ولذا أطلق عليه (التسامح القمعي)، فالغرض منه استمرار النظام وتكبيل المعارضة وإجبارها على التخلي عن ثوريتها عن طريق إعطائها مساحة من الحرية في إبداء رأيها لتفرغ طاقتها الثورية، فالتسامح في النهاية هو شكل من أشكال السيطرة.
فمن طبيعة النظام الرأسمالي أنه يدعو إلى بعض المبادئ ويظهر مزاياها لكنها مبادئ مزيفة الهدف منها خدمة مصالحه وتثبيت أركانه.
ينطلق بيونغ تشول هان من ذات الرؤية وإن لم يشر إليها، فيرى أن المجتمع الذي يعيش في ظل النظام الرأسمالي مجتمع واقع تحت قبضة نظام من المراقبة الصارمة، فشبكات التواصل التي يُدعى أنها توفر مساحات للحرية في التعبير عن الرأي ماهي في الحقيقة إلا شكل من أشكال مراقبة المجتمع والسيطرة عليه.
وهنا يعقد بيونغ تشول ب مقارنة بين مشروع سجن بنتام ذاك السجن الذي بني عام ١٧٨٥م ليسمح بمراقبة جميع السجناء عن طريق مراقب واحد فقط دون أن يعرفوا هل هم مراقبين أم لا، ودون أن يكون بينهم أي تواصل، وبين نظام المراقبة الرقمي الحالي،
فبينما كان المساجين معزولون عن بعضهم البعض في سجن بنتام يتواصل الناس اليوم فيما بينهم باستمرار ويتعاونون طواعية لعرض أنفسهم وتعريتها بشكل دائم لا إلزام فيه، وحين كان الهدف من ذلك السجن الضبط الأخلاقي صار الهدف من نظام المراقبة الحالي القهر والاستغلال.
يؤكد المؤلف أن المجتمع في عصر وسائل التواصل بات (مجتمعا شفافا) تنتفي فيه الخصوصية وتنكشف فيه الذات الإنسانية بكل أبعادها، مجتمع كل شيء فيه يُعرض أمام الجميع ولامكان فيه للمجهول، المجهول الذي تتعلق به المتعة، فالمتعة تكمن في السلب في الجوانب الخفية المجهولة،
لاشيء يثير الرغبة والمتعة سوى الأشياء المحتجبة، إلا أن الرأسمالية قضت على هذه الأمور باعتمادها أسلوب العرض وإدخالها كل شيء ضمن دائرة المرئي والمشاهَد.
ختاما: ينتمي الكتاب إلى مدرسة فرانكفورت وهذا ظاهر في محتواه وفي اعتماده على أحد أبرز أعلامها وهو والتر بنيامين، هذه المدرسة التي يحسب لها كشفها وتحليلها للأزمات التي نتجت عن الرأسمالية ونقدها لمشروع التنوير ولكثير من الظواهر في حياة المجتمع الرأسمالي.
جاري تحميل الاقتراحات...