محمد القميشي
محمد القميشي

@7_im7md

20 تغريدة 38 قراءة Nov 27, 2019
أن قطاعا كبيرا من المنغمسين في الماجَرَايات السياسية اليومية يتوهمون أنهم هم الحاضرون وغيرهم الغائب،و أنهم في ساحة معركة التأثير و هم أهل فقه الواقع وغيرهم منكفئ متقوقع،بينما-بحسب منظور مالك بن نبي-كل هذا وهم وذهول و ان الذي عليه الرهان هو الالتفات للعمل والإنتاج في العلم و العمل
سأتحدث في هذا الثريد عن أحد رواد النهضة الفكرية الإسلامية في القرن العشرين
مالك بن نبي الذي يعتبر امتداداً لـ ابن خلدون ، و سنتصفح من خلاله الهيكل العام عن حياته و الخبرات الفكرية و الإصلاحية لديه في فرنسا و ننظر لأبرز كتبه و موضوعاته التي عالجها للحضارة ..
حيث يتركب من تقسيمات مالك بن نبي نفسه لحياته ، التي ذكرها في مواضع في كتبه ، أنها تنقسم إلى أربع مراحل ،وقد أطلق على كل مرحلة لقباً خاصاً وهي بحسب تسمياته:
مرحلة الطفل تقع بين(١٩٠٥-١٩٣٠م)،
ومرحلة الطالب(١٩٣١-١٩٣٦م)،
ومرحلة الهائم المنبوذ (١٩٣٦-١٩٤٥م)،
ومرحلة الكاتب (١٩٤٦-١٩٧٣م)
فأما في مرحلة الطالب فبعد عدة تجارب دراسة في فرنسا تمت عرقلتها من جهة الإدارة الاستعمارية وجد نفسه يقدم أوراقة للالتحاق بمدرسة اللاسلكي في باريس ودرس فيها موضوعات الهندسة و الميكانيك و الكهرباء ونحوها .
وأما التي سماها مرحلة الهائم المنبوذ فهي أقسى مراحل حياته ، وسببها أنه ألقى محاضرات بين الطلاب العرب والجزائريين في باريس يستنهض فيها وعيهم وعزتهم ضد الاستعمار ، فأصبحت الإدارة الاستعمارية عبر المستشرق ماسينيون ترصد حركاته وتعيق أي فرصة عمل له وأي سفر يخدمه .
ثم بدأت مرحلة الكاتب ونشر كتبه باللغة الفرنسية ، فنشر أولاً كتابه الظاهرة القرآنية ( ١٩٤٧م) ثم رواية لبيك ( ١٩٤٨م) ثم بعد ذلك نشر كتابه الذي يبدو لي أنه يمكن اعتباره ( الكتاب الأم ) لمالك بن نبي ، وهو كتابه شروط النهظة ( ١٩٤٩م) حيث أجمل فيه عامة أفكارة ونظراته ومفاهيمه ومصلحاته
وأما موضوعات مالك بن نبي التي عالجها فيمكن القول أن مالك بن نبي كان يدور حول سؤالين رئيسيين:
السؤال الأول : كيف نقاوم الاستعمار ؟
و السؤال الثاني كيف ننشئ الحضارة ؟
فهذا المفهومان (الاستعمار) و (الحضارة) هما المحوران اللذان اكتهل مالك بن نبي وهو جاثٍ يغزل نسيجه الفكري حولهما .
ولأجل السؤال الأول دخل في تحليل ظاهرة الاستعمار وكيف خضعت له الشعوب المستعمرة
و ابتكر مصطلحه الشهير(Colonisabilité)
وقد نشره أول مرة في كتابة شروط النهظة المنشور بلغته الفرنسية،
وهذا المصلح لم يكن مستعملاً في اللغة الفرنسية قبل أن يسكبه مالك بن نبي ويعني (القابلية للاستعمار)
و أما السؤال الثاني فهو الذي استحوذ على النشاط الأكبر لتحليلاته و كتاباته ومحاضراته ، ولأجل هذا السؤال أسهب مالك وتشعب..
و أثناء معالجات مالك بن نبي للحضارة يلاحظ القارئ تأكيده الشديد على أهمية أمرين : أهمية الأفكار ، ومركزية القيم الأخلاقية .
و أما من من حيث الأولوية فهو لا ينفك من التأكيد على( أولوية العمل )،ويسميه تارةً (المنطق العملي)
وكان أحياناً يقسم الساحة الجزائرية إلى قسمين : العلماء والسياسيين ، فينتقد العلماء بالاشتغال بالتفاصيل النظرية للعلوم عن العمل ، وينتقد السياسيين بالاشتغال بالجدل الحزبي عن العمل .
وفي كتابه ، مشكلة الثقافة ( ص:٨٧) ، يصرح مالك بن نبي بكل وضوح قائلاً
( ألم نقل : إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة ، ولكن منطق العمل و الحركة ، وهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاماً مجرداً ) .
ولأجل أولوية(العمل)في فقد كان دائم الطرح لأفكار مشاريع تقنية وصناعية،ولطالما روى مثل هذه المواقف بمرارة ساخنة،وكان من الاستعارات التي تعجبه تشبيه مطلب العمل بالورشة كقوله مرة(وبدلاً من أن تكون البلاد ورشة للعمل المثمر...)
وقال مرة (فالوطن أو المجتمع المسلم الذي يتحول إلى ورشة..)
لقد ذكرت آنفاً أن مركز خطاب مالك بن نبي هو ماكان يسميه ( المنطق العملي ) ، وتبعاً لذلك صار هذا معياره في تقييم الواقع ونقده .
ثم رأى أن الجميع قد انشغل بالخطابات السياسية عن العمل و الإنتاج الفعلي على الأرض ، وانتقل للثرثرة السياسية في المقاهي ، ومتابعة الماجَرَيات السياسية .
لكن حسب تفسيره كيف تم جذب المجتمع لهذه الأجواء السياسية ؟
(هو شعار الحقوق الجذابة)
ويعلل بذلك أن الطبيعة البشرية يغريها الحديث عن حقوقها إكثر من إلتزاماتها
وكان يرى أن المسار الصحيح أن يكون مركز الخطاب هو استنهاض الأمة للقيام بـ (الواجب) وليس إشباع رغباتها بالحديث عن (الحقوق)
ويحاجج مالك عن هذا الرأي بنصوص
من القرآن وشواهد التاريخ من قول الله ( إن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتَّى يُغَيِّروا ما بأَنفُسهم )
ويدافع عن قاعدة إجتماعية يذكرها وهي ( الحكومة مجرد آلة اجتماعية تتغير تبعاً للوسط الذي تعيش فيه ) .
و إنها لشرعة السماء ( غير نفسك تغير التاريخ )
هذه الفكره لدى مالك بن نبي عقد لها فصلاً مستقلاً في كتابه المبكر و الرئيس
( شروط النهظة )١٩٤٩م .
شرح من خلال هذا الفصل كيف تشكّلت هذه ( الدروشة السياسية ) التي تتوهم الحل و النهظة في السجال السياسية و الاكتفاء بالمطالبة بالحقوق..
و في صورة أليمة محزنة يرسم مالك بن نبي المشهد وكيف تحولت الطاقات من العمل و الإنتاج المثمر النافع إلى الجدل الماجَرَاياتي في المقاهي ، حيث يقول في كتابه شروط النهظة (ص:٣٧) ..
و أكثر المواضع التي يظهر في تألمه وتكدّره ، حين يعرض لعتبة على الحركة الإصلاحية الفاعلة أن انجرفت إلى اتجاه السياسيين الخطابيين بحسب رأيه،كما يقول في صورة مبتكره في كتاب مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي(ص:٩٨)
(وهكذا غاص الإصلاح في الجدول الذي فيه تسيل شمبانيا الولائم الانتخابية)
الدرس الرئيس من نموذج مالك بن نبي هو أنه يرى أن الحضارة لا تُبنى بمجرد الخطابات السياسية و أن هذه هي وحدها التي تبنيها حالة من ( الدروشة السياسية ) ، وإنما يبنيها الفعالية عبر تحريك المجتمع باستحقاقات التقدّم بالمشروعات العملية ، هذه خلاصة رؤية مالك بن نبي .
@Rattibha رتبها تكرماً

جاري تحميل الاقتراحات...