20 تغريدة 3,521 قراءة Nov 25, 2019
مساء الخير، كيف حالكم؟ أوحشتموني.
أول تجربةٍ لي في حياتي للدخان وأنا طفل في الصف الخامس الإبتدائي، في حي المصانع القديم .. رأيتُ هنديًا بفوطة وفنيلة علّاقي صفراء يمشي ويدخن.
رمى سيقارته في الأرض فذهبت أجري لها لأُكملها عنه؛ كنت مشروعًا خالصًا صافيًا ينتظر التلقيح بأمراض الفشل الكلوي والكبد الوبائي والإيدز والسُعال الديكي والحمّى الشوكية وحُمّى الضنك والذهان الجزئي وجدَري الماء والتهابات الأمعاء الجرثومية وكل أمراض الدنيا بمجرد وضعها في فمي.
ولكن الله كفاني من ذلك كله بمنّه وفضله وجعلني أُكمل حياتي سليمًا مُعافًا.
وصدق الله حين قال: "وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون".
وصلت إلى الصف الثاني ثانوي، ثم بدأت بظُلم نفسي.
لم يكن التدخين منتشرًا في عائلتنا، ولكنه كان منتشرًا في المدارس والشوارع والمحلات التجارية، تخيل أن علبة الدخان كاملةً كانت بـ 5 ريال، وفوق ذلك كان العمال في المحلات يبيعون لنا بسعر الجملة .. سيقارتين بريال.
ولم أكن أعي في علم الإقتصاد شيئًا، فكنت أشتري العصر بريال ثم قبل المغرب بريال وبعد بريال وقبل العِشاء وبعد العِشاء وقبل النوم وبعد النوم، حتى يصبح المجموع مليونين ريال، ولو اشتريت من أول النهار بخمسة ريال لاكتفيت من ذلك كله.
وهذا ليس له دخل في علم الإقتصاد؛ إنما فرطٌ في الغباء.
وكان هذا الغباء هِبةٌ من الله، لم يكن فيه أي اجتهادٍ شخصي ولم يحصل لي حادث يؤثر على خلايات التفكير والخلايا المختصة في الجمع والطرح والحِسبة.
غباءٌ خالص.
ثم اصطادني والدي -أدامه الله- برائحة الدخان، كان يعمل في السلك العسكري، وكان عائدًا من دوامه وببدلته، فاختلطت عليه الأمور ولم يفرّق بين منزله وعمله.
فمارس عليّ الجزاء العسكري وسجنني في غرفتي، ففرحت أني لم أُضرب.
بعد ست دقائق من الفرحة دخل عليّ غرفتي ومارس عليّ الفعل الطبيعي للأب السعودي في التسعينات الميلادية؛ كل ماتصل إليه يده وقدمه صفقني به.
تُبت إلى الله ثلاثة أيام بعد ذلك الضرب، ثم عُدت إلى العامل وأنا أُشير إليه من بعيد بدستة ريالاتي.
كان العامل يحبني، ليس لسواد عيني؛ ولكن لأني أكبر عميلٍ في الحارة ينمّي مبيعاته؛ ليس بطرةً مني .. إنما لافتقادي لقُدرات العقل الطبيعية في التفريق بين: كذا أرخص، وكذا أغلى.
ومَشت الحياة يومًا نُضرب ويومًا نُنصح ويومًا يُغضّ عنّا الطرف.
كنت أتلقى النصائح يوميًا عن سوء التدخين، ولكن أكثر من أضحكني في النُصح عن التدخين؛ يومٌ في عزّ الشتاء وفي زحمة الصباح والذهاب للدوامات وأنا واقفٌ بسيارتي في الإشارة أدخّن، ضرب الذي بجانبي بوريّ سيارته وأشار لي.
فأنزلت قزاز سيارتي لأرى مايُريد، فابتسم لي ابتسامة دافئةً جدًا، ابتسامةً حنونة، ابتسامة مُحبّ، ثم قال لي: والله إن الدخان يضرّك وإن اللي يدخّـ ... .
فرفعت قزاز سيارتي في وسط حديثه ونظرت إلى الأمام.
تعرفون الشعور اللي يجيك لما تحس إن فيه أحد قاعد يطالع فيك؟ كنت أحس إنه قاعد يطالع فيني بس مااا ألتفتّ له.
عندما خضّرت الإشارة رغبت أن أنظر إليه قبل أن أمشي، فالتفتّ عليه.
لما رآني أنظر له، وضع يده أمام فمه كأن بيده سيقارة، وبصوته العالي من خلف الزجاج: يعنني رجال يعنني رجال يعنني رجال
ثم ألحقني بتفلة من خلف زجاجي وزجاجه ومشى.
ضحكت حتى كحّيت ورميت السيقارة التي في يدي.
مرّت 12 سنة وأنا أدخّن، 12 سنة وأنا أحرق في جسدي ومالي وصحتي وعافيتي.
لم أنتبه لذلك كله إلا قبل أشهر عندما صعدت ثلاثة أدوارٍ بالدرج؛ فما وصلت الدور الثالث حتى أحسستُ أن قلبي سيخرج من صدري من قوة النبض وشدّته وسرعته.
وأنا مازلتُ صغيرًا جدًا جدًا جدًا على ذلك النبض وذلك الخوف وذلك اللهث المتواصل السريع.
قبل أسبوعين قامت شركتنا مشكورةً ببدء حملة مكثفة لمساعدة المدخنين في الإقلاع عن التدخين، فاشتركت فيها مباشرةً.
طلبوا من أي شخصٍ يرغب بالدخول في البرنامج أن يجرّب تجربةً لديهم وهو أن ينفخ داخل جهاز فيحسب الجهاز عمر رئته.
وهنا كانت الصدمة؛ عمري الفعلي يُدندن حول الثلاثين، عمر رئتي في ذلك الجهاز كان أكبر مني بـ 20 سنة، كاد أن يتوقف قلبي من الحزن عندما رأيت الخمسين مكتوبةً أمامي.
اليوم أكملت أسبوعًا كاملًا لأول مرة منذ 12 سنة دون أن يمرّ النيكوتين في جسدي.
لا أستطيع حصر كل التغييرات التي أحسست بها في أسبوعٍ واحد فقط، ولكن الأكثرها صدمةً، أني اكتشفت أني كل تلك الـ12 سنة لم أكن أتنفس تنفسًا كاملًا، رئتي لم تمتلي يومًا بالهواء.
وإن لم يكن لدى المدخن رغبةٌ في التوقف لصحته، فليتوقف أسبوعًا واحدًا فقط قبل أن يموت، ليجرّب لذّة الشعور عندما تمتلئ رئته بالهواء.
كفاكم الله منه جميعًا وكفى احبائكم منه.
هنا رقم التواصل مع جمعية كفى، تلاحقوا أعماركم .. والله أنكم لاتعيشون الحياة كاملةً مع الناس.
جمعية كفى للتوعية بأضرار التدخين في مساعدتكم؛ هنا رقمهم:
920007848

جاري تحميل الاقتراحات...