بُسْتَانُ العِلم
بُسْتَانُ العِلم

@Taleb_Elm

31 تغريدة 1,409 قراءة Nov 23, 2019
سلسلة تغريدات عن:
(الغناء؛ وتحريم المعازف والموسيقى)
فيها من البيان مايكفي المُنصف!
واعلم -رحمك الله- أن ذكر جميع الأدلة يطول، وخير الكلام ما قلّ ودلّ، ولم يطل فيُمَل
أسأل الله ﷻ أن ينفع بها، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم، ولا يحرمنا أجرها
وجزى الله الخير من قرأها وساهم بنشرها
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ وبعد:
١- فإن الخطاب في هذه السلسلة لايتوجه إلى من لايرى مقاما للشرع في حياة الناس، ولا من يقيّم أحكام الدين بناء على العاطفة، أو من يأخذ من الأحكام مايوافق هواه
فعند النظر في الأدلة يجب التماس مايريده الله لا ماتهواه النفس
٢- يجب أن يُعلم أن الغناء والمعازف حكى الإجماع على تحريمه، وهناك نحو خمسين عالما من سائر المذاهب الفقهية الأربعة (كلهم يحكون الإجماع). وانتشاره في هذا الزمن لايسوِّغ القول بجوازه، فالبعض يتحايل على الذنب باستحلاله، يبتعد من اللوم وتأنيب الضمير ويقترب من عقوبة الله لتحليله ما حرّم
٣- وليُعلم أن ثمّة أمرين:
الأول: الغناء
الثاني: المعازف، وهي آلات اللهو والطرب
وكثير من الناس يخلط بينهما، وأن الغناء باب واسع يدخل فيه الأناشيد والألحان والحِداء والكلام المسجوع. وأما المعازف والموسيقى، فلم يرد من وجه يثبت القول بجوازها عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ولا التابعين
٤- ولذلك يحمل بعض الجهلة ما جاء من بعض النصوص في إباحة الحداء، وماجاء في بعض النصوص من (الغناء) المراد به الشعر، يحملها على المعازف وآلات اللهو والطرب، وهذا جهل شنيع، ومخالفة صريحة، ومكابرة عظيمة لنصوص الشرع، وجهل بمراد الله عز وجل ورسوله ﷺ وجهل بلغة العرب وكلام السلف رحمهم الله
٥- وقد أشكل ذلك على كثير من المتأخرين، وظنّوا أن ما يُطلق من أقوالهم يراد به الغناء باصطلاح المتأخرين الذي يشتمل على المعازف والموسيقى، وهذا غاية الجهل، فإن هذا لم يكن عندهم مطلقا
قال الإمام ابن الجوزي -رحمه الله-:
(كان الغناء في زمانه إنشاد قصائد الزهد، إلا أنهم كانوا يلحنونها)
٦- ولو قلنا أنهم يقصدون بالغناء هو المصحوب بالمعازف، لقلنا أن النبي ﷺ في الحديث الصحيح قال: (ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن)
فهل معناه أنك تقرأ القرآن وتعزف بالمعازف أثناء قراءتك لأن الغناء عندهم هو المصحوب بآلات الطرب؟
لا، بل معناه ماجاء في الحديث الآخر: (زيّنوا القرآن بأصواتكم)
٧-ومن نظر إلى لغة العرب واستعمالهم للغناء وجد أنهم يريدون به الشعر، والكلام المسجوع، فيسمونه غناء
يقول حميد بن ثور:
عجبت لها أنّى يكون غناؤها ** فصيحاً ولم تَفْغَر بمنطقها فَمَا
وذلك أن الغناء هو ما خرج من الفم مجردا، ولا يلحق به غيره، فإن سُمع معه غيره من المعازف لم يكن مجردا
٨- وما زال العرب في الجاهلية والإسلام يستحبون الشعر وإنشاده، حتى أصحاب النبي ﷺ
فالشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح
روى البيهقي في سننه بإسناد حسن عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ رجالا يقولون الشعر، ويتلذذون به، فإذا أُريد أحد منهم على دينه دارت حماليق عينيه)
٩-وقد ابتُلينا في هذا الزمن بأُناس هم أجهل مايكون بلغة العرب الفصيحة. ويفتحون كتب السنة ودواوينها ويفترون فرياً في إستنباط الأحكام، ويتقولون على الله الكذب بتحليلهم ماحرّم الله، ومثل هؤلاء لايُعذرون بجهلهم، لأن النصوص في التحذير من القول على الله بغير علم مستفيضة في القرآن والسنة
١٠- والثابت في القرآن والسنة تحريم المعازف وآلات اللهو والطرب، وهذا ما ثبت أيضا عن الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين
وقد حرّمها الله على عباده بمكة قبل الهجرة، وهذا يدل على عِظَم خطر الغناء، وأثره على العباد، فقد أنزل الله تحريمه في سورة النجم وفي سورة لقمان وهما سورتان مكيتان
١١- قال تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله} [لقمان:6]
ثبت عن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود أنه قال في تأويل هذه الآية:
(والله الذي لا إله إلا هو إن لهو الحديث لهو الغناء) يرددها ثلاثا
وعبدالله بن مسعود من أعلم الصحابة بالتفسير إن لم يكن أعلمهم على الإطلاق
١٢- فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (مَن أحَبّ أنْ يَقرَأَ القُرآنَ غَضّاً كما أُنزِلَ، فلْيَقرَأْه على قِراءةِ ابنِ أُمِّ عبد)
وابن أم عبد: هو عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وهذه منقبة عظيمة له.
والمعنى: أنه يحفظُه ويقرؤُه كما أنزله الله مع التزام أحكامِه وجمال الصوت
١٣-وروى البخاري ومسلم أن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- قال:
(والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أُنزلت، ولو أعلم أحداً هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه)
فيا عجبي لمن يترك قول ابن مسعود ويأخذ بقول فلان وفلان!
١٤- قال إمام المفسرين من التابعين مجاهد بن جبر -رحمه الله- [وهو الذي عَرَضَ القرآن على عبدالله بن عباس ثلاثين عَرضَة] يقول:
(لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود لم أحتج إلى أن أسأل ابن عباس عن كثير مما سألت)
فكيف وابن مسعود - رضي الله عنه - يُقسم بالله ثلاثاً بأن لهو الحديث هو الغناء !
١٥- وفي قوله ﷻ {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله}
قال ابن عباس: (نزلت في الغناء وأشباهه)
وقال جابر بن عبدالله ومجاهد: (هو الغناء)
وروي أنه الغناء عن جماعة من السلف منهم مكحول وعكرمة وقتادة وعطاء الخراساني وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وعمر بن شعيب وعلي بن بذيمة
١٦- قال تعالى: {أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * وأنتم سامدون}
ثبت عن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: (السّمود هو الغناء).
وثبت عن عكرمة مولى ابن عباس أنه قال: (السّمود هو الغناء في لغة حِمْيَر) أي: لغة أهل اليمن.
يُقال للجارية: اسْمُدي لَنَا، أي: غَنِّي لنَا
١٧- وقد جاء في النهي عن الغناء والمعازف أحاديث كثيرة
منها ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (لَيَكُونَنّ من أمّتي أقوام ، يَسْتَحِلُّون الحِرَ، والحَرِيرَ، والخَمْرَ، والمَعَازف)
وقوله (يَسْتَحِلُّونَ): أي يصيّرونها حلالا
وانظر كيف قرنها ﷺ بأمور عظام كالزنا وشرب الخمر
١٨- وقد رد ابن حزم حديث المعازف باعتبار أن البخاري قال: قال هشام بن عمار
والجواب على ذلك: أن هشام بن عمار شيخ للبخاري، وقد حدّث عنه، وحمْلُه على عدم السماع لا يمكن أن يُقبل إلا إذا كان البخاري موصوفا بالتدليس وهو ليس كذلك
ثم إن الحديث متصل عند ابن حبان والطبراني والبيهقي وغيرهم
١٩- وابن حزم -رحمه الله- قد أقسم بالله في كتابه المُحلى بعد تعليله لهذا الحديث، بأنه لو كان الحديث متصل لقال به.
قال: "ووالله لو أسند جميعه أو واحد منه فاكثر من طريق الثقات إلى رسول الله ﷺ لما ترددنا في الأخذ به"
وقد اتصل الحديث بأسانيد صحيحة من عدة طُرق. مرفقة في الصورة أدناه
٢٠- ومما جاء في تحريم الغناء:
ما رواه الإمام أحمد وأبو داوود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله حرّم عليكم الخمر والميسر والكوبة)
والكوبة: قيل: هي الطبل. وقيل: هي المعازف. وقيل: إنها اسم يطلق على سائر أنواع المعازف.
ومرفق في الصورة أدناه الرد على من ادّعى أن الكوبة هي النرد
٢١- ومما جاء في تحريم الغناء:
ما رواه الإمام البيهقي وأبو عبيد القاسم بن سلّام وغيرهم بإسناد صحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: (أنّ رَسُول اللهِ ﷺ نَهَى عَن كَسْبِ الزّمّارَةِ)
وكما هو معلوم وجاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إنّ اللهَ إذَا حَرّمَ شَيْئًا حَرّمَ ثَمَنَهُ)
٢٢-وقد سمع ابن عمر مزمارا، فوضع إصبعيه على أذنيه ونأى عن الطريق، وقال: (كنت مع النبيﷺَ فسمع مثل هذا،فصنع مثل هذا)
والحديث ثابت جاء من عدة طرق لاتخلو من كلام، غير أن هذه الطرق تعددت فقويت وصار بمجموعها محفوظا
ولايعلم أن النبيﷺ وضع إصبعيه في أذنيه استنكارا لشيءإلا في هذا الحديث
٢٣- ومن نَظَر إلى هذه النصوص وجدها صريحة؛ وواضحة جَلِيّة في تحريم المعازف. وقد اتفق الأئمة من الصحابة على تحريم ذلك، ولم يُنْقَل عن أحد منهم القول بجوازها، بل قد نصّوا على التحريم.
ولا يزال العلماء على مَرِّ العُصور ينقلون إجماع السلف والخلف على تحريم المعازف وآلات اللهو والطرب.
٢٤- ومَن نَظَر إلى العلماء في كل قرن وَجَد أنهم يتتابعون على نقل الإجماع على تحريم المعازف وآلات اللهو والطرب.
ولا يُعْلَم قرناً من القرون خَلَا مِن عَالِم ينقل الإجماع على تحريم الغناء والمعازف.
مرفق في الصورة ذِكر بعض الأئمة والعلماء في كل قرن مِمن حكوا الإجماع على تحريم ذلك.
٢٥- وإن كُنا نعلم بل نتيقّن أن أقوال الأئمة والعلماء ليست نصوصاً من الوحي، وأن كلامهم ليس بِحُجة في ذاته، وأنه بحاجة إلى أن يُحتج له لا أن يُحتج به، ولكن تُساق أقوال الأئمة والعُلماء -رحمهم الله- لِيُعلَم الإجماع والإطباق. فإن إجماع الأئمة والعلماء مُعْتَبَر، ولا يكون إلا على نص.
٢٦- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
(لم يكن في القرون الثلاثة المفضلة؛ لا في الحجاز، ولا في الشام، ولا في اليمن، ولا في مصر ولا في العراق، ولا في المغرب ولا في خراسان، عند أهل الصلاح، وأهل الزهادة، وأهل العبادة الاجتماع على مثل المُكاء والتصدية، إنما نشأ ذلك في أواخر المائة الثانية)
٢٧- وكثير من الأئمة والعلماء شنّعوا أشد تشنيع على من كان يستمع للمعازف وآلات اللهو والطرب، فأتهمه بعضهم بالفسق، وأتهمه بعضهم بالنفاق، ومنهم من رد شهادته وقال أنها لاتُقبل، وأقوالهم في هذا الباب كثيرة.
فإن كانت هذه الأقوال لمُستَمِع المعازف والموسيقى، فكيف بأولئك الذين يستحلونها؟
٢٨- وقد نص بعض الأئمة والعلماء على تكفير من استحل الغناء والمعازف
فمن الحنابلة: ابن قدامة وغيره.
ومن المالكية: القاضي عياض وغيره.
ومن الحنفية: البزازي وزين الدين الكرماني وغيرهم.
وهؤلاء أئمة كبار وما قالوا ذلك إلا أن المسألة وصلت إلى درجة من درجات الوضوح لديهم فقالوا بهذا القول
٢٩- ويستدل من يستحلون الغناء والمعازف بعدة أحاديث يحومون حولها، منها:
* حديث الجاريتين مع عائشة
* حديث لعب الحبشة في المسجد
* حديث التي نذرت أن تضرب بالدف بين يدي النبي ﷺ
*حديث قرظة وأبو مسعود الأنصاري
مرفق في هذه الصور الجواب الكافي والشافي لكل حديث، وإزالة الشبهة المتعلقة به
٣٠-وفي ختام هذه السلسلة أقول:
اعلم -رحمك الله- لو أن الجن والإنس، اجتمعوا على قول واحد (جواز الغناء والمعازف) فإن ذلك ليس بحجة لك أمام الله يوم القيامة. لأنه ﷻ سيقول: {مَاذَا أجَبتُمُ المُرْسَلِين} ولن يقول ماذا أجبت فلان ولماذا لم تتبع فلان
نسأل الله الثبات على الحق حتى نلقاه

جاري تحميل الاقتراحات...