المالك مع نقص خبرته، أن يثبت أي الفريقين على حق، وهنا يتأثر المشروع سلباً، وقد يدفع المالك مبالغ إضافية من أجل أن يحتكم لجهة هندسية أخرى لمساعدته على اتخاذ القرار.
وعادة يكون المهندس المشرف في هذه الحالة موظفاً في المكتب الهندسي المصمم للمشروع، وقد يؤدي اعترافه بالخطأ الى طرده من صاحب المكتب المصمم، لذا يؤثر المهندس المشرف في كثير من الحالات الى الصمت أو نكران أن هناك خطاً في التصميم أو نقصان في المخططات والحسابات الفنية.
فبإختصار الموضوع Conflict of Interest او ما يسمى تضارب مصالح. فالمهندس المشرف (المصمم) سيحاول أن يحمي مصلحته، بعدم الاعتراف بأي خطأ في التصميم، لكيلا يتحمل تكاليف تعديل التصميم، إو إنتاج المزيد من المخططات التفصيلية أو إعادة الحسابات الانشائية أو الفنية الأخرى.
رابعاً: أرجع للتأكيد على جزئية قيام المالك أو من يمثله بإعطاء مرحلة التصميم الأهمية القصوى، والاهتمام بأدق التفاصيل، ويجب في المشاريع الكبرى، أن يمثل المالك جهة هندسية تابعة له تقوم بمراجعة التصميم والمخططات والمواصفات وجداول الكميات، وذلك قبل عملية تقديم المقاولين لعروض الأسعار
وذلك لكي يتجنب المالك الأوامر التغيرية، أو التكاليف الاضافية أثناء التنفيذ الناتجة عن ضعف التصميم و نقص تفاصيله وعناصره، وبالتالي تجنب حاجة المالك الى الرجوع الى المهندس المصمم في كل صغيرة وكبيرة نتيجة ضعف مخرجاته. فمراجعة التصميم بالنسبة لي أهم مرحلة في المشروع ككل.
ومن واقع خبرة مهما كبر اسم المهندس المصمم أو صغر، لا بد أن يعتري جزء من مخرجاته الخطأ أو النقص. فلقد عملت مع كبار الاستشارييين المصممين داخل السعودية وخارجها في مشاريع عملاقة، وبالمراجعة، كنا نكتشف العديد من الأخطاء البديهية، والتي لا يمكن اكتشافها الا بمراجعة التصميم قبل التنفيذ
خامساً: لا شك أن في اختيار المهندس المصمم المحترف يقطع بك أشواطاً من العمل المكتمل، ولكن يظل التصميم ومخرجاته عمل بشري قابل للخطأ أو النسيان. لذا توصلت لقناعة أن من يتولى الاشراف على المشروع، مكتب هندسي محايد ليس له علاقة بالمكتب المصمم ليتولى مراجعة التصميم
حتى قبل أن يقوم المالك بإعتماد المخططات النهائية، ودفع الدفعة الأخيرة للمكتب المصمم، ليضمن بذلك أن التصميم المقدم بكافة مخرجاته قد استوفى كافة الشروط الهندسية، ولا يعتريه النقص، ولا يترك المجال للمهندس المشرف او المقاول للإجتهاد أثناء تنفيذ المشروع.
وسيكون المهندس المشرف في هذه الحالة، ممثلاً للمالك بالمعنى الحرفي، وحريصاً على مصالحه، ولن يخفي أي عيوباً أو نقصاً في التصميم، كما هو الحال لو كان المهندس المشرف هو المهندس المصمم للمشروع. ولي عودة أخرى بإذن الله لإيضاح المزيد حول هذا الأمر.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه🌹
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه🌹
جاري تحميل الاقتراحات...