شَغَلَ السؤال عن ماهية الشرّ الفلاسفة منذ زمن قديم، والخلاف فيه قائم على اختيار جواب من اثنين: أولّهما أنّ الشرّ حقيقة موضوعيّة، وثانيهما أنّ الشرّ ليس إلّا غيابًا للخير (privation of good).
يفضي النظر الهادئ إلى القول إنّ دعوى أنّ الشرّ يمثّل “شيئًا ما في ذاته” ليس إلّا نوعًا من أنواع المغالطات المنطقية؛ أي مغالطة التشييء أو التجسيم (Reification)؛ إذ يتمّ التعامل مع الأشياء المجرّدة (abstract) على أنّها ذوات متحيّزة أو أحداث واقعيّة.
ليس الشرّ في واقع الناس مادة تُحسّ ولا ذاتًا تُجسّ ، وإنّما هو أثر لفعل أو حال ما، إذ لا وجود لشر مطلق، ولذلك فهو أمر نسبيّ أو جزئيّ. وبصورة أدقّ، علينا أن نعتبر الشرّ صفة (adjective) لا ذاتًا، وأنه لا يُعامل معاملة الاسم إلّا إذا كان في صيغة التجريد.
ولنا هنا أن نتساءل: “هل بإمكاننا أن نتصوّر في خيالنا وجود عالمٍ شر من كلّ وجه؟” أي وجودٌ كلّ ما فيه شر لا يخالطه خير في مبناه أو مآله، والجواب الذي يضطر إليه كلّ واحد منّا هو ما قاله (جون جوردون ستاكهاوس)“لا يمكنني تصوّر ذلك، ولم أشهد أيّ وصف لذلك العالم في العلم أو الفلسفة
ما الشرّ، إذن، إلّا حال وصفي، أو بعبارة (كورنليوس بلنتنجا) غير ما يجب أن يكون عليه الشيء] وهو عين ما انتهى إليه عامة الثيوديسيين المسلمين من قبل، وقد سبقهم إلى ذلك طائفة من الإلهيين، وعلى رأسهم (أوغسطين).
والحجّة في هذا الباب هي أنّ الشرّ واقعيًا ليس إلّا عارض فساد في شيء من أشياء الوجود التي هي في أصل وجودها سليمة من العيب، كالجرح في اليد، والصدأ في الحديد، فلولا اليد، وأصل سلامتها، ما كان الجرح، وما عرفنا أنّه انتقال عن أصل السلامة، ولولا مادة الحديد وأصل براءتها ممّا يخرّبها،
جاري تحميل الاقتراحات...