18 تغريدة 26 قراءة Nov 22, 2019
لماذا مكة..؟
هذا هو السؤال الذي نبدأ به، لماذا لم يُبْعث الرسول في فارس أو الروم أو في فلسطين ككثير من الأنبياء؟ أو في مصر كسيدنا موسى ؟
لماذا ينزل الوحي في مكة، وتجري أحداث قصة الرسول في المدينة والجزيرة والطائف وغيرها؟
ليس هناك نقطة واحدة في حياة الرسول عشوائية، بل كل نقطة بحساب، فإن الرسول سيصير قدوة لكل المسلمين؛ لذا لا بد أن تكون كل خطوة في حياته محسوبة بدقة.
إذن كان الوضع في جزيرة العرب هو الوضع المناسب لقيام الدعوة الإسلاميّة.
من الواضح أن التجربة الإسلاميّة الأولى كانت تجربة ناجحة تمامًاو أيضًا أن البيئة التي نشأت فيها الرسالة، وخطت فيها خطواتها الأولى كانت بيئة صالحة؛ لأننا رأينا الإسلام ينتشر بسرعة عجيبة وبثبات أعجب غضون سنوات قليلة لا تحسب في التاريخ بشيء وصل الإسلام من أقصى الأرض إلى أقصاها
ليس هذا فقط،بل دخل الناس في دين الله أفواجًاراغبين غير مكرهين
نريد أن ندرس هذا السؤال لنعلم المقومات التي أنجحت هذه الرسالة
نعم إن الرسالة من الممكن أن تحقق نجاحًا ذاتيًّا، لأنها عظيمة في ذاتها،وتصلح لكل زمان ومكان، ولكن من منظور هذه السطورنقول:كيف نبني أمة
وأول البناء وضع الأساس
نريد أن نعرف لماذا اختار الله هذه الرقعة من الأرض لوضع الأساس لهذا المشروع الناجح (الإسلام)؟
لعل من الحكمة من وراء نزول الرسالة في هذا المكان أنّ أهل هذه البقعة من الأرض كانوا يؤمنون بالله ، ويعلمون أنه خالق، ولكنهم حكموا غيره في حياتهم، واتخذوا إليه شفعاء،
فالذي يؤمن بالله، ولكن هناك اضطراب في فهمه أقرب من الذي يؤمن بإله آخرأو لا يؤمن بوجود إله أصلاً
لم يكن في الأرض وقت البعثة النبوية الشريفة من يفقه هذه الحقائق إلا أقل القليل كان هناك من يعبد المسيح وهناك من يعبد النارومن يعبد بوذا،وفي الهندمن يعبد بقرةً أو شجرةً أو فأرًا أو قردًا
أولويات اختيار المدعو
لكنّ الله يعلمنا أن ندعو الأقرب فالأقرب:
- فندعو الذي يؤمن بوجود الله قبل الذي ينكر وجوده.
- وندعو الذي يعظِّم الله قبل الذي لا يعظمه.
- كما ندعو الذي يحب الدين ولكن لا يتبعه قبل الذي لا يحب الدين أصلاً.
وأولى الناس بدعوتنا في هذا الزمان هم المسلمون.
•الوضع الثقافي في الجزيرة العربية
الوضع الثقافي في مكة المكرمة خاصة فلم يكن فيها فلسفات،ولم يكن فيها تشريعات مركبة، ولم يكن فيها قوانين مفضّلة، إنما هي حياة بسيطة إلى أبعد درجات البساطة،بينما كانت الحضارات المعاصرة ذات أفكار مرتبة، وفلسفات خاصة، وتاريخ طويل، على الوضع التالي:
1- الدولة الرومانية الغربية والشرقية
كان لديها قوانين وتشريعات في مختلف المجالات، بالطبع كان فيها ظلم وإجحاف، ولكنها في العموم قوانين تغطي مجالات الحياة.
2- اليونان
كانت جزءًا من الدولة الرومانية، كما ظهر فيها فلاسفة كبار لهم فلسفات خاصة كسقراط وأفلاطون وأرسطو.
3- الدولة الفارسية
ظهر لديهم فلاسفة كمزدك (صاحب فكرة الشيوعية) وزرادشت.
4- الهند
كان لديهم الكثير من حكمائهم طبقًا لأفكارهم.
5- مصر الفرعونية
وكان لديهم تاريخ طويل، وقوانين وتشريعات عديدة.
ورغم كل هذا نشأت الرسالة في مكان يعتبر بلا تاريخ ولا وضع ثقافي يُذكر، اللهم إلا الشِّعر، لكن حتى الشعر لم يكن له دور فعال، أو أهمية خاصة في إنشاء الأمة الإسلاميّة، بل إن رسول الله لم يكن يعرف نَظْم الشعر رغم بلاغته وفصاحته
أي لا يصح له أن يقول الشعر، وليس ذلك لأن الشعر حرام،
ولكن لكي لا يختلط على الناس الأمر، فيعتقدوا أن القرآن نوع جديد من الشعر ساقه الرسول من عنده
وكذلك كان المهاجرون -على فصاحتهم لا يقولون الشعر إلا قليلاً، فأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبيركان معظمهم لا يقول الشعر، ولم يظهر للمسلمين شعراء إلا بعد تثبيت أركان الدولة الإسلاميّة
• - نقاءرسالةالإسلام
كل ما ذكرناه آنفًا لم يكن إلا لشيء واحد، هو من الأهمية بمكان، ألا وهو: نقاء الرسالة؛ حتى لا تختلط الرسالة بأفكار أخرى سابقة، وهنا قد يتهمها الناس بأنها مجرد تطور لمعتقدات معينة، وقواعد خاصة وضعوها منذ آلاف السنين، قد يحث بعضها على معنى أو فضيلة معينة
إن الجزيرة العربيّة رغم خلوها من الفلسفات والأفكار القديمة، فإن مجتمع المسلمين فيها احتاج جهدًا كبيرًا لإلغاء عادة مثل التبني، فقد استلزم الأمر طلاق الصحابي الجليل زيد بن حارثة من زوجه زينب بنت جحش رضي الله عنهاثم زواج النبي منها، كل ذلك لإحداث هزة في المجتمع لإلغاء هذه العادة
إن الله يريد أن يحفظ نقاء الرسالة، ولعل هذا هو السر -أيضًا- في عدم نزول الرسالة في فلسطين، وذلك حتى لا تصبح الرسالة مجرد امتداد لليهودية أو النصرانية
نعم أصول التوحيد واحدة، ولكن الإسلام أتى بتشريع كامل متكامل يحكم الدنيا والدين،كما أن اليهودية والنصرانية قد حُرِّفَتا بدرجة كبيرة
أراد الله أن تنزل الرسالة في مكة ليس فلسطين، حتى لا يدّعي أحد أنَّ الرسول قد مزج بين التوراة والإنجيل،وحرَّف فيهماوصنع منهما الإسلام.
إن كفار مكة قد ادعوا ذلك على الرسول فادّعوا أن الرسول يأخذ القرآن من غلام نصراني،فكيف لو نزلت الرسالة في بلدٍ مملوءٍ بأهل التوراة والإنجيل كفلسطين
لذلك نزلت الرسالة في بلد ليس فيه أي نوع من الثقافات السابقة أو القوانين أو التشريعات. كل هذا ليبقى الدين في النهاية نقيًّا خالصًا {أَلاَ للهِ الدِّينُ الخَالِصُ} [الزُّمر: 3].
من هنا نفهم موقف رسول الله من عمر بن الخطاب عند رؤيته يقرأ صحيفة من التوراة.

جاري تحميل الاقتراحات...